النسخة الورقية
العدد 11154 الأربعاء 23 أكتوبر 2019 الموافق 23 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:21AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:37PM
  • المغرب
    5:03PM
  • العشاء
    6:33PM

كتاب الايام

أدب الحوار ومتطلباته

رابط مختصر
العدد 8763 الاحد 7 ابريل 2013 الموافق 26 جمادي الأولى 1434

شأنه شأن أي نشاط إنساني مجتمعي/سياسي آخر، لا بد أن يكون للحوار التوافقي الذي يشهده الشارع السياسي البحريني اليوم آدابه التي تنظم مداخلاته، وقيمه التي تسير آليات العلاقات القائمة بين المشاركين فيه. ولا يقتضي الأمر من المشاركين العودة لكتب السياسة وفقه العلاقات الدولية الأجنبية كي يكتشفوا ذلك، إذ ينبع أدب الحوار من صلب ثقافتنا الإسلامية، ومن صلب لغتنا العربية القرية بمفرداتها الواضحة، هذا انطلاقا من قناعتنا بأن اللغة هي الحاضنة الطبيعية لحضارات الشعوب وثقافاتها. فالحوار لغة، وكما تذكره كتب النحو والصرف العربية هو «معناه لغة الجواب والمجادلة، وهي المُراجعة في الكلام «، وكما جاء في ابن منظور «وهم يتحاورون أي يتراجعون الكلام، والمحاورة مراجعة المنطق والكلام في المخاطبة، والمَحُورَةُ من المُحاوَرةِ مصدر كالمَشُورةِ مِن المُشاورةِ». أما على المستوى السياسي، فهناك مواصفات كثيرة لآداب الحوار من بين الأهم فيها: 1. القبول بالآخر واحترام ما يحمله من أفكار، وما يداو به من أقوال، بمعنى استعداد من يشارك في أي حوار على القبول بالخصم كند على قدم المساواة في الحقوق قبل الواجبات، دون ان يعني ذلك القبول بما يحمله من دعوة او أفكار وبرامج، إذ يبني مثل هذا الاحترام البيئة الطيبة الملائمة لإنجاح الحوار، وتجنيبه أية منعطفات مصدرها استخدام الألفاظ البذيئة، أو اللجوء إلى السخرية من الخصم، أو الاستهزاء بما يحمله من أفكار، فكل تلك السلوكيات، غير المقبولة، من شأنها افساد الحوار أو حرفه عن مجراه الإيجابي الصحيح، وفي بعض الأحيان، أخذه نحو طريق مناهضة لطريقه المرسومة له. 2. حسن الاستماع للآخر، بمعنى الرغبة الصادقة الجادة في الإنصات لما يريد الآخر قوله، فالمتحدث البارع، هو، في حقيقة الأمر المستمع الجيد الذي يصيخ السمع لمن يخالفه في الرأي، لما في ذلك من تقدير لما يقوله الخصم، او المنافس من جانب، ومن تهيئة للنفس للقبول بما يحتويه كلام الآخر من حق، كي يتسنى لذلك المستمع الجيد امتلاك القدرة التي تمكنه من دحض راسخ ما تحمله مداخلة ذلك المخالف من باطل. 3. احترام الوقت، وحق المداخلة، بمعنى تقيد المشارك في الحوار بالوقت المحدد له، وعدم الاستئثار بدور غيره في الحديث. فليس حق المشارك الاسترسال في كلامه دونما وجه مبرر، أو تكرار حديثه بمصادرة وقت الآخرين. وربما كان من المفيد هنا استحضار قول ابن عقيل في كتابه «الجدل» كما ينقله عنه بعض الباحثين، حيث يقول «وليتناوبا الكلام مناوبة لا مناهبة، بحيث ينصت المعترض للمُستَدِلّ حتى يفرغ من تقريره للدليل، ثم المُستدِلُّ للمعترض حتى يُقرر اعتراضه، ولا يقطع أحد منها على الآخر كلامه وإن فهم مقصوده من بعضه، مضيفا، وبعض الناس يفعل هذا تنبيهاً للحاضرين على فطنته وذكائه وليس في ذلك فضيلة إذ المعاني بعضها مرتبط ببعض وبعضها دليل على بعض، وليس ذلك علم غيب، أو زجراً صادقاً، أو استخراج ضمير حتى يفتخر به». 4. تحاشي منهج الإفحام والتحدي، بمعنى، تحاشي أن يكون القصد من وراء المشاركة في الحوار، أو المداخلات التي يقوم بها المشاركون فيه، إبراز العضلات الفردية، وتحدي الآخرين. فمن الضرورة بمكان تقيد المشاركين بتجنب أسلوب التحدي والتعسف في الحديث، من أجل وضع الخصم في زاوية محصورة إمعانا في إحراجه، ورغبة في الإساءة إليه، حتى ولو كانت الحجة بينه. ولضمان تقيد المتحاورون بأدب الحوار، لا بد أن تتوفر فيهم الصفات التالية: 1. الخبرة الغنية، والعلم الراسخ بموضوعات الحوار وأهدافه، بمعنى تسلح المتحاورين بذخيرة فهم الموضوعات المطروحة على الطاولة التي يتحلقون حولها، وامتلاكهم الخبرة الضرورية التي تعينهم على إيصال الحوار إلى نهاياته السليمة التي أبحر الجميع بحثا عنها. ليس المطلوب هنا الخبرة بدقائق الأمور، والعلم، بتفاصيلها، بقدر ما هو الإحاطة بالإطار العام والقضايا الكبرى ذات العلاقة بموضوعات الحوار. ففي غياب أي منهما: الخبرة الغنية والعلم الراسخ، يصعب التفاؤل بنجاح أي حوار. 2. سعة الصدر ورجاحة العقل، وهما صفتان متلازمتان في الكثير من الأحيان، فمتى ما اتسم الإنسان برجاحة العقل، أصبحت سعة الصدر تحصيل حاصل في سلوكه، والعكس صحيح أيضا. وإذا كانت رجاحة العقل توفر المناخ الي يقود إلى الأفكار الصحيحة، فإن سعة الصدر، كافية أن تقيم جدران التفاهم الناضج المطلوب بين المتحاورين، وأن تبني جسور قبول كل منهما بالأخر، وكلا الأمرين عنصرا مهما من عناصر نجاح أي حوار. 3. القدرة على التعبير، بمعنى تمتع المحاور بمهارة اختيار المفردات الصحيحة التي توصل ما يدور في خلده من أفكار إلى الطرف الآخر، دون تشويه لها، او استفزاز لذلك الطرف. فعندما يخون المحاور التعبير، يمكن أن يكون ذلك أحد معاول هدم صرح الحوار، وهد جدران معابده على من فيها. وكثيرا ما شاهدنا انحراف مسارات جلسات حوار، كادت أن تصل إلى نهاياتها الصحيحة المرتقبة، جراء عجز مشارك، وبحسن نية، عن التعبير بما يعتمل في داخله من أفكار صحيحة بناءة. ولعل خير مقطع ينهي ضرورة تحلي المشاركين في أي حوار، ما جاء في القاعدة الحوارية المشهورة «إن كنت ناقلاً فالصحة، وإن كنت مدَّعيّاً فالدليل».

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها