النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10910 الخميس 21 فبراير 2019 الموافق 16 جمادى الثاني 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:51AM
  • الظهر
    11:51AM
  • العصر
    3:08AM
  • المغرب
    5:35AM
  • العشاء
    7:05AM

كتاب الايام

العصا الأمريكية وحوارات كيري بالقاهرة

رابط مختصر
العدد 8734 السبت 9 مارس 2013 الموافق 26 ربيع الآخر 1434

دائما ما تدعي الولايات المتحدة الأمريكية انها لا تتدخل في الشئون الداخلية المصرية او في دول اخرى بالعالم.. بيد انه برصد سريع لزيارته الاخيرة لمصر، نكتشف ان وزير الخارجية الأمريكي جون كيري مارس تدخلا سافرا في الشئون المصرية، بل وصل الامر تقريبا الى حد التهديد. لماذا؟ فهو اشترط موافقة المعارضة على المشاركة في الانتخابات النيابية المقبلة، بل مارس عليها قمعا لخوضها وعدم مقاطعتها كما قررت سابقا، ومبعث التهديد هو انه ربط دعم واشنطن لقرض صندوق النقد الدولي بمشاركة المعارضة. المعارضة من جانبها لم تلق بالاً لتهديدات كيري، فهي في غنى عن دعمه وتهديداته في نفس الوقت، واذا كان له ان يهدد، فعليه ان يوجه التهديد للرئاسة والحكومة وليس للمعارضة. فمؤسسة الرئاسة في اشد الحاجة لقرض الصندوق البالغ 4.8 مليار دولار للمساهمة في سد عجز الموازنة البالغ اكثر من 100 مليار جنيه مصر « نحو 15 مليار دولار». ثم ان المعارضة ترى ان كيري وادارة اوباما عن بكرة ابيها تحيد عن الحق وتدعم بكل قوتها مؤسسة الرئاسة، وان واشنطن تقف قلبا وقالبا من الحكم والتيار الاسلامي الذي ترى المعارضة انه استولى على السلطة في مصر عبر تزييف عقلية الناخبين واستغلال منابر المساجد واستخدام فزاعة – دخول جهنم – التى يرددونها امام العامة من المصريين ومعظمهم من الطبقات الدنيا قليلة التعليم، وبالتالي عديمة الثقافة الدينية وتستجيب بلا وعي للمشايخ والسلفيين وتهديداتهم وخوفهم من دخول نار جهنم، فمن يرشح ليبراليا سيصلى نار سعيرا، ومن يختار اخوانيا او سلفيا له جنات النعيم خالدا فيها ابدا. ومن مظاهر فشل جولة جون كيري الاولى له في مصر كوزير خارجية بعدما زارها كثيرا كعضو كونجرس، انه اخفق في اقناع المعارضة على خوض الانتخابات التى تفتح باب التسجيل لها اليوم السبت، وثانيا اخفاقه في اقناع مؤسسة الرئاسة بتشكيل حكومة توافقية للحصول على قرض الصندوق المشار اليه. وكانت مصادر أمريكية قد سربت انباء عشية زيارة كيري للقاهرة قالت فيها ان القرض الدولي لن يتم قبل انهاء الصراع السياسي في مصر، وبالتالي، احرجت المعارضة الحكومة والرئاسة معا ورفض بعض اقطابها حتى مقابلة كيري، في حين قامت الرئاسة الاخوانية بالشق المتبقي ورفضت هى مطلب واشنطن بتشكيل حكومة بديلة لتعويض فشل حكومة هشام قنديل. ويكفي ما ذكرته احدى رموز المعارضة في مصر وهى الناشطة السياسية جميلة اسماعيل لكيري خلال اللقاء معه: «يبدو انكم في ادارتكم تريدون تفصيل ديمقراطية لنا على مقاس صغير ولا تدركون ان احلامنا اكبر من المقاس الذي يجعلكم تنظرون الينا كأننا لا نستحق سوى هذه الديمقراطية» .. وصلة رفض ما يطرحه كيري على المصريين لم تنته، فتواصل اسماعيل حسبما نقل عنها في الصحف المصرية: «ان بلدنا ليست حقل تجارب، ففي السابق دعمتم نظاما عسكريا، والآن تدعمون نظاما شبه دينيا، وكل ذلك من اجل ان يلعب كل نظام الدور المطلوب منه». ولا تنسى المعارضة المصرية مسألة ان أمريكا هى التى ضغطت على المجلس العسكري بقوة لوصول الاخوان الى الحكم، وان أمريكا ايضا لم تساند محمد البرادعي في الترشح للرئاسة، وهذا لان واشنطن تعتقد ان الاخوان هم الجهة الاكثر تنظيما على الساحة المصرية ووصولهم للحكم سيمنح الامن والامان لإسرائيل ويحفظ المصالح الأمريكية في مصر. ومن بين التناقضات الأمريكية في التعامل مع الدول، انه في الوقت الذي تدعي فيه الادارة الرسمية منح تلك الدول معونات اقتصادية، نرى أعضاء آخرين في مجلس الشيوخ والنواب يعترضون بشدة على تلك المعونات ويطرحون علنا حيثيات رفضهم.. فعلى سبيل المثال، اعلن كيري خلال زيارته للقاهرة موافقة بلاده على منح القاهرة نحو 450 مليون دولار لتحفيز الاقتصاد المصري، في حين قدم أعضاء بمجلس النواب فى الكونجرس الأمريكى مشروع قانون جديدا يطالب الرئيس الأمريكى باراك أوباما بتعليق وصول شحنة جديدة من طائرات إف ١٦ ودبابات إم ١ وجميع المعدات العسكرية إلى مصر، على اعتبار انها دولة غير مستقرة سياسيا، مع ضرورة التأكيد اولا على أن مصر شريكة وحليفة قوية للولايات المتحدة مع التعبيرعن كامل احترامها لإسرائيل. ثم يدعي بعض اعضاء الكونجرس الأمريكي ان سخاء واشنطن بإرسال أساطيل كبيرة من الدبابات والطائرات المقاتلة قد يأتي بنتائج عكسية، نظرا لعدم القدرة على التنبؤ بتصرفات الحكومة المصرية التى تدعم حركة حماس فى غزة. وهنا، نرى النواب الأمريكيين يزايدون على مصر ويقدمون مشروعات قوانين لوقف مؤقت أو نهائي لشحنات الإمدادات العسكرية لمصر. وتساءل فيرن بوكنان النائب بالكونجرس: «لماذا نعطي مليارات الدولارات لمصر فى حين أنها لم تعد صديقا لأمريكا خاصة وبلادنا غارقة فى بحر من الديون، ومن هنا أسأل: لماذا ننفق الكثير من المال فى جزء لا يحبنا من العالم؟». ومثل هذه التصرفات الأمريكية وتحديدا مطالبة المعارضة المصرية بالمشاركة في الانتخابات ترضية للإخوان، تذكرنا نحن العرب جميعا بسلوك واشنطن الدائم وهو التلويح بالعصا. فواشنطن تقول للمعارضة ان عدم دعمكم للرئيس مرسي معناه ضياع قرض الصندوق ومن ثم انهيار اقتصادي سريع، فهي تحاول انقاذ النظام الذي تفضله بقمع معارضيه. وهكذا هو الحال الأمريكي بالنسبة للموقف العربي عموما، فهي تجيد ممارسة هذه اللعبة، ففي الوقت الذي تدعي فيه ان ثمة خلافا كبيرا بينها وبين إيران، نراها تعقد صفقات سرية مع نظام الملالي تكون فيه منطقة الخليج اكثر ضحايا هذا الاتفاق السري. وكلنا نستطيع ان نقرأ غزلا أمريكيا لإيران من بين السطور، رغم ما ينشره الاعلام الأمريكي يوميا عن خلافات حادة بشأن ملف إيران النووي، في حين ان واشنطن هى سبب بقاء النظام الإيراني حيا حتى الآن، وجعل هذا النظام يتمادى في تهديداته لجيرانه في المنطقة، لأن يأمن الجانب الأمريكي الذي لن يقترب منه رغم الادعاء بان النظام الإيراني من اكثر انظمة العالم شيطنة. واستطيع القول ان العين لا تخطئ ان ثمة صفقة بين واشنطن وطهران، حتى وان كانت ليست على مرمى حجر‏، بغض النظر عما اذا كانت تلك المسألة لا تزال بعيدة نوعا ما رغم حاجز الملف النووي الإيراني بينهما، وهو مجرد عنوان للأزمة وليس موضوعها الأساسي‏.‏ لان الموضوع الاساسي او الاهم في العلاقات هو بالنسبة لإيران القبول الأمريكي بالتعامل مع إيران على انها القوة الاقليمية الوحيدة في المنطقة ويجب أن تعترف بها واشنطن وبمصالحها وبرؤيتها في ترتيب الأوضاع في هذه المنطقة الحيوية من العالم. اما عن ماهية الجزم بوجود علاقة ما او صفقة تكتب في الافق بين واشنطن وطهران، هو تسريب ادارة اوباما عبر الاعلام الأمريكي ان ثمة مفاوضات سرية بين الدولتين، وانه نتيجة هذه المفاوضات عادت إيران الى جـولات الحـوار حـول الملف النـووي، وقـد تمكنت مجمـوعـة «5+1» بقيادة واشنطن من التقدم ببطء مع طهران خلال المفاوضات التي دارت في عاصمة كازاخستان. واتفق الطرفان على بدء مفاوضات تقنية في أسطنبول في 18 مارس الحالي وأخرى سياسية في العاصمة الكازاخستانية يومي5 و6 أبريل المقبل. وكل هذا يؤكد وجود مصلحة مشتركة للطرفين للابتعاد عن شبح الحرب والتوصل إلى تسوية سياسية، هذا برغم محاولات كل طرف الادعاء بأن الطرف الآخر قد جاء من موقف الضعف إلى المفاوضات . وعودة الى الشأن المصري، واذا كان المصريون لم يفصحوا صراحة عن كراهيتهم لأمريكا وزيارة كيري، فقد قامت صحيفة كريستيان ساينس مونيتور بنفسها بالتعبير عن انطباعات المصريين ، وقالت إن كيري تلقى خلال زيارته لمصر «توبيخات قاسية» من احزاب المعارضة التى باتت ترى الولايات المتحدة حليفا للحركة الاسلامية المصرية وليس التيار المدني الليبرالي. وما لم تقله الصحيفة الأمريكية ان الناشطة المصرية جميلة اسماعيل لقنت كيري درسا في الديمقراطية عندما ابلغته ان أمريكا كقوة كبرى تتصور القدرة على صنع رئيس ديمقراطي من فرعون، ولكن المصريين لم يعدوا يقبلون بالحفلات التنكرية، وانهم لم يقبلوا باستبدال فرعون بولاية الفقيه.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها