النسخة الورقية
العدد 11178 السبت 16 نوفمبر 2019 الموافق 19 ربيع الأولى 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:34AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:27PM
  • المغرب
    4:48PM
  • العشاء
    6:18PM

كتاب الايام

بالقلم الرصاص

جلسة بنكهة سوفياتية!!

رابط مختصر
العدد 8733 الجمعة 8 مارس 2013 الموافق 25 ربيع الآخر 1434

تختزن الذاكرة مشاهد وصورا وأحاديث عصي على الزمن محوها لشدة ارتباطها بالعواطف والمشاعر والأحاسيس، وليس عليّ أن أفصل القول لأوضح أنها مشاعر وأحاسيس إنسانية تختلف تجلياتها من شخص إلى آخر فتتلون بأشكال مختلفة ولكنها مع ذلك ترتد إلى الموئل ذاته؛ لتكون عنوانا اتصاليا آخر بين الناس. وإني لأعتز شخصيا بما تحتفظ به ذاكرتي من تلك المشاهد ومن غيرها من الأحاديث والأحداث المرتبطة التي شدتني برباط وثيق إلى أشخاص محلهم القلب. ومن بين هذه الذكريات ما يعود إلى العام 1974 لتمتد ست سنوات متواصلات إلى العام 1980، في ذلك الوقت كنت للتو قادما من البحرين لأستقر طالبا في كلية الآداب بموسكو عاصمة الاتحاد السوفيتي، الذي صار كما يعرف كلنا أثرا بعد عين؛ ليجعلنا بنهايته تلك مدفوعين دائما إلى السؤال إن كانت نهاية الاتحاد السوفيتي ستضيف إيجابية إلى الواقع الكوني المعيش، أو أنها نهاية أرهقت هذا الواقع بإعلان موت مفاجئ لعملاق تفاجأنا بأن رجليه كانتا من صلصال؟ شخصيا أعتقد أن سؤالا كهذا معقد ونترك أمر حل عقده والإجابة عنه في ذمة الباحثين في تفسير التاريخ. الشيء الذي يميز الذاكرة الإنسانية أنها مهما دارت الأيام وتعاقبت السنون لا تخونك في مواقف بعينها؛ فأنت عندما تستدعي بعض الوقائع من ذاكرتك تعود إلى الواقعة المقصودة كما هي عندما حدثت آنذاك بدمها وشحمها. إن السنين التي تجدها تفلت منك في الحياة الواقعية المعيشة إنما أنت تجدها مسترخية في الذاكرة في مكانها لا تتزحزح؛ بمعنى أن مشهدا ما جمعك مع سين من الناس في العام 1974 على سبيل المثال فإن ذاكرتك تستحضره كما هو آنذاك وتنفض غبار متراكمات السنين اللاحقة عن الواقعة أيام تلك الروح الشابة. ولعلك قارئي الكريم تتساءل عن سر هذا التأمل المرفق بحديث الذاكرة ديباجة لحديثي إليك، فلا أخفيك سرا إن قلت لك إن مناسبة الحديث عن الذاكرة السبعينية هي أن صديقا لي إماراتي الجنسية بحريني الهوى جذوره مرتوية بماء البحرين اعتاد في كل مرة يأتي فيها إلى البحرين زائرا على مفاجأة أصدقائه وصحبه فرادى ومجتمعين بما يسر ويفرح، فاختار هذه المرة أن تكون مفاجأته جماعية طالبا تهيئة جلسة سبعينية الزمن بنكهة سوفياتية تجمعه بزملاء الدراسة وأصدقائها، فاقترح عليّ وعلى صديق آخر ممن جمعتنا معا ذكريات السبعينات أن نجري اتصالاتنا بمن نرغب من أحباب قطعنا معهم شوطا من أعمارنا في الغربة الأكاديمية لندعوهم إلى لقاء يجمعنا معا في محل إقامته بأحد فنادق البحرين. وقد تم له ولنا ذلك؛ حيث أجرينا اتصالات واستطعنا أن نحصل على موافقة ثلاثة عشر شخصا من خريجي الاتحاد السوفيتي، ومن مدن سوفياتية مختلفة، وإن كان جلهم من خريجي جامعة الصداقة المسماة «باتريس لومومبا» في ذلك الوقت من التاريخ. بدأ الصحب يتقاطرون وقد كانوا كعادتهم على الموعد؛ لتتنادى الذكرى مع الذكرى، وسألت الصديق محمد فولاذ «هل أنت على علم بأن اليوم الخامس عشر من فبراير، وهو تاريخ تأسيس FNOB بالمختصر الروسي، أي جبهة التحرير البحرينية؟ أتعتقد أن شكا سينال احتفاليتنا هذه البريئة؟» قال «وهل بقي شيء طي السرية في عهد الملك حمد، هذا العهد الذي طرد الخوف عبر تعزيزه الحريات العامة والخاصة؟» ثم هل هذا الكم من الجمعيات الطائفية المشهرة عندها ما يميزها عن جبهة التحرير أو الجبهة الشعبية؟» تركت أسئلته معلقة ولم نتناولها بالتحليل؛ إذ ليس من وجه للمقارنة بين مسلكيات الجمعيات الطائفية من قبيل جمعية «الوفاق» على سبيل المثال وجبهة التحرير، والجبهة الشعبية. دق جرس الباب فإذا بأناس آخرين قد ترك الزمن آثاره الواضحة عليهم التي تُدرك من خلال التغير الطارئ على الأحجام وعلى الأشكال... رغم صغر البحرين إلا أنها كانت معنا بخيلة فلم تترك لنا مجالا لنرى بعضنا بعضا. كان هؤلاء الكهول من خيرة من كنا نبني معهم علاقات صداقة وود، لكن للزمن مكره؛ لقد كنت وصديقي محمد نستغرق ثواني، حتى لا أقول دقائق، لنطابق الاسم الصحيح بصاحبه الشخص الصحيح... «من؟» هو السؤال الذي تردد مع الوافدين تلبية للدعوة. سأل محمد أحدهم «من؟» النافضة لغبار الزمن، فأجاب: أنا توفيق، وقد كانت آخر مرة رأيته أنا فيها في بداية الثمانينيات... انثاعت مكنونات القلب من لواعج المحبة والتقدير، وبات الحديث استدرارا للماضي واستعطافا له ليهيلنا بتفاصيله الصغيرة على أمل أن يلتئم الشمل مع كل المدعوين ونبدأ في استدعاء ما تكتنزه الذاكرة من مشاهد. استمر قدوم الأصدقاء على ذات النسق من السؤال «من أنت؟» حتى اكتمل عقدنا. الغريب أن في هذا الجمع لم يكن الشأن السياسي، الذي كان يستحوذ على النصيب الأكبر من المساحة في النقاشات عندما كنا طلابا، حاضرا، إلا من إشارات سريعة استوجبها واقع البحرين النازف من غدر «الوفاق» وشقيقاتها المذهبيات اللاتي أجبرننا على الابتعاد عن الأحاديث التي يمكن أن تكون قد أثرت في تفكير الناس، حتى لو كانوا علمانيين. ألم يفعلوا ذلك مع شطر مهم من قوى اليسار؟! أعاد عندي هذا اللقاء الحبي الجميل فكرة كانت مطروحة قبل فترة وهي إنشاء ناد لخريجي الاتحاد السوفيتي، وهي فكرة كانت تجري على أكثر من لسان ولكنها توقفت وبقينا عاجزين عن تطبيقها خاصة بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وما استتبعه من نتائج في توقف أعداد الخريجين عند ذاك الحد من العام 1991، ويمكن بعد ذلك العام بقليل من السنوات. غير ان لقاءنا وإن كان ناديا ظرفيا قد أثمر عندي مشروعا من الممكن تفعيله اليوم؛ إذ من الممكن إنشاء ملتقى بحريني روسي ثقافي يعمل على تعزيز التعاون والتبادل الثقافيين بين بلدين لكل منهما باع في منجزه الثقافي. وإني لأرى في مثل هذه المبادرات وجها آخر من وجوه ديبلوماسية النخبة المثقفة التي من واجبها تسويق صورة البحرين الجميلة العريقة المتحابة العاشقة للثقافة والفن والعلم. صحيح أن هذه الدبلوماسية لا ترتقي إلى مستوى الدبلوماسية الرسمية ولكنها بحكم ما آل إليه عالمنا اليوم قادرة بفضل لقاء الأحبة على صنع المعجزات.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها