النسخة الورقية
العدد 11025 الأحد 16 يونيو 2019 الموافق 13 شوال 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:15AM
  • الظهر
    11:38PM
  • العصر
    3:04PM
  • المغرب
    6:32PM
  • العشاء
    8:02PM

كتاب الايام

قبر بهلول الدائم.. وقصر الرشيد الزائل!!

رابط مختصر
العدد 8727 السبت 2 مارس 2013 الموافق 19 ربيع الآخر 1434

جاء في كتاب (عُقلاء المجانين) أن بهلولا كان رجلا مجنونا في عهد الخليفة العباسي هارون الرشيد.. وفي يوم من الأيام مر عليه هارون الرشيد وهو جالس على إحدى المقابر.. فخاطبه هارون معنفاً: يا بهلول يا مجنون، متى تعقل؟. فركض بهلول وصعد إلى أعلى شجرة، ثم نادى على هارون بأعلى صوته: ياهارون يا مجنون، متى تعقل؟. فأتى هارون تحت الشجرة وهو على صهوة حصانه وخاطب بهلول وقال له: أنا المجنون أم أنت الذي يجلس على المقابر؟. فرد عليه بهلول: بل أنا عاقل!!. الحوار ممتد ولم ينقطع، فقال هارون: وكيف ذلك؟. أجاب بهلول: لأني عرفت أن هذا زائل (وأشار إلى قصر هارون) وأن هذا باقِ (وأشار إلى القبر) فعمرت هذا قبل هذا، وأما أنت فإنك قد عمرت هذا (يقصد قصره)، وخربت هذا (يعنى القبر).. فتكره أن تنتقل من العمران إلى الخراب مع أنك تعلم أنه مصيرك لا محال!! وأردف بهلول قائلا: فقل لي أيُّنا المجنون؟؟.. فرجف قلب هارون الرشيد وبكى حتى بلل لحيته.. وقال: «والله إنك لصادق»، ثم استطرد هارون الرشيد قائلاً: زدني يا بهلول.. فرد بهلول: «يكفيك كتاب الله فالزمه». ولما شعر هارون بأن بهلول نصحه نصيحة عظيمة فاراد ان يمنحه هو الاخر هدية مماثلة فسأله: «ألك حاجة فأقضيها؟» فرد بهلول: نعم ثلاث حاجات، إن قضيتها شكرتك.. فقال هارون: إذن فاطلبها.. فرد بهلول: أن تزيد في عمري!! فأجاب هارون بعدما اصابته الدهشة من هول الطلب: «لا أقدر». واستطرد بهلول ليكمل سؤاله أو طلبه الثاني: أن تحميني من ملك الموت!! فرد هارون بنفس الاجابة الأولى: لا أقدر.. فسأله بهلول طلبه الأخير: أن تدخلني الجنة وتبعدني عن النار!!.. فكان رد هارون مماثلا على السؤالين الأول والثاني: لا أقدر.. وهنا اختتم بهلول الحوار قائلا: «فاعلم ايها الخليفة انك مملوك ولست ملك، ولا حاجة لي عندك». الخليفة هارون الرشيد رغم جاهه لم يستطع اجابة طلبات بهلول الذي ادرك فوائد وآثار تعظيم الآخرة في القلوب، والشوق الى لقاء الله والحنين الى دار القرار حيث النعيم الدائم الذي لا يشوبه نصب ولا تعب ولا غم ولا حزن. فالحزن ليس على ما فات في الدنيا، وإنما يكون على فوات الأعمال الصالحة، ومن الدعاء المأثور «اللهم لا تجعل مصيبتنا في ديننا». وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه:» ما أصابتني مصيبة إلا حمدت الله على أنها لم تكن في ديني». فقد علم بهلول الذي استضعفه هارون الرشيد ان عرض الدنيا زائل، والآخرة وعد صادق يحكم فيه ملك عادل، كما علم بهلول الضعيف ان الدهر يومان، يوم لك ويوم عليك، فاذا كان لك فلا تبطر، واذا كان عليك فلا تضجر. ورأينا بهلولا من أولئك الناس الذين يدركون حق الآخرة، بعكس البعض الذين لا يفكرون فيها، وللأسف لا يفكرون الا في الدنيا الزائلة، فهؤلاء يعيشون في الدنيا عيش الدواب يعملون نهارهم وينامون ليلهم، ويأكلون كما تأكل الأنعام. فما استفادوا من دنيا، ولا استعدوا لآخرة. ونأتي للأسوأ، وأولئك الذين يقضون اعمارهم في خدمة الآخرين الذين يستعبدونهم لقاء أجر دنيوي، ربما يكون الوعد بمنصب او جاه او حفنة من الدارهم، وقد رأينا كيف البعض منا يبيع وطنه نظير خدمة الغريب الذي يستغله ويوهمه بانه سيحظى بالجاه اذا نجح في التآمر على بلده وناسه وعشيرته وأهله. وهؤلاء هم أشر الناس، حيث شغلوا عمرهم في خدمة، فأضاعوا دنياهم وآخرتهم. وفي هؤلاء قال رسول الله عليه الصلاة والسلام: (إن شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة، عبد أذهب آخرته بدنيا غيره). والحال هكذا، رأينا الغني يغتر بماله، والذي يعتقد إنه قوي يغتر بقوته، ومن يتوهم أن الغير سينفعه حتى لو كان هذا (الغير) أجنبي، يسعى الى حرق وطنه، مرة بالمظاهرات واخرى بالادعاء بانه مضطهد وهكذا. وهؤلاء لم يقرأون الآية الكريمة: ( اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفراً ثم يكون حطاماً، وفي الآخرة عذاب شديد)، وانه إذا مات ابن آدم يتبعه ثلاثة، فيرجع اثنان ويبقى واحد معه، سـيرجع أهله وماله ولا يبقى إلا عمله. فالإنسان لن يجد سوى ما قدم، فاذا أفنى حياته في الملذات ثم أقدم على الله فلم يجد أمامه شيئا، لم يجد إلا ما قدم من سوء، فهو لم يكن يوما مع الله، لم يكن يحض على طعام المسكين (ومن لا يحض على طعام المسكين فليس له اليوم هاهنا حميم). إن ديننا الحنيف يحثنا جميعا، فقراء وأغنياء، أصحاب سلطان ومال ومنصب وجاه، أو أصحاب أولاد وقوة، ان نجعل ما آتانا به الله من نعم في صحيفة أعمالنا في الآخرة، وان نجعل كل نعمة أنعمها الله علينا رصيدا له في بنك الرحمن لأن الجاه سيزول وكذلك المنصب والغنى والمال والاولاد والسلطان، ولن ينفعنا سوى الصالح من اعمالنا. وإذا كان حديث بهلول وهارون الرشيد من العصر العباسي، فلدينا سلفنا الصالح، حيث نقرأ بيت الشعر: انظر لمن ملك الدنيا بأجمعها هل راح منها بغير القطن والكفن على المجلس الخاص للمغفور به بإذن الله تعالى صاحب السمو الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة امير البحرين الراحل رحمة الله وأسكنه فسيح جناته، هذا الأمير الذي تميز بالطيبة والكرم والخلق الرفيع وحب الناس. وهذا البيت الرائع يتعجب من حال بعض البشر عندما يأخذهم الغرور والكبرياء وخصام بعضهم البعض، إما لمنازعة على إرث أوغضب أو حسد او غيره، متناسين أن الدنيا هم زائل. ويخاطب بيت الشعر أولئك الذين يكون همهم جمع المال، وهم لا يدركون أن هذه الثروة ستبعدهم عن نعيم الآخرة، فكفانا الله شر الحقد والحسد والغيرة وهم جمع المال. فالآخرة ساحل، والمركب هو التقوى، والناس على سفر، فلنجعل التقوى زادنا في سفرنا في رحلتنا الى الآخرة. وعودة الى قصة بهلول والرشيد ندرك ان بهلول اراد ان يبلغ هارون الرشيد بأن يجعل الدنيا في يده، لا أن يجعلها في قلبه، لأنها إذا دخلت على القلب أسرته، وأما إذا كانت في اليد فإن الإنسـان يستطيع أن يتحكم بها كيف يشاء. كما أن بهلولا لقن الخليفة درسا رائعا في حب الآخرة عملا بقول الله تعالي (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة)، فاللهم اجعل أعمالنا الصالحة تسبقنا إلى الآخرة، واجعلنا من الذين يقدّمون لأنفسهم ولآخرتهم خيرا يا أرحم الراحمين، اللهم اجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، والحمد لله رب العالمين. لقد بكى هارون الرشيد من حكمة ومواعظ بهلول، فمتي نبكي نحن من حالنا؟.. ونفيق لآخرتنا ونعمل لها؟

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها