النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11931 الثلاثاء 7 ديسمبر 2021 الموافق 2 جمادى الأولى 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:47AM
  • الظهر
    11:29PM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:46PM
  • العشاء
    6:16PM

كتاب الايام

شيء من الذاكرة عن الكوارث الجوية في الخليج

رابط مختصر
العدد 8733 الجمعة 8 مارس 2013 الموافق 25 ربيع الآخر 1434

كان يوم الأربعاء 23 أغسطس 2000 يوماً أسودَ حزينًا في تاريخ البحرين، لبست البلاد خلال الأيام الثلاثة التالية له ثياب الحداد، وتجسدت فيها أعظم معاني التراحم والتواصل والمشاعر الإنسانية ووحدة مكونات البلاد. ففيه وقعت أسوأ حادثة من حوادث الطيران المدني في تاريخ البحرين وذلك بسقوط طائرة شركة طيران الخليج من نوع «أيرباص إيه 320» في البحر على إثر محاولة قائدها البحريني ومساعده العماني الهبوط بها على مدرجات مطار البحرين للمرة الثالثة، من بعد فشلهما في المرتين الأولين، بسبب سرعة الاقتراب من المدرجات وانخفاض مستوى الهبوط بصورة أكبر من المستوى المفروض. كانت الطائرة قادمة إلى البحرين من القاهرة في رحلتها الاعتيادية رقم 072 وعلى متنها 135 راكباً و8 ملاحين، لم ينجُ منهم أحد. وكان أكثر الضحايا من المصريين «63 راكباً وملاحاً واحداً» فالبحرينيين «36 راكباً وملاحان»، فالسعوديين «12 راكباً» فالاماراتيين «6 ركاب». أما بقية الضحايا فتوزعوا على الجنسيات العمانية والمغربية والكويتية والسودانية والفلسطينية والهندية والفلبينية والصينية والكندية والبريطانية والامريكية والاسترالية والبولندية. وضع التقرير النهائي، الذي صدر بعد تحقيقات استغرقت نحو سنتين، اللوم في حدوث الكارثة على قائد الطائرة ومساعده «اللذين كانا في حالة ارتباك وعجز، ولم يكونا متعاونين» بحسب التقرير. كما أشار التقرير إلى «سوء تقدير قائد الطائرة في لحظات ما قبل الهبوط الأخيرة»، و»عدم الالتزام بمعايير التشغيل، وعدم الامتثال لتحذيرات نظام المراقبة الأرضي بصورة دقيقة». غير أن التقرير نفسه ألقى باللائمة فيما خص عدم الالتزام وعدم الامتثال على الشركة المالكة للطائرة المنكوبة لأنها «لم تقدم أدلة تثبت تدريب الطيارين العاملين لديها على تحذيرات الأنظمة الأرضية والاستجابة لها على الفور»! لم تكن هذه الكارثة هي الأولى من نوعها في منطقة الخليج والجزيرة العربية، وإن كانت الأولى بحرينية. إذ سبقها عدد قليل من الكوارث الجوية مقارنة بمثيلاتها في أماكن أخرى من العالم. ولا يمكن الجزم هنا بالأسباب، فقد تكون عائدة الى دخول الحركة الجوية إلى منطقتنا في وقت متأخر نسبياً، وقد تكون عائدة إلى دقة وسلامة أنظمة مطاراتنا، وقد يتمثل السبب في حرص ناقلاتنا الوطنية على الأخذ بأنظمة الصيانة المتطورة وتحديث أساطيلها من الطائرات. من الكوارث الجوية المحزنة التي شهدها الخليج والتي لا تزال لصيقة بذاكرة الناس، سقوط طائرة تابعة لشركة طيران الشرق الأوسط اللبنانية من نوع كارافيل في رحلتها رقم 444 من بيروت إلى الظهران، في مياه الخليج بالقرب من شاطئ العزيزية في الخبر قبل بلوغها وجهتها النهائية في الظهران بنحو 15 ميلاً، وذلك بعد منتصف ليل 18 ابريل 1964، وفي ظل عاصفة رملية هوجاء. كان على متن هذه الرحلة المشؤومة 42 راكباً منهم 22 من موظفي شركة أرامكو من الجنسيات السعودية واللبنانية والامريكية، وبعض السعوديين من طلبة المرحلة ما قبل الجامعية ممن أرسلوا من قبل ذويهم لتلقي العلم في مدارس لبنان، مثل أبناء الوجيه محمد بن حمد الدوسري، ويوسف العجاجي، الابن الأصغر لرجل الأعمال سليمان العجاجي الذي كان جاراً لي وزميلاً من زملاء اللعب في «سكيك» الخبر، فحزنت عليه حزناً لا يوصف كحزني على فقدان صديق آخر من خيرة أبناء البحرين سلوكاً وشهامة ووطنية وإخلاصاً، ألا وهو المغفور له سمير رجب الذي كان ضمن ضحايا رحلة طيران الخليج رقم 072. وكما حدث في الأخيرة فإن مختلف أطياف المجتمع، أفراد وشركات وشرطة ومؤسسات رسمية وغير رسمية، وعلى رأسها شركة أرامكو، بل وأيضاً السلاح الملكي البريطاني والمارين الأمريكي المرابطين في البحرين وشركة بابكو استنفر كل جهوده وإمكانياته اللوجستية لأيام وليال من أجل البحث عن حطام الطائرة وجمع رفات ركابها الذين لم يعثر على احد منهم حياً. ولم تكن هذه الكارثة هي الوحيدة لشركة طيران الشرق الاوسط في منطقة الخليج. فبعد سنوات، وتحديداً في الأول من يناير 1976، تعرضت إحدى طائراتها من نوع «بووينغ 720 بي» إلى انفجار قنبلة كانت مخبأة في منطقة الشحن الأمامية للطائرة، الأمر الذي جعلها تهوي من علو 37 ألف قدم فوق منطقة صحراوية على بعد 40 كيلومتراً شمال غرب منطقة القيصومة السعودية. وكانت الطائرة في رحلتها الاعتيادية رقم 438 من بيروت إلى دبي فمسقط، وتقل 81 شخصاً «66 راكباً و15 ملاحاً»، لم ينج منهم أحد. أما المفارقة فهي أن الطائرة المفترض أن تقوم بهذه الرحلة كانت من نوع «بووينغ 707» لكن حدوث خلل في إحدى محركاتها، جعلت الشركة تنقل الركاب والبضائع وطاقم الملاحة إلى الطائرة المنكوبة. وشهد مطار الرياض الدولي في 19 اغسطس 1980 واحدة من أكثر الكوارث الجوية مأساوية، وذلك حينما تـُركت طائرة من نوع «لوكهيد ترايستار» تحترق بركابها البالغ عددهم 301 شخص «287 مسافراً و14 من الملاحين وأطقم الضيافة» وهي جاثمة على أرض المطار. وملخص القصة أن الطائرة أقلعت بسلام من الرياض باتجاه جدة في الرحلة رقم 163، لكن قائدها السعودي طلب من برج المراقبة، بعد الإقلاع بدقائق والوصول إلى ارتفاع 15 ألف قدم، السماح له بالعودة مفصحاً عن وجود حريق في مخزن الأمتعة داخل الطائرة. وقد عادت الطائرة وهبطت فعلاً بسلام فوق أرض مطار الرياض خلال مدة لم تتجاوز سبع دقائق. غير أن قائد الطائرة وطاقمها فشلوا -لأسباب فنية مصدرها ضعف الصيانة الدورية- في فتح أبواب الطائرة كي تقوم الجهات المختصة بعملية إجلاء طارئة للركاب كما هو معتاد. لكن هناك من يتبنى رواية أخرى هو ضعف قدرات فرق الاطفاء والانقاذ العاملة في المطار وبدائية أجهزتها وترددها في اتخاذ القرار السليم في الوقت المناسب. وسواء صدقت هذه الرواية او تلك فإن المشهد كان مروعاً في اليوم التالي عند فتحت الطائرة. حيث كانت الجثث متفحمة ولا يمكن التعرف على أصحابها، وجلهم كانوا من السعوديين والباكستانيين والإيرانيين. على أن أقدم الحوادث الجوية في المنطقة وأقلها خسارة كانت تلك التي وقعت لطائرة من نوع «دي سي 4» تابعة للخطوط السعودية بعيد إقلاعها من جدة في 25 سبتمبر 1959. ففي هذه الحادثة التي ارتطمت فيها الطائرة بالأرض بسبب خطأ قائدها وفقدانه للسيطرة عليها، نجا كل الركاب البالغ عددهم 67 مسافراً وخمسة ملاحين. بعد ذلك، وتحديداً في العاشر من يوليو 1960 تحطمت طائرة تابعة لشركة الخليج للطيران «غلف أفييشون» من نوع «دوغلاس سي -47» أثناء قيامها برحلة من الدوحة إلى الشارقة، وكانت المحصلة وفاة كل ركابها «13 مسافراً وثلاثة ملاحين»، ولم تــُعرف أسباب الحادث بسبب صعوبة جمع وفحص ركام الطائرة. ثم جاءت حادثة 17 أغسطس 1966 التي كانت بطلتها طائرة تابعة لشركة طيران الخليج من نوع «دوغلاس سي-47» أيضاً، وكان مسرحها مطار السيب في عمان. وملخص هذه الحادثة، التي نجا منها ركاب الرحلة العشرون، أن الطيار أقلع دون أن يصل بطائرته إلى نقطة التشغيل المثالية، فكانت أن فقدت المحركات قوة الدفع لتصطدم بالأشجار وتهوي الى الارض. وفي يونيو من العام ذاته لامست عجلات طائرة تابعة للخطوط الكويتية من نوع «هوكر سيدلي ترايدنت» ارضاً تبعد عن مدرجات مطار الكويت بنحو ثلاثة أميال، الأمر الذي تسبب في إعطاب الطائرة بأكملها، لكن دون إصابة أحد من ركابها. وفي نهايات الستينات أو بداية السبعينات سقطت طائرة سعودية من نوع «داكوتا دي سي 3» في البحر قبالة ساحل العزيزية في الخبر، أثناء رحلة عودتها من البحرين، ولم يعثر عن أي من ركابها حياً. وقد ألقت التحقيقات مسؤولية الحادث على قائد الطائرة صومالي الجنسية. ومرت سنوات طويلة بعد ذلك على المنطقة، دون ان تشهد ناقلاتها الوطنية حوادث تذكر إلى أن جاء يوم 23 سبتمبر 1983 المشؤوم، الذي فقدت فيه شركة طيران الخليج طائرة من نوع «بووينغ 737 « كانت تقوم بالرحلة رقم 771 المتجهة من كراتشي الباكستانية الى الدوحة عبر أبوظبي. إذ بمجرد اقترابها من مطار أبوظبي الدولي انفجرت قنبلة في مخازن الأمتعة، مما أدى إلى سقوط الطائرة في موقع صحراوي بالقرب من جبل علي، ووفاة كل ركابها «105 مسافرين و7 ملاحين». وكان معظم الركاب من العمالة الباكستانية العائدة إلى وظائفها وأعمالها في الخليج من بعد قضائها لإجازة عيد الأضحى مع أسرها. وقد دلت التحقيقات على أن زرع القنبلة في الطائرة كان عملاً إرهابياً من تخطيط جماعة «أبو نضال» الفلسطينية الراديكالية، بقصد ابتزاز دول الخليج مالياً. وقبل أن نختتم، لا بد من الإشارة إلى أن ما استعرضناه هنا من كوارث جوية اقتصرعلى تلك التي كانت منطقة الخليج مسرحاً لها. وبالتالي فإننا لم نتطرق إلى كوارث مشابهة لطائرات مملوكة لدول الخليج، لكن مسرحها كان خارج الخليج مثل: اصطدام طائرة شحن تابعة لشركة طيران الخليج من نوع «دي هافيلاند» بجبل في إيطاليا في 19 فبراير 1958 وهي في طريقها من أثينا إلى روما كنتيجة لسوء الأحوال الجوية، واصطدام طائرة سعودية من نوع «كوميت 4» كانت تقل حاشية الملك سعود فوق جبال الألب في 20 مارس 1963، وحادثة اصطدام طائرة البووينغ 474 السعودية بطائرة اليوشن التابعة للخطوط الكازاخستانية فوق نيودلهي في 12 نوفمبر 1996، والتي أسفرت عن مقتل كامل ركاب الطائرتين وملاحيهما «349 شخصاً» بسبب أخطاء ارتكبها الطيار الكازاخــــــي، ناهيك عن حوادث انفجار إطارات طائرات الجمبو 747 السعودية في مطارات دكا ومانيلا وإسلام آباد أثناء عملية الهبوط. رحم الله كل الذين قضوا في هذه الكوارث، ونجانا واياكم من شرور الطائرات أو ما كان يسميها المرحوم الشاعر غازي القصيبي بـ «ممتحنات الهمم».

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها