النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11702 الخميس 22 ابريل 2021 الموافق 10 رمضان 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:44AM
  • الظهر
    11:36AM
  • العصر
    3:07PM
  • المغرب
    6:05PM
  • العشاء
    7:35PM

كتاب الايام

خــــــــــــــيل إبليــــــــــــــــــس أو حمـــ

رابط مختصر
العدد 8761 الجمعة 5 ابريل 2013 الموافق 24 جمادي الأولى 1434

الثابت ان دخول الدراجة الهوائية «السيكل» الى البحرين لأول مرة كان في حدود عام 1892 على يد الطبيب والقس والمبشر المسيحي «صاموئيل أدريان زويمر» عضو الإرسالية الإمريكية بالبحرين الذي أحضر الدراجة ليستخدمها في تنقلاته داخل المنامة أو ما بين الأخيرة وقرى البحرين من أجل تقديم خدماته الطبية والتبشيرية. وبسبب مقاومة البحرينيين له ولمحاولاته التبشيرية، درج زويمر على تذكير الناس بأنه «ضيف الله»، فكان رد العامة عليه بأنه «ضيف إبليس» ودراجته هي «خيل إبليس». لكن خيل إبليس عــُرف عند أهل نجد في بداية تعرفهم عليه في عام 1956 باسم «حمار إبليس»، واقترن استخدامه بالفساد والفسوق والرذيلة والالتهاء عن العبادات، بل اعتبره البعض شيطانا خــُلق من حديد، الأمر الذي جعلهم يتعوذون بالله منه سبع مرات، ويعيدون الوضوء اذا ما مسوا جزءا منه، ويبصقون عليه وعلى راكبه، ويأمرون نساءهم بتغطية وجوههن عنه. ويقول الاستاذ منصور النقيدان في كتاب صدر له حديثا بعنوان «الملوك المحتسبون» أن المجتمع حينما قبل باستخدام الدراجة في وقت لاحق كشر لا بد منه، تصرف بحذر واستحياء، وقصر استعمالها على البالغين ووفق شروط صارمة مثل وجود أسباب قوية لاستخدامها، والحصول على رخصة لقيادتها من «هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر»، وضرورة إحضار شهادة تزكية واستقامة من عمدة الحي وإمام مسجده، والتعهد باستخدامها في ساعات النهار فقط، وعدم حمل شخص آخر عليها من صغار السن، وعدم الدخول بها الى الاسواق، وعدم حمل الطيبات عليها مثل الخبز والحنطة والشعير والتمر ونحوها، وذلك تحت طائلة مصادرة السيكل والجلد خمس جلدات. على أن كل هذا كان مقتصرا على نجد، بدليل أن السياكل في المنطقة الشرقية من السعودية مثلا كانت مستخدمة منذ أوائل الخمسينات على نطاق واسع، ودون حرج أو مضايقات، خصوصا لدى طلبة المدارس. أما دخول السيكل إلى البحرين وبيعه بصورة تجارية لكل من يريد فيعود إلى عام 1910، ويقال ان أول من دخل مجال إستيراده كان الوجيه حسين علي يتيم، حيث وُجد في أوراقه أنه باع على بيت الدولة في عام 1924 دراجات هوائية بسعر 95 روبية للواحدة، لكن يبدو ان الوجيه يتيم لم يتوسع في هذه التجارة بسبب قلة الطلب على الدراجات من جهة، ورغبته في التركيز على استيراد وتسويق السيارات من جهة أخرى. لكن يــُعتقد أن السيكل كان يباع بأعداد قليلة في عدد من المحلات في المنامة قبل هذا التاريخ، وكان مصدره الهند مثله مثل معظم السلع العصرية الأخرى التي دخلت المجتمعات الخليجية من الهند في بداية الأمر. ومع ازدياد أعداد السياكل في البحرين، وتزايد استخدام الناس ولا سيما النواطير ـ لها في تنقلاتهم، كان لا بد من إصدار قوانين وتعليمات تنظم عملية استخدامها وسيرها. ففي عام 1934 أصدرت الحكومة أول هذه القوانين وكان يقضي بضرورة اتباع مستعملي السياكل لقواعد السير والمرور المطبقة على السيارات مثل سلوك جهة اليسار، وضرورة أن يحمل سائق الدراجة في تنقلاته فانوسا مضاء بعد غروب الشمس. وفي عام 1942 صدرت تعليمات جديدة فرضت على ملاك السياكل تسجيل سياكلهم لدى المرور. ويقول الزميل مهدي عبدالله في كتابه «نكهة الماضي» أن رسوما بمبلغ نصف آنة كانت تحتسب على كل دراجة هوائية تريد عبور جسر الشيخ حمد ما بين المنامة والمحرق، وأن هذا المبلغ كان أقل بكثير مما كان يحتسب على السيارات الخاصة (آنتان) وسيارات الأجرة (3 آنات) والشاحنات والحافلات (4 آنات). والمعروف أن جميع أنواع المركبات أعفيت من رسوم المرور هذه في 3 يناير 1962. وتنظيم سير السياكل في البحرين يشبه إلى حد كبير ما حدث في الكويت، لكن في عقد الخمسينات حيث فرضت مديرية الشرطة العامة الكويتية على كل من يملك دراجة هوائية «تعرف في الكويت باسم كاري» أن يحصل منها على لوحة ودفتر يدون فيه رقم لوحة الدراجة ولونها ونوعها ورقم هيكلها وحجم عجلتها واسم صاحبها، وتعهد من الأخير بمراجعة مديرية الشرطة في حالة بيع الدراجة او اتلافها أو إخراجها من الخدمة. وهكذا ظهرت في البحرين متاجر متخصصة في بيع السياكل، لعل أشهرها متجر أمير كوبيماء في شارع الشيخ عبدالله في المنامة، ونشأت مهن جديدة مثل «مصلح السياكل» الذي كان يوزن «الرنقات» ويرقع «التيوب»، و»مؤجر السيكل» الذي كان يتيح لك أخذ لفة أو لفتين بالدراجة في الفريج مقابل مبلغ معين. كما نشأت مهنة «مزين السياكل» الذي كان يتولى عمل ديكور لدراجتك كي تبدو أحلى من غيرها ومتميزة على سواها. حيث درج اليافعون والمراهقون أيام لــّول على الانشغال بهذا الأمر، تماما كما يفعل شباب اليوم بقضائهم وقتا طويلا في تلميع وتزيين سياراتهم. وكان من ضمن ما يفعلونه لف أعمدة السيكل الحديدية بشرائط بلاستيكية ملونة منعا للصدأ أو الخدوش، وتثبيت دوائر مزركشة من الألياف البلاستيكية الشبيهة بفرشاة التنظيف حول مركز «الرنقات»، ووضع قطع من اللدائن أو الورق المقوى داخل أسيام الرنقات من أجل إصدار السيكل أصواتا وقت تحرك عجلاتها، وحماية مصباح السيكل وجرسه بتغطيتهما بمنديلين ناعمين من النوع الأصفر المستخدم في تنظيف الزجاج. وكان هناك مـَنْ يحافظ على مقعد السيكل بتغطيته بغطاء بلاستيكي أحمر مخصص لهذا الغرض، ومـَنْ يستعيض عن الهرن الأسود المزعج القابل للتمزق بسرعة بمنبه يعمل بالبطارية ومثبت مع زر التشغيل على المقود. وكان بعض أصحاب السياكل من الطلبة يثبـّت مقعدا خلف دراجته لكي «يردف» أصحابه أو لكي يحمل عليه أغراضه او يربط فيه كتبه، لكن البعض الآخر «النحيس» كان يتعمد إزالة مثل هذا المقعد كي يتجنب توصيل زملائه الى بيوتهم. ومن أكثر أنواع السياكل رواجا وشهرة في ذلك الزمن، سيكل «ريلي» الذي كانت تصنعه شركة إنجليزية هي «شركة ريلي للدراجات». وهذه الشركة التي تأسست في عام 1887 في نوتنغهام على يد «فرانك بوودين» وبدأت الإنتاج في عام 1900، تعتبر الأقدم عالميا في هذه الصناعة على الإطلاق. أما السياكل من نوع «فليبس» فقد حلت في المرتبة التالية من حيث الشهرة، وكانت تأتي أيضا من برمنغهام بإنجلترا، من خلال مصنع كان قد بدأ إنتاجه في أوائل القرن العشرين. ويبدو أن «فليبس»، رغم كونها ثاني أكبر مصنعة للدراجات في بريطانيا، لم تستطع الاستمرار في المنافسة مع «ريلي» فاستحوذت الأخيرة على مصانعها في ثمانينات القرن الماضي، مع الإبقاء على علامتها التجارية الأثيرة التي لاتزال مستعملة من قبل مصنعي السياكل في الهند والصين وغيرهما من الاقطار الآسيوية بترخيص خاص من شركة ريلي. وعلى أية حال، كان محظوظا ذلك الذي يمتلك سيكلا أيام لــّول سواء أكان من نوع «ريلي» أو «فيلبس»، إذ كان محط الأنظار في الفرجان، وكان يتلذذ بالقيام بحركات استعراضية، خصوصا أمام مدارس البنات، وكان الكل يطلب وده في المدرسة بغية أن يتصدق عليهم بـ «توصيلة» أو «جولة» مجانية. أما الأكثر حظا فكان ذلك الذي يمتلك سيكل «فيلبس» فضيا من النوع الذي لا يصدأ ولا تؤثر فيه رطوبة الخليج. حيث كان هذا بمثابة من يمتلك اليوم سيارة من نوع مرسيدس أو لكزس أو جاغوار. على ان صاحب الحظ الاكبر على الاطلاق كان ذلك الذي يشتري «غرشة» بيبسي او كوكاكولا بعدة آنات فتظهر له تحت غطاء الزجاجة رسمة سيكل، إشارة إلى فوزه به من قبل إحدى شركتي التعبئة اللتين كانتا تتنافسان بهذا الاسلوب لترويج منتجاتهما. ولعل من أهم المشاكل التي كانت تصادف قادة السياكل في الماضي هي اتساخ أطراف أثوابهم وسراويلهم وبنطلوناتهم بزيوت التشحيم الموجودة في «صنقل» الدراجة السفلي، خصوصا عند انفراطه. ويبدو أن المصنعين انتبهوا لاحقا إلى هذه المشكلة فوضعوا «الصنقل» بكامله داخل غطاء معدني محكم. غير ان هذا أدى إلى مشكلة أخرى هي صعوبة إعادة «الصنقل» إلى مكانه إذا ما انفرط. إذ كان الأمر يستلزم حينذاك إزاء الغطاء المعدني ثم إعادة تثبيته، الأمر الذي كان يستغرق بعض الوقت ويسبب التأخير. من مشاكل السياكل الأخرى تآكل واختلال نظام فرملة العجلات، وإصابة الإطارات بـ «البنتشر»، وصولا إلى الطامة الكبرى المتمثلة في اختفاء الدراجة بكاملها على أيدي اللصوص و»لوفرية» الفريج. وإذا كانت المشكلة الأولى والثانية من السهل التعامل معها وقتذاك عبر أخذ الدراجة إلى أقرب «مصلح سياكل» ليوزن الفرامل أو يرقع «تيوب» الإطارات باستخدام «الشاكوش» و»البكر» و»الإسبانه» والرقعة المشتعلة بالكبريت، وغيره، فإن المشكلة الأخيرة كانت صعبة الحل لأن لصوص السياكل كانوا غالبا ما يعمدون إلى تغيير لون السيكل المسروق، أو التخلص منه بيعا. لذا اعتاد بعض الأذكياء على كتابة أسمائهم في أوراق وتخزينها داخل أنابيب سياكلهم، حتى إذا ما شكوا في لص ما وأنكر جريمته، أو شكوا في دراجة يدعي قائدها أنه اشتراها، كان بالإمكان مواجهته بتفكيك الدراجة وإخراج تلك الأوراق الدالة على هوية صاحبها الأصلي. ونختتم حديث السياكل بالتذكير أن أسعارها قديما كانت تتراوح ما بين 90 – 120 روبية، فصارت اليوم تــُباع، رغم رداءة صنعـها وقصر عمرها الاستهلاكي، بما يتراوح ما بين 500 – 1000 روبية.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها