النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12142 الأربعاء 6 يوليو 2022 الموافق 7 ذو الحجة 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:17AM
  • الظهر
    11:42AM
  • العصر
    3:08PM
  • المغرب
    6:34PM
  • العشاء
    8:04PM

كتاب الايام

في ذكرى زعيم الجيروند المصريين

رابط مختصر
العدد 8761 الجمعة 5 ابريل 2013 الموافق 24 جمادي الأولى 1434

لم تلق الذكرى الخمسون لرحيل «أحمد لطفي السيد» «1872/1963» التي تمر هذه الأيام، ما تستحقه من اهتمام وهو ما يؤكد أن الإنسان ـ كما قال الشاعر القديم ـ لم يسمّ كذلك إلاّ لنسيه، وأن كل شيء ـ كما قال أمير الشعراء أحمد شوقي ـ ينسى في مصر بعد حين، وإلاّ ما نسي الناس بهذه البساطة، الرجل الذي ظل طوال النصف الأول من القرن العشرين يوصف بأنه «فيلسوف الأجيال». وقد يبدو غريباً أن أحداً لم يعترض على هذه التسمية، في حياة الرجل أو بعد مماته، مع أنه لم يكن فيلسوفاً، ومع أن الكتاب الوحيد الذي نشره في الفلسفة لم يكن من تأليفه، بل ترجمه عن الفيلسوف اليوناني القديم «أرسطو»، وكان أول من ترجم له عن العربية.. ومع أن اسمه لم يوضع إلاّ على ثلاثة كتب، تضم مختارات من مقالاته الصحفية، جمعها في أربعينات القرن الماضي تلميذه «إسماعيل مظهر» هي «المنتخبات» و«التأملات» و«صفحات مطوية من تاريخ الحركة الوطنية المصرية، لكنه كان نموذجاً للرجال الذين حفروا أسماءهم في تاريخ الفكر، من خلال تأثيرهم الشخصي في الآخرين، وعبر جيش من التلاميذ تأثروا به وطوروا أفكارهم، وأثروا بدورهم في آخرين، وزحموا جميعاً الأفق أفكاراً جديدة، ورؤى مغايرة، ونحتوا بأظافرهم في الصخر، لكي يستكملوا مشروع النهضة الذي بدأه المصريون بمواجهتهم للغزو الفرنسي، ويخرجوا بلادهم من ظلام العصور الوسطى. وكان «لطفي السيد» في العاشرة من عمره، حين هزمت الثورة العرابية، واجهض للمرة الثانية ـ بعد هزيمة «محمد علي الكبير» في حروبه مع الدول الأوروبية ـ حلم بناء دولة وطنية مستقلة ترفع شعار «مصر للمصريين» تدير شؤونها حكومة شورية مسؤولة أمام مجلس نيابي ينتخبه الشعب، ويمتلك سلطة قضائية أهلية تطبق قوانين عصرية، وتملك جيشاً قوياً قادراً على حماية حدودها، ليأتي كابوس جيش الاحتلال البريطاني فيتولى كل أمورها، نيابة عن الدول الأوروبية التي شاركت في إجهاض الثورة، فيلغي الدستور، ويحل مجلس النواب، ويعلن أن المصريين قد حصلوا علي حريات لم يهيؤوا بعد لممارستها، فقادتهم إلى الفوضى، وأنهم في حاجة إلى إرشاد وقيادة دولة أوروبية عظمى حتى يتدربوا على حكم أنفسهم بأنفسهم. في مواجهة ذلك نهض جيل ما بين الثورتين، الذي ينتمي إليه لطفي السيد، لكي يعيد تخليق وتحقيق حلم بناء الدولة الوطنية الديمقراطية المستقلة، فتفرقت به السبل، على الرغم من اتفاقه في الهدف نفسه. رفع مصطفي كامل ـ الذي كان أول من بدأ حركة الاحتجاج ـ شعار «الجلاء»، وسعى إلى بناء تحالف يضم الدول الأوروبية - وفي طليعتها فرنسا ـ التي كانت قد انتدبت الجيش البريطاني لاحتلال مصر نيابة عنها، وإعادة الأمن والنظام إليها، يسعى للضغط عليها للجلاء عن مصر بعد أن أتمت مهمتها، ويضم ـ كذلك تركيا ـ صاحبة السيادة الاسمية على مصر.. ويضم ـ في الداخل ـ الخديو «عباس حلمي الثاني». بينما ذهب «لطفي السيد» إلي القول بأن الاحتلال البريطاني، جاءت به ظروف دولية مرتبة، وسوف تذهب به ظروف دولية مرتبة كذلك، وأن المهمة التي ينبغي على المصريين أن ينهضوا بها، هي أن يؤهلوا أنفسهم لكي يكونوا قادرين علي حكم أنفسهم بأنفسهم حين تسمح هذه الظروف الدولية بجلاء الإنجليز، بإصلاح المجتمع ونشر التعليم وتحرير المرأة وتمصير أداة الحكم، وإشاعة الأفكار التي تمهد لحكم ديمقراطي سليم وتؤسس رأيا عاما ناضجاً يفرق بين الصواب والخطأ، وأن يحققوا الجلاء بالتدرج لا بالطفرة، ويقيموا الحكم الدستوري عبر خطوات تبدأ بتوسيع نطاق الحكم المحلي في الأقاليم، ليكون المدرسة التي تتدرب فيها القيادات المحلية على ممارسة العمل البرلماني. وهكذا ومع بداية القرن الماضي، تخلقت مدرستان سياسيتان، تضم الأولى المتشددين أو اليعاقبة، وكان يتزعمها مصطفي كامل، تدعو إلى ما كان يعرف آنذاك بـ«الجامعة الإسلامية» تتمسك بتبعية مصر للخلافة العثمانية، وترفع شعار الجلاء وتعتبره المطلب الوحيد لها، أما الثانية فتضم المعتدلين أو الجيروند، ويتزعمهم «لطفي السيد» وتدعو إلى «الجامعة المصرية» وتطالب المصريين بالاعتماد على أنفسهم في الحصول على حقهم فى الاستقلال عن الجميع بما في ذلك التبعية لدار الخلافة وتنطلق من أن مصر تضم قوتين نافذتين، الأولى هي السلطة الشرعية ويمثلها الخديو «عباس حلمي» والثانية هي السلطة الفعلية ويمثلها المعتمد البريطاني الذي يتبعه جيش الاحتلال، وأن الوضع في مصر لا يستقيم إلا إذا قامت بينهما سلطة ثالثة هي سلطة الأمة، التي تضم أصحاب المصالح الحقيقية من أعيان البلاد ورؤساء العائلات والقيادات الطبيعية في الريف والمدن. ومن بين هؤلاء ومن أبنائهم الذين تلقوا تعليماً مدنيا راقياً في مصر، تشكل «حزب الأمة» عام 1907، ليكون أول حزب سياسي مصري بالمعنى الحقيقي للكلمة، واختار الحزب «لطفي السيد» ـ أحد مؤسسيه ـ لكي يرأس تحرير جريدته اليومية «الجريدة» ومع أن «الجريدة» لم تواصل الصدور إلاّ ثماني سنوات، ومع أن عدد صفحاتها لم يكن يزيد على أربع صفحات، ترتفع أحياناً إلى ست، إلاّ أنها خلال هذه الفترة القصيرة، نجحت في تخليق تيار جديد في الحياة الفكرية والاجتماعية والسياسية في مصر ثم في العالم العربي، فعلى صفحاتها عرف المصريون الليبرالية، أو «مذهب الحريين» كما كان المصطلح يترجم آنذاك، الذي اتخذت الجريدة من الدعوة إليه هدفاً لها ليكون ـ كما قالت ـ أساساً لتربية الأمة ولحرية التعليم وحرية القضاء وحرية الكلام، وحرية الكتابة وحرية الاجتماع وسائر أنواع الحريات الأخرى، وعرفوا الدعوة إلى العقلانية بالنظر إلى المصالح العامة نظرة تتعامل مع الواقع وتسعى لتغييره بأساليب علمية تستهدف مصلحة مصر الوطنية قبل أي مصلحة أخرى. وعلى صفحات «الجريدة» لمعت أسماء عدد من الكتاب أتيح لهم فيما بعد أن يساهموا في تخليق المناخ الفكري الذي أعقب ثورة 1919 كان من بينهم عبدالرحمن شكري وعبدالحميد حمدي ورشيد رضا وطه حسين ومصطفي عبدالرازق ومحمد حسين هيكل وعباس العقاد.. ودافعت الجريدة عن حرية المرأة، وعن حقها في التعليم، وخاضت معارك لإصلاح التعليم ولإصلاح اللغة العربية، وسدّ الفجوة بين لغة الكتابة ولغة الحديث. ومع أن التجربة أثبتت أن استقلال مصر تحقق بخليط من النضال يجمع بين طفرة مصطفى كامل وتدرج لطفي السيد وبين الجامعة الإسلامية والجامعة الوطنية، وبين الأصالة والمعاصرة، إلاّ أن المعركة بين أحفاد الاثنين لا تزال قائمة، ربما لأن أحداً لم يحاول أن يبحث عن مشترك وطني يتيح للطرفين تحقيق الهدف المشترك، وربما لهذا السبب نسي الناس ذكرى لطفي السيد.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها