النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12142 الأربعاء 6 يوليو 2022 الموافق 7 ذو الحجة 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:17AM
  • الظهر
    11:42AM
  • العصر
    3:08PM
  • المغرب
    6:34PM
  • العشاء
    8:04PM

كتاب الايام

متحف القلوب التي لا تخلو من الموجودة

رابط مختصر
العدد 8754 الجمعة 29 مارس 2013 الموافق 17 جمادي الأولى 1434

وافق رئيس الوزراء المصري «د. هشام قنديل» من حيث المبدأ، على تحويل المتحف الذي يجري انشاؤه منذ أكثر من عشر سنوات بمبنى مجلس قيادة الثورة بالجزيرة، من متحف لثورة 23 يوليو 1952وحدها، إلى متحف لكل الثورات المصرية في التاريخ الحديث والمعاصر من ثورة القاهرة الأولى ضد الحملة الفرنسية عام 1799 إلى ثورة 25 يناير 2011، وقرر عرض الأمر على رئيس الجمهورية، لاستصدار قرار جمهوري جديد لتخصيص المبنى للمتحف بصيغته الجديدة. وكان الهدف من إنشاء المبنى الذي بدأ العمل فيه عام 1949، في عهد الملك فاروق - هو أن يكون مرسي لليخوت الملكية التي تسير في النيل.. لكن العمل فيه ما كاد ينتهي في نهاية عام 1951 حتى وقع حريق القاهرة في 26 يناير 1952، فظل مغلقا إلى أن ادركته ثورة 23 يوليو 1952، فتقرر تحويله إلى مقر لمجلس قيادة الثورة الذي تولى إدارة البلاد خلال مرحلة الانتقال. وهكذا تركزت الأضواء على المبنى الذي أعدت فيه مكاتب لثلاثة عشر عضوا من الضباط الذين كانوا يتشكل منهم مجلس قيادة الثورة آنذاك، فتحول إلى خلية نحل لا تكف عن العمل طوال الليل والنهار، يحتشد بعشرات من مديري المكاتب والسكرتارية والصحفيين المصريين والأجانب، والزائرين من الشخصيات السياسية والسفراء العرب والأجانب.. فضلا عن طلاب الحاجات والباحثين عن مكان في بلاط السلطة الجديدة. وخلال العامين الأولين من الثورة، صدرت عن هذا المبنى وخلال اجتماعات مطولة، كانت تستمر غالبا حتى الساعات الأولى من الصباح، القرارات التي غيرت وجه مصر: تنازل الملك فاروق عن العرش ومصادرة أموال أسرة محمد علي وإعلان الجمهورية وحل الأحزاب واسقاط دستور 1923 وحل جماعة الإخوان المسلمين، كما شهد بداية الصراع بين الضباط الشبان الذين قاموا بالثورة، والزعيم الواجهة لها اللواء محمد نجيب، وانتهى بتحديد إقامته لمدة ثمانية عشر عاما في قصر مهجور يعيش فيه مع القطط والكلاب.. وبداية الصراع على السلطة فيما بينهم وبين بعضهم البعض، الذي أسفر مع نهاية فترة الانتقال عام 1956 - إلى تقلص عددهم من ثلاثة عشر ضابطا إلى تسعة فقط! وتدريجيا بدأت الأضواء تخفت في مبنى مجلس قيادة الثورة، فقد تحول الثوار إلى حكام، وأعضاء المجلس إلى وزراء وانتقل كل منهم ومعه مدير مكتبه وسكرتاريته إلى مقر الوزارة أو الهيئة التي كلف بإدارة شؤونها وانطلقت حشود الصحفيين والزائرين وطلاب الحاجات والباحثين عن موقع قدم في البلاط إلى المقار الجديدة للسلطة.. ولم يعد أحد من أعضاء مجلس القيادة يتردد على المبنى إلا في الموعد الأسبوعي الذي حددوه لعقد جلساته، ثم بدأت الفترات بين الجلسات تتباعد، لأن الصراع على السلطة كان قد ترك مرارته في النفوس تندو به في القلوب فلم تعد صافية.. وكان الصراع على السلطة قد حسم -بعد أزمة مارس 1954- لصالح الثنائي «جمال عبدالناصر» -الذي تولي رئاسة الوزراء- و»عبدالحكيم عامر» -الذي تولي قيادة الجيش- فانتقلت إليهما كل أوراق القوة، ولم يعد بين أيدي الباقين أوراق قوة يمارسون بها الضغط للحصول علي مزيد من السلطة. وفي يوليو 1956، انتقلت السلطة إلى الرئيس «جمال عبدالناصر» بعد فوزه في الاستفتاء الشعبي بمنصب رئيس الجمهورية وتقرر انهاء فترة الانتقال، وحل مجلس قيادة الثورة، وخير الرئيس الجديد أعضاء المجلس، بعد أن منح كلا منهم أعلى قلادة وهي قلادة النيل، في أن يعملوا تحت رئاسته في المناصب التي يختارها لهم، وبين أن يتقاعدوا ولا يشتغلوا بالسياسة. ومن ذلك الحين، لم يعد مبنى مجلس قيادة الثورة صانعا للأحداث، وظل خاليا إلا من موظفين إداريين يشرفون على شؤونه، ولم يعد اسمه يبرز في الأحداث، إلا بعد أن أصبح مقرا لمحاكم الثورة التي تحاكم بعض اعداء النظام أو المنشقين عنه، كان من بينها محاكمة رموز ما كان يسمى آنذاك بالعهد البائد عام 1953، ومحاكمة الإخوان المسلمين عام 1954 ومحاكمة أنصار المشير عبدالحكيم عام 1968، ومحاكمة من وصفوا بـ»مراكز القوى» في أعقاب انفراد الرئيس السادات بالسلطة ونجاحه في تصفية شركائه في وراثة عبدالناصر عام 1971. وكان مبنى مجلس قيادة الثورة، هو المكان الذي اختير لتبدأ منه جنازة الرئيس عبدالناصر عقب وفاته.. وأيامها تذكر الجميع المبنى وطالب البعض بتحويله إلى متحف للزعيم الراحل.. وظلت الفكرة محل بحث ضمن أفكار أخرى كثيرة تحمس لها الجميع في ظل العواطف الجياشة التي أحاطت بالرجل بعد رحيله، لكنها ما لبثت أن اختفت بعد أن اكتشف الجميع أن الرئيس «السادات» الذي خلفه في رئاسة الجمهورية لا يشاطرهم هذه العواطف، وأن قلبه لا يخلو من موجدة على «عبدالناصر» الذي تركه خلال سنوات حكمه في الظل، وقدم عليه آخرين ممن لم يساهموا في الثورة قدر مساهمته، ولم يضحوا في سبيلها قدر ما ضحى.. فسكت الجميع عن الكلام المباح.. وعن المطالبة بتحويل مبنى مجلس قيادة الثورة إلى متحف لقائد الثورة. وبعد سنوات ليست قليلة من عهد «مبارك» بدأت الفكرة تطل برأسها من جديد، إذ كان المناخ السياسي قد تغير.. وانحسرت موجة الهجوم على ذكرى عبدالناصر التي تصاعدت خلال عهد السادات، وكان السبب المباشر في عودتها للبروز هو تشققات تعرض لها المبنى كأحد آثار الزمن، وهو ما دفع وزير الثقافة الأسبق «فاروق حسني» الذي كان مهتما بترميم الآثار، وانشاء المتاحف إلى تسجيله كأثر حتى يحول دون هدمه، ثم اقتراح ترميمه وتأهيله لكي يكون متحفا، لكن التغيرات السياسية كانت قد تركت بصماتها على الفكرة، كما ترك الزمن آثاره على المبنى، فتقرر أن يكون المتحف لثورة يوليو بحقبها الثلاث، وأن تشمل معروضاته مقتنيات وآثار الرؤساء الثلاثة.. عبدالناصر والسادات ومبارك. ولكن مشاكل وعقبات مالية وإدارية، وخلافا مع الشركة التي كلفت بترميمه وتأهيله، أعاقت تنفيذه على الرغم من تشكيل لجنة علمية حددت محتويات المتحف واختارت مقتنياته.. إلى أن أدركته ثورة 25 يناير قبل الشروع في تنفيذ المرحلة الثالثة والأخيرة منه. ولأن الزمن كان قد تغير.. ولم يعد بعض الثوار، من وجهة نظر ثوار يناير ثواراً، فقد كان لا بد من مراجعة قرار التخصيص، على الأقل لطرد الرئيس السابق مبارك من سكان المتحف، ولاضافة الثورة التي خلعته إليه، ولأن الثورات المصرية تنظر إلى ما سبقها من ثورات نظرة لا تخلو من موجدة، فقد كان منطقيا أن يستكثر البعض على ثورة 23 يوليو 1952 أن يكون لها متحف خاص بها، وكان ضروريا أن يتحول مبنى مجلس قيادة الثورة إلى متحف لكل الثورات المصرية. وهذا هو القرار الصعب الذي ينتظر توقيع الرئيس «محمد مرسي».. وأشك كثيرا في أنه سيصدره، لأن قلبه لا يخلو من الموجد على ثورة يوليو حتى الآن!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها