النسخة الورقية
العدد 11148 الخميس 17 أكتوبر 2019 الموافق 17 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:18AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:41PM
  • المغرب
    5:08PM
  • العشاء
    6:38PM

كتاب الايام

مطارحات

مخاطر الزج بالعامل الخارجي في الصراع السياسي المحل

رابط مختصر
العدد 8753 الخميس 28 مارس 2013 الموافق 16 جمادي الأولى 1434

لا يمكن في جميع الأحوال تجاهل أو تجاوز العامل الخارجي أو الإفلات من تأثيره، فالعلاقة بين الداخل والخارج أصبحت متداخلة وجدلية في جميع الأحوال، ولم يعد بالإمكان في عالم اليوم التصرف دون الأخذ بعين الاعتبار العامل الخارجي، فمفاهيم السيادة الوطنية المطلقة والمغلقة لم تعد موجودة تقريبا، فالعالم جميعه يتأثر ويؤثر في بعضه البعض، بأقدار متفاوتة بحسب القوة والقدرة والإرادة والحاجة. ولكن المشكلة تبدأ على صعيد التأثير في الحراك السياسي المحلي، عند استدعاء العامل الخارجي عنوة ليتدخل في شؤوننا المحلية والاستماتة في دمج العنصر الخارجي على نحو غير مسبوق ليتحول إلى عنصر حسم للصراع الداخلي على السلطة، أو لموازنة القوة في مواجهة الخصوم السياسيين، هذا التضخيم الذي أصبح حالة مثيرة ومستفزة هو المشكلة، لمفارقته للثقافة السياسية الوطنية ولاحتمالات مخاطره في المستقبل على استقلال القرار الوطني. وقد يقول قائل إن مثل هذا التدخل كان دائما موجودا، سياسيا أو عسكريا واقتصاديا، وهذا صحيح، ولكن الصحيح أيضا انه كان مرفوضا ومقاوما من الشعوب على الأقل، ومستنكرا على نحو يجعل من ينادي به او يبرره مخونا، بل إن رفض التدخل الخارجي كان رمز الوطنية والقومية العربية، حتى في مقارعة الأنظمة السياسية التي تتعاون او تتعامل مع الأجنبي.. الجديد اليوم أن بعض القوى السياسية المستعجلة للوصول إلى السلطة -بأي ثمن وبأي وسيلة- ولا تمتلك مقومات تحقيق ذلك، أصبحت لا ترى مانعا من استدعاء العامل الخارجي على نحو فج وغير عقلاني، في حين ان الحل موجود في الداخل، وبالإمكان انجازه في سياق التوافق الوطني وباستخدام الإمكانيات السياسية والدستورية المتاحة. ومن المؤسف ان ثمة من السياسيين والمثقفين عندنا من يحاول تبرير الحاجة إلى استدعاء العامل الخارجي ـوهنا لا نتحدث عن نظرية التأثر المتبادل الطبيعية- على أساس انه من الصعب، على حكومات وشعوب الداخل إنجاز تطور ديمقراطي ناجع وحقيقي وجاد من دون وجود دور حاسم للعامل الخارجي، بحيث تسهم المساندة من الدول الديمقراطية «الصديقة» في نشر الديمقراطية وترسيخ احترام حقوق الإنسان و إرساء قيم التسامح السياسي والثقافي وقبول الآخر وتمكين المرأة وغيرها، بما يدفع ويحفز على تحقيق التطور في هذا الاتجاه نحو الأمام، من خلال تقديم المشورة والمساندة للأنظمة الحاكمة والشعوب ومنظمات المجتمع المدني والاحزاب المعارضة الطامحة لبلوغ تلك المقاصد، ولكن هذا النوع من المساهمة لا يمكن أن تأتي في سياق مجرد من الأطماع والضغوط، ولذلك يظل الاستنجاد بالخارج واستحضاره ليكون طرفا أو عاملا حاسما في حسم صراعاتنا السياسية المحلية عملية محفوفة بالمخاطر وغير بريئة، غير وغير حصيفة. في ذات الوقت، مع التأكيد بان الأصل في حدوث التحول الديمقراطي يتطلب بالأساس إرادة شعبية داخلية ووفاقا وطنيا وتحركا جادا وسلميا من قبل قوى مدنية وطنية تضم كافة أطياف الشعب وتستظل جميعها بمظلة التطلع إلى الديمقراطية والتطلع إلى التعددية السياسية والثقافية، هذا بالإضافة إلى الأهمية القصوى لتنمية وتطوير الثقافة المجتمعية المتقبلة للفعل الديمقراطي بكافة أبعاده ومتطلباته وترجماته الدينية والثقافية والسياسية. ويبقى الإشكال على الصعيد الفكري مرتبطا بالتعارض الذي يتحكّم بالأنساق الثقافية والسياسية في اغلب بلادنا العربية الذي أفضى إلى نتيجة خطيرة؛ وهي أنّ السياسة العربية أصبحت تسعى الى «المطابقة» للخارج، فهي في جملة ممارستها العامة، واتجاهاتها الرئيسة، تهتدي بـ»مرجعيات» متصلة بظروف تاريخية مختلفة عن ظروفها، فمرّة تتطابق مع مرجعيّات ثقافية وسياسية أفرزتها منظومات حضارية لها شروطها الخاصة، ومرةً تتطابق مع مرجعيّات ذاتيّة تجريدية وقارّة متصلة بنموذج فكري أو عقدي قديم، ترتبط مضامينه بالفروض الفكرية والدينية الشائعة آنذاك، وفي هذين الضربين من ضروب «المطابقة» تندرج الثقافة والسياسة عندنا في نوع من العلاقة الملتبسة التي يشوبها الإغواء الأيديولوجي مع «الآخر» ومع «الماضي» في ذات الوقت، بحيث يصبح حضورهما «استعارة» جُرّدت من شروطها التاريخية، ووظّفت في سياقات مختلفة، ومن الطبيعي أن يؤدي كل هذا إلى تمزيق النسيج الداخلي لتلك الثقافة، إلى درجة أصبحت فيها التناقضات والتعارضات ظاهرة لا تُخفى. جملة مفيدة: ووفقا لما يطرحه عالم السياسة الأمريكي، فرانسيس فوكاياما، تعد: «الثقة في العلاقة بين الأطراف السياسية الوطنية شرط أساسي لإيجاد مجتمع متماسك، وانعدام الثقة يفسر لماذا فشلت الاستجابة الجزئية من جانب أنظمة الحكم لمطالب الثوار أو المحتجين في العالم العربي في احتواء الانتفاضات والثورات... ومن خلال الثقة، يمكن تقليص ما يطلق عليه الاقتصاديون «تكاليف المعاملات» السياسية، أي تكاليف التفاوض والإرغام والإكراه، والتي تمثل مصدرا للنزاع وعدم الاستقرار».

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها