النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12142 الأربعاء 6 يوليو 2022 الموافق 7 ذو الحجة 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:17AM
  • الظهر
    11:42AM
  • العصر
    3:08PM
  • المغرب
    6:34PM
  • العشاء
    8:04PM

كتاب الايام

ثقافــــــــــــــــــة الترســـــــــــو

رابط مختصر
العدد 8740 الجمعة 15 مارس 2013 الموافق 3 جمادي الأولى 1434

تغيرت دورة عرض الأفلام السينمائية خلال العقد الأول من القرن الواحد والعشرين، عما كانت عليه منذ عرفت مصر العروض السينمائية المحلية فى العشرينات من القرن الماضى، وبعد أن كان العرض الأول لأي فيلم سينمائي جديد لا يستغرق سوى أسبوعين، أو ثلاثة في دارين أو ثلاث من دور العرض في العاصمة وعواصم الأقاليم، ينتقل بعدها إلى دور عرض الدرجة الثانية ثم دور عرض الدرجة الثالثة، فيظل يعرض بها لسنوات يستعيد خلالها منتجه ما انفقه عليه، ويحقق ما كان يراهن عليه من أرباح، أصبح الفيلم يعرض لأول مرة في 60 أو 70 دارا للعرض ثم ينتقل بعد ذلك مباشرة للعرض على شاشات القنوات التليفزيونية، ليستكمل على شاشاتها التي لا حصر لها دورته الإنتاجية. وكان طبيعيا -تبعا لذلك- أن تختفي الدرجة الثالثة من دور عرض الدرجة الثانية، وأن تختفي دور عرض الدرجة الثالثة من خريطة دور العرض، وأن ينسى الناس مصطلح «الترسو» الذي كان يطلق عليهما وعلى نجوم الشباك الذين كانوا يحققون أعلى الإيرادات بسبب إقبال جمهور الترسو على مشاهدة ما يؤلفونه أو يخرجونه أو يقومون ببطولته من أفلام، وأن يختفي من الصفحات الفنية في الصحف لقب «ملك الترسو» الذي حمله مؤلفون مثل «محمد مصطفى سامي» و»محمد عثمان» و»حسين حلمي» ومخرجون مثل «حسن الإمام» ونجوم مثل «فريد شوقي» و»محسن سرحان» و»يوسف وهبي» وغيرهم من أسسوا لـ»مدرسة ثقافة الترسو»، وهي مدرسة اقتصادية وفنية واجتماعية وسياسية! من الناحية الفنية أقامت مدرسة الترسو أعمدتها على توليفة تجمع بين الميلودراما الزاعقة التي تنحو إلى المبالغة في التعبير عن العواطف وتضم سلسلة من الفواجع والمصائب والكوارث التي تظل تطارد البطل أو البطلة منذ بداية الفيلم حتى نهايته، تصنعها مصادفات سيئة أو يرتب لها فريق من الأشرار، يتربصون به في كل خطوة، وبين الرقص والغناء والمطاردات والمشاجرات والمواعظ الدينية والأخلاقية. وهي مدرسة اقتصادية تجارية، توصل إليها صناع السينما عبر تحليل لإيرادات الأفلام، كشف لهم عن أن جمهور الترسو -في ذلك الزمن- يمثل الأغلبية من بين مشاهدي السينما وأنه المصدر الرئيسي لمعظم الإيرادات التي تحققها على الرغم من انخفاض ثمن بطاقة العرض في دور عرض الدرجة الثالثة بالقياس إلى ثمن بطاقة المشاهدة في دور عرض الدرجة الأولى والثانية، فكان لا بد لهم -ككل تاجر شاطر- أن يقدموا له البضاعة السينمائية التي يفضل مشاهدتها والتي تنسجم مع درجة ثقافته ووعيه وتعليمه وتذوقه الفني، وتغريه أن يدفع ثمن بطاقة العرض. ولأن المجتمع المصري عرف المسرح والسينما في الوقت الذي كان يعاني فيه من صدمة انتقاله من مجتمع قروي زراعي إلى مجتمع مدني تجاري وصناعي هزت القيم والتقاليد الريفية المحافظة التي توارثها لزمن طويل واصابته بحالة من القلقلة النفسية والاجتماعية فقد وجد صناع سينما الترسو في معابثة هذه القيم المحافظة والدفاع عنها، الوصفة السحرية المضمونة لجذب جمهور الترسو إلى مشاهدة أفلامهم، ولإغرائه بأن يضحي بقروشه القليلة من أجل الترفيه عن نفسه بالهروب من همومه في ظلام قاعات العرض البائسة.. تتعلق عيونه بالشاشة فيرى عالما غير الذي يحيط به من كل جانب وفواجع تستنزف الدموع مما فيه، تدفعه للاستسلام لقضائه وترديد المثل الشعبى الذي يقول «من شاف بلوة غيره.. هانت عليه بلوته»! وكان «يوسف وهبي» هو الذي التقط الفكرة التي أسست فيما بعد مدرسة سينما الترسو، بعد أن أذهله الإقبال الجماهيري الكاسح الذي حققته مسرحية «أولاد الذوات» التي كتبها وأخرجها عام 1931، فحولها في العام التالي إلى فيلم سينمائي دخل التاريخ باعتباره أول فيلم ناطق في تاريخ السينما المصرية، وحقق ايرادات فلكية بمقاييس ذلك الزمان، كشف له تحليلها عن التوليفة التجارية التي تجذب رواد الترسو إلى مشاهدة الأفلام، فالريف على الرغم من بدائيته وتخلفه هو منبع كل القيم الفاضلة كالصدق والأمانة والعفاف والإخلاص، والمدينة -على الرغم من تقدمها- هي أصل كل الرذائل ومصدر الخيانة والكذب والسرقة والغدر والتحلل الجنسي وبالمثل فإن الشرق هو الذي صنع كل ما في تاريخ الإنسانية من خير وجمال وزهد وروحانية جلبت لأهله السعادة، بينما لم يضف الغرب إلى الحضارة الإنسانية سوى مجموعة من القيم المادية الحسية لم تجلب له إلا التعاسة، ولم تجلب للشعوب الشرقية التى تأثرت به أو حاولت تقليد مدينته الزائفة إلا الموت والخراب. وسينما الترسو هي التي اشاعت الاعتقاد بأن الفقراء أصح من الأغنياء لأنهم يملكون معدة تهضم الزلط ويتمتعون بحيوية جنسية يفتقدها الأغنياء الممعودون دائما والعاجزون جنسيا غالبا، وهي التي أشاعت أن الفقر مع الرضا هو الغنى الكامل، وأن المال الكثير يغري صاحبه بالطمع فيظل ظامئا إلى المزيد منه، فلا يطمئن له بال ولا يهنئه بنوم! وعلى عكس ما كان متوقعا فإن تغير دورة عرض الأفلام السينمائية واختفاء دور عرض الدرجة الثالثة لتحل محلها القنوات الفضائية المتخصصة في استكمال الدورة الإنتاجية للفيلم، لم تؤد إلى اختفاء أفلام الترسو، ليس فقط لأن هذه القنوات أصبحت تعيد بث تراث سينما الترسو، من الأفلام القديمة لكن كذلك لأن قنوات تليفزيونية أخرى تخصصت في بث ثقافة سينما الترسو، وفي الترويج لأفكارها، على الرغم من أنها قنوات لا تعرض أفلاما بل مواعظ دينية ولا تستضيف نجما من نجوم السينما لأنها تعتبر التمثيل فنا وثنيا والممثلات داعرات والسينما حرام، بينما تؤمن بـأن ثقافة الترسو حلال!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها