النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12101 الخميس 26 مايو 2022 الموافق 25 شوال 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:16AM
  • الظهر
    11:35AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:22PM
  • العشاء
    7:52PM

كتاب الايام

فتاوى ذاك الزمان.. وفتاوى هذا الزمان

رابط مختصر
العدد 8733 الجمعة 8 مارس 2013 الموافق 25 ربيع الآخر 1434

أصدرت محكمة أمن الدولة بالإسكندرية في الأسبوع الماضي حكماً يقضي بحظر بث الفتاوى الدينية على شاشة التليفزيون، إلاّ إذا كانت صادرة عن «دار الإفتاء المصرية»، وأشارت في حيثيات حكمها إلى تفشي ظاهرة الفتاوى الدينية التي تذيعها القنوات الفضائية على لسان بعض الدعاة الإسلاميين الذين يقدمون برامج في هذه القنوات أو يدعون للحديث فيها، وهم ليسوا متخصصين أصلاً في العلوم الشرعية، أو غير مؤهلين -على الرغم من تخصصهم ــ للإفتاء فيها، مما يقود بعضهم إلى إصدار فتاوى تتسم بالشطط كانت آخرها الفتوى التي أصدرها أحد هؤلاء بقتل أقطاب المعارضة الذين يطالبون بإجراء انتخابات رئاسية مبكرة. وفي الأسبوع نفسه أعلنت دار الإفتاء المصرية أنها انتهت من تجميع وإحصاء ومراجعة وتصحيح وتصنيف كل الفتاوى التي صدرت عنها منذ تأسيسها عام 1885 إلى اليوم وهي محفوظة في 184 سجلاً مكتوبة بخط اليد تحتوي على ما يزيد على مائة ألف فتوى صدرت خلال ما يقرب من قرن وربع القرن انتهت الدار -خلال سبع سنوات من تهيئتها للطباعة في 39 مجلداً، واسطوانات مدمجة واحتفظت الدار بصورة من السجلات، بينما أودعت الأصل المكتوب بخط اليد في دار الوثائق القومية، وبذلك يصبح هذا الكنز الفقهي والتاريخي تحت نظر الباحثين والدارسين في المسائل الشرعية والاجتماعية والاقتصادية. وليست هذه أول مرة تشرع فيها دار الإفتاء في تجميع ونشر الفتاوى التي صدرت عنها إذا كان المفتي الأسبق الشيخ جاد الحق علي جاد الحق أول من فكر في سبعينيات القرن الماضي في جمع هذه الفتاوى وأصدر منها تحت إشرافه وبمعونة من المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، ثلاثة مجلدات تقع في حوالي 1400 صفحة.. قبل أن يتوقف استكمال المشروع، ربما يسبب انتقاله من دار الإفتاء ليتولى مشيخة الأزهر. لكن المجلدات الثلاثة التي أصدرها الشيخ جاد الحق خلال عامي 1980 و1981 قامت على اختيارات من الفتاوى التي أصدرها سبعة من أعلام المفتين هم المشايخ «محمد عبده» و»حسونة النواوي» و»محمد بخيت» و»عبدالمجيد سليم» و»حسنين مخلوف» و»حسن مأمون» اختارها ـ طبقاً لما قاله في تقديمه لها ـ مما تمس الحاجة إلى العلم به ونشره لما حواه من بحوث فقهية مقارنة ووعد بأن يعقب هذه المختارات بنشر مجموعات الفتاوى التي صدرت في الوقف وفي الجنايات وفي أحكام المواريث. ولفت نظري في هذه المقدمة، إشارة الشيخ جاد الحق إلى أنه لم يستطع أن يدرج الفتاوى التي سبقت تولي الشيخ «حسونة النواوي» منصب الإفتاء في 29 نوفمبر 1895، لأنها أودعت دار الوثائق القومية ولم يتيسر له الاطلاع عليها وهو ما أتمنى أن تستدركه الطبعة الجديدة من مجموعات الفتاوى، بحيث تضم كل ما صدر عن دار الإفتاء وليس جانباً أو مختارات منه.. وأن يتم النشر طبقاً للقواعد العلمية المتعارف عليها في نشر الوثائق التاريخية بما في ذلك تزويد المجلدات بالكشافات التي تيسر العودة إليها والإضافات التي تتعلق بالمناسبة التي صدرت فيها وما قد تكون قد أثارته من مناقشات وخلافات أو وقع عليها من استدراكات بعد ذلك. والحقيقة أن نشر هذه الفتاوى يزودنا بمصدر مهم من مصادر التأريخ للفكر الديني ومعلومات نادرة عن طبيعة المشاكل الاجتماعية والاقتصادية وأحياناً السياسية التي تواجهها المجتمعات الإسلامية في كل عصر وتدفع المسلمين للبحث عن رأي شرعي في مواجهتها عن مدى قدرة علماء الإسلام علي الاجتهاد في الأمور الشرعية بما يوافق زمانهم ومناهج الافتاء التي يتبعونها. وفضلاً عن ذلك فإن قراءة هذه الوثائق الفقهية بعيون اليوم سوف تكشف لنا عن أن المجتمعات الإسلامية في صيرورة أي في حالة تغير دائم، وكذلك الفتاوى الدينية فعندما سافر «رفاعة رافع الطهطاوي» إلى باريس، وجد علماء قسنطينة بالجزائر، مشتبكين في خلاف حاد فيما بينهم حول «الكرنتينة» ـ وهي ما يعرف الآن بالحجر الصحي في المطارات والموانئ ـ بعضهم يحللها باعتبارها من باب توقي الضرر، والآخر يحرمها باعتبارها من باب الفرار من القدر، ومع أن فرقاً قليلة من المسلمين لا تزال تحرم التداوي، استناداً إلى النص القرآني «وإذا مرضت فهو يشفين» فإن الأغلبية الساحقة منهم، تأخذ اليوم بالأسباب التي يسرها الله لعباده، ولم يعد أحد يعتبر «الكرنتينة» من باب الفرار من القدر، ثم إنها الكرنتينة نفسها اختفت أو كادت إلا في أحوال نادرة، بعد أن انتشر التطعيم ضد الأمراض الوبائية المعدية. وفي عام 1904 تعرض مفتي الديار المصرية الشيخ «محمد عبده» لحملة صحفية ضارية، لأن رجلاً مسلماً من «الترانسفال» ـ جنوب إفريقيا ـ أرسل إليه يقول إنه يعمل في المناجم وفي الشمس المحرقة، فهل يجوز له أن يرتدي البرنيطة التي يرتديها غير المسلمين.. ويضيف أن النصارى من أهل هذا البلد يذبحون البقر بالبلطة من غير تسمية، فهل يحل له أكل ذبيحتهم.. فأفتاه الإمام بجواز الأمر في الحالتين، لأن الإسلام لم يقيد أهله بزي مخصوص حيث إن الزي من العادات التي تختلف باختلاف عادات الشعوب، ولأن النص الوارد في القرآن الكريم صريح في تحليل طعام أكل الكتاب للمسلمين، وثبت فيما بعد أن الحملة الصحفية التي شنتها صحف محسوبة علي الخديو عباس، واتهمت الإمام في علمه وفي دينه كانت قد تلقت أمراً من القصر بالهجوم على فضيلة الإمام لخلاف سياسي كان قد نشب بينهما آنذاك.. وبعد ما يزيد علي قرن من الزمان، لم يعد أحد من المسلمين يسأل عن مشروعية لبس البرنيطة، وفوتت مصانع اللحوم المجمدة عليهم مشقة طلب الفتوى، فأصبحت تكتب على منتجاتها أنها ذبحت طبقاً للشريعة الإسلامية! خلاصة الكلام أن تجميع ونشر الفتاوى لا يستهدف حفظها أو تطبيقها حرفياً بصرف النظر عن الزمان والمكان، لكن أن تكون موضعاً للتفكير وللتدبير ولمعرفة أثر الزمان والمكان في تطور الفتوى.. فقد حدث منذ سنوات قليلة إن أثيرت ضجة حول فتوى نسبت للدكتور «علي جمعة» مفتي الديار المصرية السابق، تحرم عمل التماثيل أو إقامتها باعتبارها أصناماً وعندما تصاعدت أرسل المفتي للصحف بياناً يقول إنه لم يصدر مثل هذه الفتوى وإن العادة جرت أن يعتمد المفتي الفتاوى التي يعدها متخصصون في دار الإفتاء، وأن الدار سجلت فتاواها القديمة على موقعها على الإنترنت، فلما جاءها سؤال حول الموضوع راجع المختصون في الدار الفتاوى القديمة بشأنه ثم نقلوا فتوى تحرم عمل التماثيل صدرت عام 1889 كما هي ووقعوها بخاتم المفتي من دون أن يتنبهوا إلى أن ذاك الزمان.. غير هذا الزمان! وكان ذلك ما فعله الذين أخفوا ـ في الأسبوع نفسه ـ تمثال طه حسين في مدينة المنيا بصعيد مصر.. و»أبوالعلاء المعري» من بلده في سوريا.. ووضعوا نقاباً على وجه تمثال «أم كلثوم» المنصوب في أحد ميادين مدينة المنصورة.. لأنهم لا يعرفون أن الزمان في صيرورة وأن الفلك دوّار، وأن اليوم غير الأمس.. والغد غير اليوم.. ويوقفون آلة الزمن.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها