النسخة الورقية
العدد 11148 الخميس 17 أكتوبر 2019 الموافق 17 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:18AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:41PM
  • المغرب
    5:08PM
  • العشاء
    6:38PM

كتاب الايام

مطارحات

هوامش حول «وثيقة المبادئ والمصالح»

رابط مختصر
العدد 8764 الاثنين 8 ابريل 2013 الموافق 27 جمادي الأولى 1434

منطق الإصلاح أم منطق الثورة؟ المتابع لأدبيات وتصريحات وخطب ووثائق المعارضة المتكاثرة في مسمياتها ومفرداتها وأفقها السياسي والفكري، يكتشف - بالرغم من محاولات إظهار أنها موحدة على صعيد «البرنامج السياسي»، يكتشف في الحقيقة - وهذا واقع الحال - أنها منقسمة «فكريا» يتجاذبها تياران: - الأول: إصلاحي ويسعى إلى أيجاد حلول ومعالجات واقعية للأزمة السياسية، مع الإقرار ـ صراحة أو ضمنا ـ بالثوابت وبشرعية النظام وطبيعيته آخذا بعين الاعتبار طبيعة الواقع المحلي والسياق الإقليمي - الثاني: ثوري - انقلابي، يتراءى له انه قادر على قلب الطاولة والبدء من الصفر، وقد شهدنا ذلك أيام» إعلان الجمهورية» ومازلنا نشاهده يوميا في المظاهرات الفوضوية والشعارات والفعاليات التي يقودها هذا التيار من الباطن او يتقدمها صراحة في الداخل والخارج، مستندا إلى التحشيد الطائفي بالدرجة الأولى والى الترسانة الإعلامية الإيرانية بدرجة ثانية. ومن الواضح أن صوت هذا التيار الأول قد بات خافتا خفيضا وخجولا أمام تغول التيار الثاني، بسبب ما يتوافر له من موارد وإمكانيات ودعم إعلامي وسياسي خارجي، ولذلك نلاحظ أن «الأصوات المعتدلة» التي عرفناها في السنوات السابقة قد اختفت فجأة، وتوارت عن الانظار وكأنها تبخرت، ولم تعد موجودة على الخارطة السياسية والإعلامية، في حين تتصدر الوجوه المتصلبة الساحة والتي تشيع خطابا مفعما بالثورية الحادة، تتكلم عن حلول جذرية ونهائية، وتعمل على إلغاء كل شيء قائم تقريبا، لتبدأ من لحظة العدم لتنشئ عالمها الجديد على أنقاضه، ضاربة عرض الحائط بالواقع جملة وتفصيلا، ولذلك لا ترى أمامها إلا أنها»منتصرة في المعركة المظفرة». في هذا السياق اطلعت على وثيقة منشورة على موقع لؤلؤة البحرين بعنوان:»وثيقة المبادئ والمصالح المشتركة» مذيلة بأسماء خمس جمعيات معارضة، تضم الأفكار والمبادئ التي تعتبرها هذه الجمعيات أساسية لأنها تشكل المصالح المشتركة للشعب «يلاحظ هنا أنها قدرت لوحدها هذه المصالح». وبغض النظر عن حقيقة نسبة هذه الوثيقة إلى الجمعيات المعارضة «بالنظر إلى انه لم يتم تبنيها أو نفيها رسميا إلى تاريخ كتابة هذه الملاحظات» فإن تفحص هذه الأفكار والمبادئ بصيغتها المنشورة - أيا كان القصد من نشرها في هذا التوقيت- يطرح العديد من التساؤلات حول حقيقة مواقف ورؤى هذه الجمعيات على صعيد الإصلاح السياسي، ومدى واقعية طرحها والمدى الواقعي في التعامل مع موضوع الإصلاح السياسي، وما إذا كانت بالفعل ترغب في الوصول إلى حلول توافقية واقعية وسطية من خلال هذا الحوار للخروج من الأزمة الحالية، لأن الأخذ بالمنظور «الجذري» المطلق في الرؤية السياسية كخيار سياسي يساوي في غايته النهائية الثورة، وفي منتهاه العدم.. فمن حيث المضامين والمرجعيات تبدو هذه الوثيقة في بنيتها اللغوية وفي مرجعياتها الفكرية مصاغة على النحو الذي يذكرنا بروح «بيان الحزب الشيوعي» لكارل ماركس وفريدريك أنجلز 1848، وإن كانت المرجعية الفكرية هذه المرة ليست ماركسية وإنما تنتمي إلى النسخة الأكثر ليبرالية في العالم، ضمن سياق نظام جمهوري علماني، بل ان المبادئ التي تضمنتها تبدو من حيث طموحها وسقفها أعلى مما هو موجود في بعض النظم الديمقراطية الغربية العريقة، مما يدعو إلى التساؤل: لمن يتم إعداد مثل هذا الوثيقة؟ وإلى أي مجتمع؟. ومن الواضح، أن هذه الوثيقة، في تركيزها على المرجعيات الدولية والتنصيص على العهود والاتفاقيات الدولية حيث القيم والمبادئ والآليات، تحاول مخاطبة الخارج أكثر من الداخل، كالتركيز على الإشراف الدولي وعلى جميع الجوانب السياسية والدستورية، بعيداً عن مفهوم ومعنى ومحتوى الإصلاح السياسي الوطني ومرجعياته المستقرة والتقليدية وحدودها المرسومة وحتى الممكنة واقعيا، وبعيدا عن «الثوابت الوطنية» المستقرة في ضمائر الناس، فجميع الإحالات في الوثيقة تتم وفقا لمرجعية الأمم المتحدة والعهود الدولية فقط «والإحالة على المرجعية الدولية في ذاتها ليست خطأ وانما المشكلة تكمن في الاقتصار عليها دون غيرها منقطعة عن السياق المحلي وطاقات احتماله في اللحظة التاريخية الراهنة». إن صياغة هذه الوثيقة توحي في أفقها وجذريتها كأننا بصدد إنشاء دولة جديدة من العدم، أو إزاء إعادة بناء دولة من الصفر «نتذكر أن البعض قد نادى صراحة إبان الأزمة الأخيرة بمجلس تأسيسي للبدء من الصفر» بما يعني أن هذا الإغراء ما يزال قائما في أذهان محرري الوثيقة، بل من الواضح في المتن والهوامش تواتر الإحالة على نوع من الوصاية الدولية، من خلال الحديث عن «مراجعة قرارات الدولة من خلال جهة مستقلة»، كما هنالك إلحاح على أن الوثيقة تتبع «أفضل الممارسات الديمقراطية في العالم» وانه - بالتالي - لا خلاف حول المبادئ والرؤى التي تبشر بها على الصعيد الدولي والإنساني، فالتماهي هنا هو مع المطلق مع العالمي، وليس مع الواقع، مع المثال وليس مع الأرض، فكأنما الهدف هو كسب تعاطف المجتمع الدولي، كأولوية معادلة لقوة الدولة والمجتمع المحلي، مع الإعراض تماما عن معالجة إشكاليات وتطلعات ورؤى الداخل وتناقضاتها وتوازناتها الواقعية وامتداداته الإقليمية، لأن هذا الداخل غير مأخوذ في الحسبان، بما يعزز غياب الواقعية السياسية في مشروع المعارضة. ان تفحص ما ورد في هذه الوثيقة، يفضي إلى نتيجة واحدة حيثما قلبته وهي الهدم الكامل لأسس الدولة البحرينية القائمة والممتدة على مدى قرنين من الزمان، بشرعية الحكم فيها، وبمؤسساتها الدستورية، وبإجماع شعبها على القيم والمبادئ الجامعة، وبهذا المعنى تؤصل لعدم الاعتراف بشرعية الحكم والدولة القائمة، من خلال الدعوة إلى عقد اجتماعي جديد «يبدأ من الصفر على هوى المعارضة»، وهذا يعني إلغاء كل شيء تقريبا أو «الانقلاب على الدولة» في النهاية، بل والانقلاب على المجتمع نفسه، فلا توجد إشارة واحدة لشرعية الحكم ولا لطبيعته ولا إلى الملك أو الدستور أو الميثاق أو المؤسسات الدستورية والإشكاليات القائمة وكيفية حلها ومعالجتها ضمن سياقها المحلي والإقليمي وضمن الانفتاح على الأفق الإنساني، فضلا عن استبعاد المرجعيات الأساسية المستقرة وتقليص جميع ما يتعلق بهوية البحرين العربية وانتمائها إلى الوطن العربي: «مثل استبعاد الفقرات الواردة في دستور مملكة البحرين 2002م، «شعبها جزء من الأمة العربية - إقليميها جزء من الوطن العربي الكبير- لغتها الرسمية هي اللغة العربية-. إلخ...)، فقد تم الشطب على هذه العبارات نهائيا والاقتصار على صياغات عامة حول هوية عامة فقط. أما من حيث انعكاس ما ورد في هذه الوثيقة على الحوار الوطني الجاري حاليا، فيمكن ملاحظة - ودون عناء كبير- أن جزءا من مضمون هذه الوثيقة يتم طرحه بإلحاح وإصرار على هذا الحوار، وفرضه على أجندته، كالمطالبة بمشاركة أو وساطة أو خبرة أممية من منظمة الأمم المتحدة، تشرف على مخرجات الحوار وتنفيذه، هذا فضلا عن التطابق شبه التام بين أهم مفردات هذه الوثيقة ووثيقة المنامة من ناحية، والنقاط التسع المعلن عنها في الحوار كنقاط مرجعية، ولذلك نعتقد أنه من المؤمل أن تفضي المناقشات والحوارات الواقعية حول الطاولة التي تجمع كافة الأطراف الوطنية المعنية ـ مهما تعقدت وتعثرت ـ إلى تعزيز النزعة الواقعية والخروج من عالم المثال والتنظير ومن أفق الانقلاب الجذري إلى توافقات وطنية حقيقية واقعية يمكن تبنيها من أغلبية المواطنين، تسهم في التقدم نحو المستقبل المشترك، بعيدا عن النزعات الإقصائية.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها