النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11703 الجمعة 23 ابريل 2021 الموافق 11 رمضان 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:44AM
  • الظهر
    11:36AM
  • العصر
    3:07PM
  • المغرب
    6:05PM
  • العشاء
    7:35PM

كتاب الايام

من «ثري فايف» و«علي بن علي» إلى «بوقطو» و«بوجمل»

رابط مختصر
العدد 8747 الجمعة 22 مارس 2013 الموافق 10 جمادي الأولى 1434

بعد هزيمة العرب في حرب يونيو 1967 أتذكر أن البعض من المولعين بتدخين السجائر تداعوا، مدفوعين بحماسهم القومي والعروبي واليساري، إلى إطلاق حملة لمقاطعة السجائر المصنوعة في الغرب، واستبدالها بسجائر عربية المنشأ مثل «كيلوباترا» المصرية، و»فيلاديلفيا» الأردنية، و»ردفان» و»مأرب» اليمنيتين. غير أنه بعد مرور وقت قصير عاد هؤلاء أدراجهم إلى تدخين سجائرهم الغربية المفضلة معلنين على رؤوس الأشهاد أن السجائر العربية لا تلبي «الكيف» ولا تعدل المزاج بسبب رداءة تبغها وسوء تصنيعها ولفها، بل ووجود ما يشبه نشارة الخشب وغيره من المواد الخطرة ممزوجا بتبغها (وكأنما السيجارة نفسها ليست خطرة وسامة). لكن من قــُدّر له من البحرينيين أن يزور مصر في الأربعينات كان قد تعرف على سجائر مصرية فاخرة تضاهي مثيلاتها المصنوعة في الغرب من حيث جودة المحتوى والنكهة والتغليف. من هذه السجائر: سجائر أطلس من إنتاج «شركة كوتاريللي إخوان»، والتي تخصصت الفنانتان هدى سلطان وشريفة ماهرة في الدعاية لها من خلال النشرات السينمائية والصحافية، وسجائر واسب من إنتاج «شركة وتكس» والتي تولت النجمة فاتن حمامة الدعاية لها رغم أنها نادرا ما ظهرت في أفلامها كفتاة مدخنة، وسجائر نبيل من إنتاج «مصانع الدكتور عبدالله البستاني» والتي كانت دعايتها تقول «ترضيك لأنها ترضي من دخنوها قبلك»، وسجائر ملك من إنتاج «شركة مصر للدخان والسجائر» التابعة لبنك مصر والتي كانت دعايتها في الصحف تقول «إن الشعور بالقومية يتجلى في تشجيع كل ما هو قومي والإقبال عليه فدخنوا سيجارتكم المصرية فهي منكم ولكم». هذا علما بأن زراعة التبغ في مصر بدأ في الفيوم في عام 1799، قبل أن يحتكر محمد علي باشا زراعته في كل مصر بدءا من عام 1810. وبطبيعة الحال كان كل هذا في العهد الملكي الذي بمجرد زواله على ايدي ضباط الجيش انحدرت مصر بعدها صناعيا واقتصاديا واجتماعيا، فاختفت من شوارعها مظاهر الضبط والربط، وتوارت من مجتمعاتها مشاهد الفخامة والابهة والارستقراطية والهندام الانيق، وتراجعت اسعار عملتها الوطنية من حوالي 1.5 دينار للجنيه الواحد في عام 1952 إلى 60 فلسا اليوم، واختفت من قائمة صادراتها الى العالم الخارجي الملابس القطنية ذات الجودة العالية والكماليات المتنوعة والسجائر الفاخرة والمأكولات المعلبة من ماركة «قها» التي ظلت تزين أرفف وواجهات البقالات في الخليج لسنوات طويلة قبل ان تصبح اثرا بعد عين. على أن هذا ليس محور حديثنا اليوم الذي نحاول فيه تأريخ تعرف مجتمعنا على عادة تدخين السجائر، والتي بدأت في أسبانيا في عام 1518 قبل أن تنتقل زراعة التبغ إلى فرنسا على يد السفير الفرنسي في البرتغال «جان نيكوتين» الذي أطلق اسمه لاحقا على محتويات السيجارة من سموم وقطران، وقبل أن ينتشر التدخين في معظم دول أوروبا بعد حرب القرم بسبب الميكنة وتحسن نوعية ورق السجائر ورخص أثمانها (كان ثمن علبة السجائر في الخليج في الخمسينات والستينات روبية واحدة، ثم بدأت تتضاعف تدريجيا). الحقيقة انه لا يوجد توثيق دقيق فيما خص تاريخ دخول السجائر إلى البحرين، وإنْ كانت المصادر التاريخية تقول إن أهل الخليج والحجاز واليمن قد عرفوا التبغ و»القدو» و»الغليون» قبل قرنين ونصف، حينما قاد إبراهيم باشا حملته على الجزيرة العربية، وخصص مخازن لكميات وافرة من التبغ والمجامر والغليون له ولحملته. لذا فإن القول الأرجح هو أن البحرينيين تعرفوا على السجائر في نهايات القرن 19، وأنها جاءتهم من الهند مع قدوم الإنجليز إلى المنطقة كمعظم الأشياء العصرية الأخرى التي جاءتنا منها. وهناك من يفترض انتقالها إلينا من العراق وبلاد فارس من خلال العلاقات التجارية، قائلين ان بعض البحرينيين كانوا معتادين قبل ذلك على تدخين «القدو» وبعضهم الآخر كان معتادا على استخدام «المدواخ». وظلوا كذلك مدة طويلة إلى أن جاء الانجليز من الهند وهم يحملون علب السجائر الجاهزة والسجائر التي كانت تلف يدويا داخل «الكاغد»، وهي لفظة فارسية أصلها «كاغز» أي ورق. ويقال ان اول ماركات السجائر التي دخلت البحرين واستمتع الناس بتدخينه، لكن بحذر شديد خوفا من اتهامهم بخرق العادات او التشبه بالكفار، هو ماركة الثلاث خمسات (ثري فايف 555)، التي بدأت مصانع تبغ أنجلو أمريكية في إنتاجها في الهند منذ عام 1902. وهذه السجائر كانت تأتي داخل علب معدنية صفراء، وكان من يدخنها لا يلقي بعبوتها الجميلة في صفائح القمامة، بل يحتفظ بها لاستخدامها في أغراض متنوعة. فالبعض مثلا كان يحتفظ بها ليضع فيها وحدات الروبية من النقد المعدني مثل الآنة والبيزة، بدلا من أن يعقدها في أطراف غترته، مثلما اعتاد الكثيرون من رجالات الرعيل الأول البسطاء. والبعض الآخر كان يحتفظ بها ليستخدمها في حفظ طوابع البريد وطوابع الدمغة الحكومية. وفريق ثالث كان يستخدمها كعبوة لجمع وحفظ الأدوات المكتبية البسيطة من دبابيس ومشابك وبقايا اقلام الرصاص وبرايات ومحايات. أما النساء فكن يستخدمنها في حفظ البخور أو اللبان أو الزعفران أو أقلام الكحل وسواها من أدوات التجميل القديمة. في فترة لاحقة، وتحديدا بعد اكتشاف النفط واستخراجه وقدوم موظفيه وعماله الاجانب، عرفت البحرين أنواعا جديدة من السجائر الغربية كان معظمها إنجليزية مثل روثمان، وبلايرز، وكرافن ايه، ودنهل، وبنسون أند هيدجيز. وبمجيء الامريكيين وتنامي الروابط التجارية وغيرها مع الولايات المتحدة تعرف مجتمعنا على السجائر الامريكية مثل مارلبورو، وكنت، ولاكي سترايك، وتشيسترفيلد، وكاميل، وبول مول، وسالم بنوعيه العادي والمينثول، وإل إم، وونستون، وغيرها من تلك التي لقيت استحسانا من قبل المستهلكين بسبب الدعاية القوية المصاحبة لها وبسبب تقديم الامريكيين للسجائر في صورة ألـ «كنغ سايس» ابتداء من عام 1939، قبل أن يزودوا سجائرهم بالفلتر بدءا من عام 1954. وما بين هذا وذاك عرف المدخنون في مجتمعنا أنواعا أخرى من السجائر بعضها اختفى سريعا لعدم وجود اقبال محلي عليها مثل بارلمينت، وفايسروي، وديمورييه (سجائر كندية تميزت بطولها غير الاعتيادي، حوالي 12 سم)، وأولد غولد، وسينيور سيرفيس (كانت تتوسط علبتها صورة مركب شبيه بمراكب القراصنة)، ولارك (ذات العلبة الخمرية والفلتر متعدد الطبقات من القطن والفحم الناعم لامتصاص النيكوتين بكفاءة كما كان يقال كذبا). وبسبب صعوبة حفظ وتداول الأسماء الأجنبية للسجائر الغربية في بدايات دخولها إلى مجتمعاتنا، عمد مدخنوها إلى إطلاق تسمياتهم الخاصة عليها. وفي الغالب الأعم كانت هذه التسميات، التي انتشرت وانتقلت من جيل إلى آخر، مستوحاة من الصورة المطبوعة على العبوة، أو نسبة إلى اسم وكيلها المحلي، أو ابتكار خاص. فمثلا سجائر «كرافن إيه» كانت تسمى عندنا بـ «بوقطو»، وكنا نضحك كثيرا حينما نسمع دعايتها باللهجة الفلسطينية من إذاعة المملكة الأردنية الهاشمية التي كانت تسميها سجائر «الكــُطة». وسجائر «إل إم» سماها البعض ليلى مراد استنادا إلى تطابق اسمها مع الأحرف الأولى للمطربة المصرية الكبيرة، وسجائر روثمان ســُميت بـ «علي بن علي» نسبة إلى اسم وكيلها المحلي. وسجائر «تشسترفيلد»، التي كان يقوم بالدعاية لها الرئيس الامريكي الأسبق «رونالد ريغان» يوم أن كان ممثلا سينمائيا، سميت باسم «بومنارة» بسبب رسمة مطبوعة على عبوتها خيــّل للبعض أنها منارة، وسجائر بلايرز التي كانت عبوتها تحمل صورة ملونة لبحار ملتحي سميت بـ «نيفي كت» بينما ســُميت في السعودية وقطر والامارات بـ»البحاري»، وفي الكويت بـسجائر الكابتن. وعلى منوال الأخيرة سمى البحرينيون سجائر «لاكي سترايك»، التي تولى الدعاية لها نجم هوليوود وأفلام رعاة البقر «جون وين» بـ «بودمغة» بسبب علامتها الدائرية المتوسطة لصدر علبتها، بينما سميت في بقية أقطار الخليج بـ «بوسطوانة». ولا يكتمل حديثنا دون الاشارة الى حقيقة ان تدخين السجائر في مجتمعنا في الماضي كان مقتصرا على الكبار من البالغين والراشدين، بمعنى ان سواهم من المراهقين واليافعين كانوا إذا ما اقدموا على التدخين، او حتى مجرد الاحتفاظ بسيجارة، تطاردهم نظرات الخزي والعار والاحتقار. ومن هنا كانت مدارس أيام لــّول حريصة على تفتيش طلبتها يوميا بحثا عن سجائر يخفونها في ثيابهم أوحقائبهم وذلك بهدف الحيلولة دون تعودهم على تدخين التبغ الذي كان يـُعرف في دول الجوار الأكثر محافظة بـ «المخزي»، بل والذي بسببه كان المدخن هناك يجلد في مكان عام حتى بداية الستينات.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها