النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10974 الجمعة 26 أبريل 2019 الموافق 21 شعبان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:42AM
  • الظهر
    11:36AM
  • العصر
    3:06AM
  • المغرب
    6:07AM
  • العشاء
    6:37AM

كتاب الايام

يا مصر.. متى ينتهي مخاضك الصعب؟

رابط مختصر
العدد 8741 السبت 16 مارس 2013 الموافق 4 جمادي الأولى 1434

ما أجمل القاهرة في الصباح والسكون يلفها حقا، فهذه البلاد ساحرة في كل متناقضاتها، ولهذا فالعاشقون لها يجدون ضالتهم فيها خاصة عندما يمرون أو يسيرون بجوار نيلها العظيم، والمفكرون والعقلاء كل يغني على ليلاه فيها، هذه هي قاهرة المعزة، قاهرة صلاح الدين، قاهرة العزة والكرامة، قاهرة عبدالناصر، قاهرة الامل الذي لا ولن ينتهي. وبمناسبة قاهرة عبدالناصر، فقد تعلمنا من مصر وقتذاك ان الحرية لا تمنح بل تؤخذ، وثمنها الدم، وان الحرية طريق التقدم، وحق التقدم مكفول لكل الشعوب التي تكافح من أجله وان التفاف الشعوب خلف قيادتها هو وقود معركتها ضد الفقر والجهل والمرض، وان تحقيق الحلم الاجتماعي هدف غير مستحيل. لقد تعلمنا من عبدالناصر المبادئ الكبرى التي صارت مصابيح منتشرة على الدرب الطويل لشعوبنا العربية، واذا كان نضال ناصر ضد الرجعية والتخلف والإمبريالية فان المعركة في مصر الآن هي ضد الدولة الدينية، لكي يستعيد المصريون مصابيحهم ولتكون نبراسا لهم في طريقهم نحو التحرير من نير التسلط الديني. أما قاهرة نهر النيل العظيم، فقد شاءت الاقدار ان اجلس على نيلها الخالد عصر أحد أيام الأسبوع الفائت، وتشاء الاقدار ايضا ان اكون مواجها تماما لمقر النادي الاهلي المصري العريق والذي يقع بجوار مبنى اتحاد الكرة ونادي الشرطة اللذين احترقا تماما بعد الحكم في ما يسميه المصريون بقضية «مذبحة استاد بورسعيد».. فمثلما كان الحدث مؤلما، جاء الحكم ليخرب القاهرة ونيلها ايضا، الذي كان شاهدا على العنف والتسلط. فاذا كان اهل مصر معروف عنهم اللين والتسامح والسماحة، فقد نرى الآن ان بمصر بعض الشباب والكهول ايضا ينفخون في النار، حتى لا تهدأ امورها وتزداد اشتعالا بعدما جاءتهم الفرصة الذهبية بعد تغيير النظام الذي اعتبروه ظالما، وجاءوا بآخر، ولكنه ايضا ارتأوه امتدادا لعهد الظلم.. وسألت مياه النيل الجارية: «متى ينتهي مخاض مصر الصعب؟.. ولكم حزنت، فلم تعد المياه تتحدث معي او تناجيني كما كان عهدي بها سابقا، ثم توجهت بتساؤلاتي لذاتي هذه المرة، فلم أعثر على اجابة ايضا، وهنا اشفقت على مصر وعلى نيلها. أود للنيل الخالد، الذي ناجيته وناجاني، وتحدثت معه حديث المحب العاشق له ولأهله ولتاريخه العظيم الذي لا تكفيه كتب قرون، ورأيت مياهه غاضبة بعدما كنت أراها وديعة تسير بلين ورفق حتى يكاد المرء لا يسمع صوتها، وتخيلت اذا توقفت مياه النيل التي روت وستروي المصريين الصبر والحب، فماذا هم بفاعلين؟.. وبقدر غضبي من السؤال الافتراضي، بقدر خوفي من الاجابة التي تسابقت على ذهني وارهقتني حقا، فالنيل هو حياة المصريين، فكيف يتجمد، فهل يغضب ويئن ويشارك اغلبية المصريين اوجاعهم وآلامهم، ولكن ما ذنب هؤلاء من قلة لا تعرف قيمة البلد التي تعيش فيها، ولا تعرف قيمة النيل الذي وفر للمصريين على مر تاريخهم العظيم ليروي ظمأها ويجدد خصبها، فاعتادوا ان يبذروا الحبوب لتخضر الأرض وينمو الزرع. ولما كان للفيضان وقت معين، وللزراعة مواسمها ومواعيدها وللري طرقه ونظامه، لذلك رتب المصريون حياتهم على هذا الأساس، فقسموا الأرض وشقوا الترع ونظموا الري وابتدعوا التقويم. نعلم ان تاريخ مصر هو تاريخ الحضارة الإنسانية، عندما أبدع المصري وقدم حضارة عريقة سبقت حضارات شعوب العالم، حضارة رائدة في ابتكاراتها وعمائرها وفنونها أذهلت العالم والعلماء بفكرها وعلمها فهي حضارة متصلة الحلقات. حضارة تفاعل معها الإنسان المصري وتركت في عقله ووجدانه بصماتها. ولم لا.. فمصر عرفناها أول دولة في العالم القديم عرفت مبادئ الكتابة وابتدعت الحروف والعلامات الهيروغليفية، وكان المصريون القدماء حريصين على تدوين وتسجيل تاريخهم والأحداث التي صنعوها وعاشوها، وبهذه الخطوة الحضارية العظيمة انتقلت مصر من عصور ما قبل التاريخ وأصبحت أول دولة في العالم لها تاريخ مكتوب، ولها نظم ثابتة ولذلك اعتبرت بكافة المعايير أما للحضارات الإنسانية. فالكتب تحكي عن مصر دورها الحضاري والتاريخي والديني، فكانت المكان الذي احتضن الأنبياء، والأرض التي سارت خطوات الأنبياء والرسل عليها، وجاء إليها أبوالأنبياء إبراهيم عليه السلام وتزوج منها السيدة هاجر، كما جاء إليها يوسف عليه السلام وأصبح فيها وزيرا وتبعه إليها أبوه يعقوب.. ودار أعظم حوار بين الله عز وجل وبين موسى عليه السلام على أرضها.. وإلى مصر لجأت العائلة المقدسة السيدة مريم العذراء والسيد المسيح طفلاً ويوسف النجار وقاموا برحلة تاريخية مباركة في أرضها.. وقد اختار الله سبحانه وتعالى مصر بالذات لتكون الملجأ الحصين الذي شاءت السماء أن يكون واحة السلام والأمان على الدوام وملتقى الأديان السماوية. ومصر هي التي قال فيها الشيخ محمد العريفي عن فضائلها في الاحاديث والقرآن، من شاهد الأرض وأقطارها والناس انواع وأجناس ولا رأى مصر ولا اهلها فما رأى الدنيا ولا الناس، هي أم البلاد وهي أم المجاهدين والعباد قهرت قاهرتها الامم ووصلت بركاتها إلى العرب والعجم، هي بلاد كريمة التربة، مؤنسة لذوي الغربة، فكم لمصر وأهلها من فضائل، ومزايا، وكم لها من تاريخ في الاسلام وخفايا منذ أن وطأتها اقدام الانبياء الطاهرين ومشت عليها اقدام المرسلين المكرمين والصحابة المجاهدين. إن مصر ايها المسلمون هي الارض الطيبة التي قال الله تعالى عنها لما طهرها الله تعالى من فرعون وقومه مدح الله تعالى مصر فقال «كَمْ تَرَكُوا مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ @831;٢٥@830; وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ @831;٢٦@830;« [الدخان]. إن مصر فيها خزائن الأرض بشهادة ربنا جل وعلا لما قال ليوسف عليه السلام (( قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (55))) [يوسف]. ونستزيد من كلمات الشيخ العريفي في حق مصر والمصريين: «ايها المصريون :الإسلام فيكم وجد أعياده.. وكنتم يوم الفتح أجناده.. وكنتم عام الرمادة مداده.. واحرقتم العدوان الثلاثي وأسياده.. وحطمتم خط بارليف وعتاده.. وكنتم يوم العبور أسياده وقواده». وكتب فيها الشاعر المصري الكبير فاروق جويدة متحسرا على ما يراه بها الآن: لا أنتِ مصر ولا السماء سماك.. مدي يديك.. تكلمي لأراك.. هذا الذهول على عيونك حيرة.. أم دمعة فاضت بها عيناك؟!.. ماذا أصابك؟.. خبريني محنة.. عبرت وعهد فاسد أشقاك.. أم فتنة حلت وسيف غادر.. سفك الدماء البيض فوق ثراك؟!.. غـرقت على شطيك كل سفائني.. وتعثـرت بين الدروب خطـاك.. أين الشباب؟.. وأين أيام الهوى..والكون يركع في جلال بهاك؟!.. شاخ الزمان على ضفافك.. وانطوى. ما أكثر العشاق في دنيا الهوى.. لكنني وحدي الذي يهواك.. مدى يديك تكلمي لأراك.. خفت البريق وغاب سحر ضياك.. عهد من الطغيان ولي.. وانقضى.. ليجيء عهد في الضياع رماك.. الأخوة الأعداء خانوا حلمنا.. هدمــــوا عرينــا شيدته يداك.. خدعوك باسم الأمن حين تسلطوا.. فوق الرقاب وشردوا شهداك.. خدعوك باسم العدل حين تسابقوا.. نحو الغنـــــــائم يشربــــــون دماك.. الأخوة الأعداء قاموا عصبة.. سرقوا النذور وتـــاجروا بدعــــاك. وإذا كانت مصر هي أرض الحضارات المتعددة، حيث كانت مهدا للحضارة الفرعونية، وحاضنة للحضارة الإغريقية والرومانية ومنارة للحضارة القبطية، وحامية للحضارة الإسلامية. فشعب مصر على مر تاريخه معروف بالحب والتسامح والود والكرم الذي تميز به. حتى وإن تغيرت الاحوال نوعا ما في الوقت الراهن، فلمصر التاريخ والحضارة العودة مرة اخرى لنهضتها التي عهدناها، العودة لنيلها الصافي العظيم الذي طالما كان ملجأ لعواطفنا وهوانا وأحاديثنا ونجوانا. نسأل الله العلي القدير أن يحفظ مصر ويجمع شملها اهلها، ويولي عليهم خيارهم وأتقاهم.. اللهم من أراد بمصر وأهلها بسوء أو دبر لهم مكائد، فرد كيده في نحره واجعل تدبيره تدميرا عليه يا قوي يا عزيز يارب العالمين.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها