النسخة الورقية
العدد 11125 الثلاثاء 24 سبتمبر 2019 الموافق 25 محرم 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:08AM
  • الظهر
    11:30AM
  • العصر
    2:56PM
  • المغرب
    5:32PM
  • العشاء
    7:02PM

كتاب الايام

المراهقة السياسية في الساحة البحرينية

رابط مختصر
العدد 8753 الخميس 28 مارس 2013 الموافق 16 جمادي الأولى 1434

من منطلقات لغوية صرفه تعني كلمة مراهقة، adolescence المشتقة من الفعل اللاتيني adolescere هي الخطوات المتدرجة نحو النضج على المستويات الثلاثة: الجنسي، والانفعالي، والذهني أو العقلي. وهي في ذلك لا تختلف عن جذر الكلمة العربي المشتق من الفعل الثلاثي «رهق» والمقصود به اقترب من الشيء. أما كمصطلح فالمقصود بها مرحلة تقترب من السكون قبل ولوج مرحلة أخرى جديدة. ومن ثم، وكما يرى البعض عند استعارتهم تعبير المراهقة، فهم يقصدون من ورائه «رهقت الشيء رهقاً، أي: قربت منه. والمعنى هنا يشير إلى الاقتراب من النضج والرشد»، لكن دون الوصول إلى تلك المرحلة المطلوبة من النضج الذهني والجسدي، التي تفصلها المراهقة عن مرحلة الطفولة. ويصنف البعض مرحلة المراهقة على أنها « من أخطر المراحل التي يمر بها الإنسان ضمن أطواره المختلفة التي تتسم بالتجدد المستمر، والترقي في معارج الصعود نحو الكمال الإنساني الرشيد، ومكمن الخطر في هذه المرحلة التي تنتقل بالإنسان من الطفولة إلى الرشد، هي التغيرات في مظاهر النمو المختلفة (الجسمية والفسيولوجية والعقلية والاجتماعية والانفعالية والدينية والخلقية)، ولما يتعرض الإنسان فيها إلى صراعات متعددة، داخلية وخارجية». ولعلهم في ذلك يشيرون إلى خطورة تلك التحولات على السلوك الإنساني، الذي يتسم في تلك المرحلة بالتسرع، والمجازفة، والاستخفاف بالمخاطر المشوب بالرغبة العارمة في استعراض العضلات. من هنا، ورغبة في تقليص سلبيات تلك المخاطر، نجد الكثير من الأبحاث التي تحاول فهم مثل هذه التحولات في السلوك الإنساني، ووضع الحلول الناجحة لها، القادرة على بناء شخصية الفرد السوي، المتمكن من تشييد المجتمع الإنساني السليم المطلوب. وتطور استخدام تعبير المراهقة، فتجاوز قاعات الدراسة والبحث، وعيادات الإخصائيين، إلى المحافل السياسية، فشاع استخدام تعبير «المراهقة السياسية» لوصف برامج وسلوك قوى سياسية معينة، تعبيرا عن عدم اكتمال نضجها، او عدم قدرتها على طرح المطالب الصحيحة في الوقت المناسب، وفقا لموازين القوى المتصارعة. وكما في علم النفس، كذلك الأمر في علم السياسة، إذ تحتاج القوى السياسية التي تعاني من مرض «المراهقة السياسية»، إلى العلاجات الصحيحة التي ترشدها إلى الطريق الصحيحة التي ينبغي لها أن تسلكها، إن هي أرادت الوصول بالمجتمع الذي تنشط فيه، إلى الأهداف النبيلة التي تروج لها. وما هو ملاحظ في الآونة الأخيرة، هو انتشار هذا النعت عند معالجة الكثير من الحالات التي عرفتها العديد من الساحات العربية إثناء هبوب رياح ما أصبح يعرف باسم «الربيع العربي»، حيث اعتبر بعض المحللين « ما نراه في مصر وفي وسط طبقتها الحاكمة ونخبتها المسيرة مراهقة سياسية لم تتلمس طريق النضج بعد. محاولة تقليب جوانب وأسباب هذه المراهقة قد تقودنا إلى فهم أعمق لسيرورتها. في المقام الأول هناك خلفية العقود الطويلة التي اشتغلت فيها النخبة السياسية الحالية، أو عاشت فيها. وهي عقود كانت بعيدة عن التسيس الصحي والاشتغال في السياسة بحرية. الأحزاب والمجموعات والشرائح النشطة في مصر الآن. خاصة التقليدية وقادة الأحزاب والنخب التي في الخمسينات من عمرها وأكبر. تنحصر خبرتها في السياسة تحت سقف الاستبداد... (كما) إن ممارسات المعارضة لا تقل مراهقة عن ذلك أيضا. فالمعارضة. شيبا وشبانا. تنساق وراء نوستالجيا ميدان التحرير وإسقاط النظام». وبغض النظر عن اتفاقنا مع ما جاء في ذلك التشخيص أو اختلافنا لما يقوله، لكنه نموذجا لأدبيات شاعت في شارع الكتابات السياسية العربية خلال السنتين الماضيتين، توصيفا لسلوك القوى التي خاضت الصراعات التي عرفتها الساحة العربية خلال تلك الفترة. ومن الخطأ اعتبار ذلك الاستخدام لتعبير «المراهقة السياسية» على أنه من مخرجات «الربيع العربي» فحسب، فقد سبق أن استخدم هذا التعبير أيضا في وصف ممارسات ملك الأردن الأسبق، حيث أي البعض بأن أسلوب ومضمون مراسلات الشريف حسين، كانت قريبة من «المراهقة السياسية....... التي لا تراعي أنّه يراسل أكثر المؤسسات السياسية دهاء على مر التاريخ، وهي الدبلوماسية الخارجية البريطانية. اذ انّه يطلب وعد الانكليز بالحدود العربية قبل انتهاء الحرب مع الاتراك، مرفقاً طلبه بمساعدات غذائية وغيرها، فارضاً شروطاً ومستخدماً أسلوب أقل ما يمكن القول عنه أنّه قبلي بامتياز، لا مراوغة ولا دجل. ويبدو ان المراهقة السياسية استمرّت في الخليج العربي – كما في المشرق وسائر بلدان العرب – حتى بعد مرور قرابة مئة عام على المراسلات». اليوم، وبعيدا عن أي انفعال، يكتشف من يراقب سلوك القوى السياسية البحرينية، أن هناك بعض سمات المراهقة السياسية في سلوكها. ولعل ما دار في جلسات الحوار من جدل يعكس الكثير من جوانب هذه المراهقة التي ربما آن الأوان لوضع حد لها، والكف عن الخضوع لقوانينها. تكفي الإشارة إلى ذلك الوقت الذي أهدر في الوصول إلى اتفاق بشأن توصيف تلك الجلسات وهل يمكن اعتبارها «تفاوض»، أم القبول بها على أنها «حوار»، وكذلك تمثيل النظام، هل هو «الحكومة» أم «الحكم»، كي نلمس بعض سمات «المراهقة السياسية» التي أصبحت تسود سلوك القوى السياسية البحرينية، دون استثناء لأي منها، كي لا يساء الفهم. ومن الطبيعي أن يتطلع المواطن البحرين نحو قواه السياسية، حكومة ومعارضة، مناشدا إياها أن تتجاوز، وبأسرع ما يمكن مرحلة «المراهقة السياسية» هذه، كي تلج مرحلة النضج المطلوب التي بدونها لا يمكن للحوار أن يستقيم، ولا لنتائجه أن تكون طارحة لثمار طيبة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها