النسخة الورقية
العدد 11148 الخميس 17 أكتوبر 2019 الموافق 17 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:18AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:41PM
  • المغرب
    5:08PM
  • العشاء
    6:38PM

كتاب الايام

مطارحات

المواطنة الكاملة وبناء الكتلة التاريخية

رابط مختصر
العدد 8729 الإثنين 4 مارس 2013 الموافق 21 ربيع الآخر 1434

اذكر قبل سنوات قليلة أنني تلقيت تعقيبا على مقال «الديمقراطية الطائفية» من احد الأصدقاء من اليسار ملخصه: أن المحاصصة الطائفية قد تكون الحل المرحلي في رحلتنا نحو الديمقراطية.. وأذكر وقتها أنني رددت على الصديق أن الايدولوجيا الطائفية تنهض على الأوهام التي تصبح الدافع وراء المواقف والقرارات التي تحدد العلاقات الاجتماعية والسياسية، فيضيق مجال العقل معها ويضعف تأثيره، ولذلك لا يمكن معالجة خلل بخلل مثله او أشنع منه، ومن المؤسف أن ينضم أو ينخرط بعض اليسار الديمقراطي إلى الجوقة الطائفية باستخدام المعجم إياه تحت أي مسمى أو مبرر مهما كان نوعه. واليوم تعود بعض تلك النغمات المخاتلة التي تتحدث عن حكومة محاصصة طائفية!! وكان الأحرى بها أن تتحدث عن حكومة «كفاءات وطنية مثلا» أو وحدة وطنية وليس محاصصة طائفية، ومن المؤسف أن المتابع لتطور الفكر الطائفي، خصوصا بعد وخلال الأحداث التي شهدتها ولاتزال تشهدها البحرين، أن هذا «الفكر» يبني أطروحاته ومواقفه على أساس الأوهام لأنه غير مستعد لمواجهة الحقائق على الأرض، فيعيش في الفقاعة التي تريحه من «وجع الدماغ» وتؤمن له نوعا من الأمان المزيف الذي يقترب في نتائجه من فعل المخدر، وذلك لقصر نظره وسطحية تشخيصه للمشكلات السياسية والاجتماعية معا التي جوهرها تعزيز المشاركة الديمقراطية والعدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص والمواطنة الكاملة «التي يعتبرها البعض قشورا!!!».. ومن هذه الأوهام التي يستند إليها هذا الفكر كما تجلى لنا خلال السنوات القليلة الماضية من خلال أطروحاته أن تحقيق المساواة بين الطوائف في إطار الدولة هو طريق إلى بناء الديمقراطية المرحلية على الأقل «كما قال صديقنا»، في حين أن اعتماد منطق التوزيع الطائفي للمناصب في كافة جوانب الحياة لا يؤدي إلى تكريس الديمقراطية او تعزيزها كما قد يتوهم البعض، وكذلك القول بإمكانية تحقيق الديمقراطية في مجتمع تتساوى فيه الطوائف، كما جاء في بعض الخطابات المعارضة او في فلتات اللسان السياسية المتكررة، لان الديمقراطية الحقيقية لا تتحقق إلا في مجتمع يتساوى أفراده أمام القانون، والشرط الضروري لهذه المساواة هو إلغاء الطائفية في المجتمع «لا الطوائف»، بحيث لا يمكن في المجتمع الديمقراطي ان يكون الانتماء الوطني ناقصاً إذا ما نظر إلى الفرد على أساس طائفي، لأن الديمقراطية في جوهرها وحقيقتها مساواة بين أفراد يرتبطون مباشرة بالدولة دون الحاجة إلى وسيط، وعلى أساس المواطنة الكاملة، في حين أن الطائفية تعد حقيقي على مجال الاختيار الفردي وعلى الحريات الفردية والعامة باعتبارها تصادر حق الفرد في الاختيار وفي اتخاذ ما يراه مناسبا من مواقف ومواقع. المصيبة الكبرى ان التنظيم الطائفي قد نجح على ما يبدو في جر قوى محسوبة على اليسار والعلمانية والليبرالية تحت مظلته، استنادا إلى سيطرة المجال الديني الجماعي، كما نجح في جعل كل من يخالف الأفكار والتقاليد السائدة خارجا أو حتى كافرا في نظر القيمين على صيانة الشؤون الطائفية الذين غالبا ما تكون لديهم مصالح وامتيازات معلومة يبذلون الجهد للحفاظ عليها،حيث يتم ترهيب الفرد الذي يختار طريقه عن فكر ووعي في المجالين السياسي والاجتماعي، ومن المؤسف أن تضطر بعض القوى العلمانية إلى التبرير بحجج طائفية كي تحمي نفسها من تهمة الخروج، ولكي تستعيد موقعا ضمن الجماعة الإيمانية «كأن يحرص اليساري على إظهار نوع من التزمت الديني لتسهيل عملية الاندراج تحت المظلة»!!. إن النظام المدني الديمقراطي وحده هو الذي يفسح المجال أمام صراع الأفكار والاتجاهات السياسية بشكل سلمي وديمقراطي وحر يقوم على الحوار الفكري العقلاني، في حين أن الطائفية تضعها في إطار صلب فتقمعها وتمنع نموها وتطورها، وقد كانت الأحداث التي عشنا بعض فصولها المؤسفة بمثابة انفجار لرؤية طائفية وقفت وراء منع التطور الاجتماعي والسياسي التاريخي الطبيعي، وقمع الأفكار الناشطة في الاتجاه المدني والديمقراطي، وعندما بلغت الاتجاهات والأفكار الطائفية مداها جاءت النتائج الكارثية التي نعيشها حاليا والتي أسهمت في بناء جدار الفصل الطائفي. ومن الواضح من خلال التحليل العياني للواقع ومعطياته أنه كلما اتسعت الطائفية صغر الوطن، ولذلك فإن البحث خارج بنية الخطاب الطائفي، يقود بالضرورة إلى أمرين اثنين: - الأول: الحاجة إلى بناء كتلة تاريخية «سياسية - اجتماعية» تتمثل في جمع القوى الوطنية الحقيقية حول مشروع وطني ديمقراطي جامع يقوم على الثوابت الجامعة التي تم تحديدها في ميثاق العمل الوطني وكانت ومازالت محل إجماع شعبي، وعلى القضايا الجوهرية للوطن والمواطن لمعالجتها ضمن رؤية جامعة، بحيث تكون فرصة لبناء اكبر ائتلاف للقوى الوطنية المعادية للطائفية ذات المصلحة في الديمقراطية والحرية والعدالة الاجتماعية ومدنية الدولة، دولة الحريات والتقدم والمساواة الكاملة بين المواطنين نساء ورجالا، في تناقض تام مع القوى الطائفية الظلامية المعلومة «مهما حاولت التستر والمخاتلة وممارسة التمويه اللغوي والسياسي والإعلامي». - الثاني: تعزيز بناء عقلانية مضادة للطائفية شكلاً ومضموناً، لان العقلانية تشكل مفتاحاً لفهمها كظاهرة سلبية وترسيخ نقيضها في تربة الواقع السياسي والفكري ومن ثمة تطوير فكر مناهض للخطاب الطائفي الزاحف بقوة في السنوات الأخيرة في اللغة وفي السياسة والإعلام والذي تتسع مساحاته كخطاب مخاتل يعي بالضبط ما يريد، ويعلن عن نفسه بطريقة مواربة، ليقوم استبدال هيمنة طائفة بهيمنة طائفة أخرى أو حل المحاصصة المرحلي أو النهائي الذي أشار إليه الصديق. إن الوطن ظاهرة اجتماعية - تاريخية ترتكز على أسس مادية تؤلف في جملها وبحركتها لحمة التاريخ، وبهذا المعنى فإنه لا يطيق منافسة الطائفية، لان في ذلك ضياعه المحقق لأنها تعمل على نفيه إلى درجة العدم لتشيِّد الحروب الطائفية التدميرية العقيمة، نسمع يوميا عنها ونراها في الشوارع والبيانات والتصريحات والمحاضرات والمناقشات، فهنالك اليوم من يتحدث صراحة عن مواصلة الحرب التي بدأت إبان الفتنة الكبرى التي أيقظوها وأوهمونا أن التاريخ لا يتحرك، بل يدور حول نفسه، ولا مجال، والحالة هذه، لأية حلول تلفيقية تخترع توازنات وهمية وبدائل ذات مسميات تحاول التغطية على طبيعة الطائفية وجوهرها القبيح، كأن يكون الطائفيُّ إسلاميا أو قوميا أو يساريا لا فرق، فالدعوة على الرغم مما تتستر به من شعارات «ضد طائفية» تكرس واقع الأمر الظلامية والتخلف والحروب اللانهائية، بما يجعل تاريخ الوطن مستمرا في الدوران في حلقة مفرغة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها