النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11932 الأربعاء 8 ديسمبر 2021 الموافق 3 جمادى الأولى 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:48AM
  • الظهر
    11:29AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    5:46PM
  • العشاء
    6:16PM

كتاب الايام

مدارس أيام لــّول.. الخيزران والكف لمن عصى

رابط مختصر
العدد 8726 الجمعة 1 مارس 2013 الموافق 18 ربيع الآخر 1434

أول ما كان يقابلك عند دخولك مدارس أيام لــّول لوحات، خــُطت بخط أنيق، تحمل عبارات أثيرة مثل «قم للمعلم وفه التبجيلا .. كاد المعلم أن يكون رسولا، وهو بيت شعر مشهور لأمير الشعراء أحمد شوقي، أو «من علمني حرفا، صرتُ له عبدا»، أو «العصا لمن عصى». وأحسب أن العبارة الأخيرة هي التي كانت تطبق تطبيقا حرفيا بحق الطلبة إذا ما قصروا في أداء واجباتهم المدرسية، او تأخروا بضع دقائق عن الدوام المدرسي، او تغيبوا دون عذر عن اليوم الدراسي، أو استغلوا ثغرة للهروب من المدرسة، أو تعاركوا مع زملائهم ضربا ولكما وشتما، أو أتوا تصرفا مخلا بالحياء، أو تجرأوا فدخنوا سيجارة خلسة في دورات المياه. أما عقوبات هذه الأفعال التي كانت تـُعد في نظر الإدارات المدرسية من قبيل الكبائر فكانت تتراوح ما بين كف راشدي يصفع وجهك على حين غفلة وأنت تقف منتصبا أمام مدرس يبوخك ويشتمك ويســّفل فيك، أو قبضة حديدية تدق رأسك أو كتفك أو عنقك فجأة من الخلف،أو مسطرة خشبية ذات حد حديدي تنهال ضربا على ظهر كفيك فتوقف الدماء في عروقهما، أو خيزرانة صلبة تطول بدنك لطشا أينما كنت بسبب طولها. وكان مدرسو ومديرو مدارس أيام لــوّل سواء في تطبيق هذه العقوبات، بل كانوا يتفننون فيها ويبتكرون كل يوم أساليب وأشكالا جديدة، وهم فرحون ومختالون بإنتصاراتهم على اطفال لا حول لهم ولا قوة، بل ومتأكدون أن أحدا لن يجرؤ على مساءلتهم أو حتى مجرد تقديم شكوى ضدهم. فعلى الرغم من كل ما كانوا يعانونه في تلك الأيام من عنف وسوء معاملة، فإنهم تكيفوا مع وضعهم البائس دون أن يشتكوا لأولياء أمورهم لسبب بسيط هو معرفتهم المسبقة بالجواب والذي كان لا يزيد عن عبارة «لو ما غلطتْ، جان محــّد جاسك». وأستطيع القول جازما أن الوضع في دول الخليج الأخرى، لجهة العقوبات البدنية المطبقة في المدارس، لم يكن أحسن حالا من البحرين. بل الحقيقة أنها كانت أسوأ بكثير وتصل حد التعذيب الجسدي. ففي مدرستي الإبتدائية في الخبر، أتذكر مدرس الدين السوداني الذي كان يدخل علينا الصف بجلبابه الوطني الفضفاض وعمامته البيضاء الضخمة، حاملا سيرا من الجلد ينتهي أحد طرفيه بقطعة حديدية مدببة، وصائحا بأعلى صوته: «ياويلكم ، يا سواد ليلكم»، الأمر الذي كان يبعث الرعب في قلوبنا ويجمد الدماء في عروقنا. وكان هناك مدرس الاجتماعيات «وليد جابر» المتقاعد من الجيش الأردني، وكان معروفا بكفوفه التي كانت ترن في آذان المتلقي أيام طويلة، بل تسببت في إصابة أحد الزملاء بالصمم. كما كان هناك مدرس اللغة العربية «خليفة المسلم، وكان كفيفا يلطش بخيزرانته ظهور ووجوه ورؤس طلبة أبرياء من المشاغبين وغير المشاغبين على حد سواء، لأنه لم يكن يميز المخطيء من البريء. وفي مدرستي الإعدادية كان هناك المدير المشهور بقسم غليظ هو «والذي فلق البحر لموسى لأفعلن بكم كذا وكذا لو اقترفتم كذا وكذا» وكان لا يتردد في تطبيق قسمه وعقوباته التي كانت عبارة عن صفعات قوية على خديك، أو جلد باطن قدميك بالخيزران، أو نحو أربعين ضربة على ظهر كفيك بحد المسطرة. والغريب أن العقوبات البدنية العنيفة انتقلت من المدرسين العرب إلى آخرين قدموا من بيئات لا يـُمارس فيها العنف بحق الطلبة. فمثلا مدرس اللغة الإنجليزية البريطاني «ستيفن» كان لا يكتفي بالصفع، بل ويقرنه بركلة في مؤخرتك بحذائه الرياضي بمجرد إدارة ظهرك له مصحوبة بعبارة «باستر» أو صن أوف بيتش». وكان أكثر ما يغيظنا هو عدم قدرتنا على الرد عليه بالعربية لأنه كان يجيدها قراءة وكتابة بصورة أفضل من أصحابها. ولسوء حظي وحظ أقراني أن عدم وجود رقيب أو رادع يردع هؤلاء المدرسين، جعلهم يتمادون في أفعالهم، بل ويطورونها من وقت إلى آخر. فمدرس الدين السوداني مثلا تحول من إستخدام السير الجلدي في معاقبتنا إلى إستخدام دبوس كان يحضره معه ليشك بها أصابع من كان يخطيء في درس تسميع القرآن والحديث. وفي فترة لاحقا تفتق ذهنه عن عقوبة أشد تمثلت في إدخاله لرؤوسنا في أدارج الصف الخشبية عنوة، ثم ضربها بغطاء الدرج بكل قوة.. وياما إنشلخت رؤوس، وسالت دماء من جراء هذه الأعمال الوحشية دون أن ينطق أحد بكلمة! ومن قصص التعامل الوحشي مع الطلبة في مدارس البحرين قديما قيام أحد المدرسين الفلسطينيين في مدرسة الحورة الإعدادية بخلع نافذة الصف ليضرب بها أحد طلبته، واعتياد مدرس فلسطيني آخر على معاقبة الطلبة المشاغبين والكسالى بإغلاق نوافذ الصف على أصابعهم، واعتياد المدرس الفلسطيني محمود عينيس في الهداية الخليفية (أفتتحت في 1919 ، وتعتبر النواة الأولى للتعليم النظامي في البحرين) على معاقبة طلبته بوضع قلمين أو ثلاثة من أقلام الرصاص بين أصابعهم والضغط عليها بشدة وهو يضحك بنشوة. ومن صور العقوبات البدنية الأخرى استخدام الألواح الخشبية في الضرب من بعد كسرها من المنتصف كيفما كان، كي تبرز منها أسنان وأشواك تزيد المضروب ألما. ومن المدرسين والمديرين الغلاظ، كثيري الضرب والقسوة على طلبتهم بالكفوف الراشدية والخيزرانات: علي قنبر (من رجالات العهد الأول لمدرسة الدوي)، ويوسف العمران (مدرس العربي في الهداية وشقيق مدير المعارف الأسبق المرحوم أحمد العمران، وقد اشتهر بأصابعه السميكة وإسلوب مبتكر في العقاب هو مسك الطالب بين رجليه وإعطائه لكمة فوق رأسه)، والمرحوم أحمد بوهيال الذي كان يخفي عصاته الغليظة تحت ثوبه، والفلسطيني عبدالله الفرج (مدير الهداية الخليفية ما بين 1953 – 1967 وكان قبلها مدرسا في مدرستي الحد والمحرق الإبتدائيتين ومساعدا للمدير في المدرسة الغربية)، والسوري خير الدين الأتاسي (مدير مدرسة الحورة الإعدادية، وكان معروفا بأناقته وتدخينه للسيجار الفاخر). هذا إضافة إلى مدرسين فلسطينيين آخرين ممن إشتهروا بالضرب المبرح والتفنن في العقاب كالأساتذة عادل سفيان، وعبدالله حجازي وسليم محمد سليم، وأحمد رمضان، ومدرس الانجليزي في ثانوية الحورة محمد شناعة، ومواطنه صبحي معروف. ويـُقال أن أكثر المدرسين البحرينيين هيبة وضربا للطلبة كان المرحوم حسن جواد الجشي (تولى رئاسة أول برلمان بحريني منتخب بعد الإستقلال، وكان قبلها مديرا للمدرسة الشرقية ما بين 1947 -1950 ثم مديرا للمدرسة الغربية ما بين 1950 -1958)، واستاذ اللغة الانجليزية يوسف بوحديد من الحد الذي كان يخفي لوحة صلبة في احد ادراج الصف القديمة غير المستعملة من أجل أن يستلها ويضرب بها الطلبة وقت الحاجة، وأستاذ الرياضيات في مدرسة القضيبية الإعدادية عبدالكريم بوشيري من الحد، وكان صاحب يد وأصابع غليظة تترك أثرها لأسابيع إن إنهالت على خدك، والمرحوم الأستاذ سالم العريض مدرس اللغة الإنجليزية في المدرسة الجعفرية والهداية الخليفية الذي كانت عصاته الغليظة المسماة بـ «سمحانة» لا تفارقه أينما حل إستعدادا لضرب كل كسول أو مشاغب، ومدرس الإنجليزي في المنامة الثانوية الهندي «كالا» الذي كان يحضر معه «حبة الخضرة» ليكسرها ويغرس قشورها الصلبة المدببة في حلمة آذان الطلبة الكسالى. ومن بين المدرسين المصريين الذين عرفوا بالعصبية واستخدام العنف المفرط واحد كان يقول لطلبته (بقصد بث الرعب في قلوبهم طبعا): «دا نا قتلت عشر يهود بإيدّي دول، وإنتوا مجرد حتة صراصير». وكان هناك اللبناني فيصل شهاب من مدرسي القضيبية الإعدادية الذي لم يكن يرحم أبدا. ولئن كانت هذه طبيعة البعض في تعاملهم مع طلبتهم، فإنه في المقابل كان هناك من عــُرف عنه اللين وسعة البال واستخدام العقوبات غير العنيفة مثل: الخصم من الدرجات، واللوم والتقريع، والطرد من الحصة، وطلب حضور ولي الأمر، وصولا إلى «التسقيط» في نهاية العام. من هؤلاء: المدرسان الفلسطينيان الأنيقان في الهداية شكيب كتمتو وشقيقه منير، وشقيقهما عبدالرحمن كتمتو الذي أمضى 38 عاما في الهداية الخليفية كمدرس للعلوم ومشرف على المختبر، وكان يكتفي بالتوبيخ والصراخ في وجوه الكسالى بلهجته الفلسطينية قائلا: «ياعيب الشوم .. سكر نيعك ولـَهْ .. نعامة ترفس رأسك»، وغازي الموسوي مدرس الاقتصاد والمالية العامة في الثانوية التجارية بالمنامة، ووالده المربي الفاضل سيد رضي الموسوي، ومدرس الرسم في ثانوية المنامة الأستاذ إسحاق خنجي، ومديرها الأستاذ جميل الجشي، والأستاذ حبيب أحمد قاسم الذي صار لاحقا وزيرا للبلديات والزراعة والتجارة، والأستاذ حسين شرفي الذي يعد من مؤسسي الحركة الكشفية في البحرين، ومدرس الرياضة في ثانوية المنامة السفير الدكتور سلمان الصفار، ومدرس الرياضة في الهداية العم عبدالرحمن بن مطر، ومدرس التاريخ في الهداية الأديب والمؤرخ العماني عبدالله الطائي الذي كان أقصى عقوباته بحق المشاغبين والكسالى هو ايقافهم طوال زمن الحصة رافعين أياديهم إلى أعلى ومصوبين وجوههم نحو الحائط. وكان هناك من المدرسين من يستخدم سياسة العصا والجزرة مع طلبته، فإن أحسنوا كافأهم بما يسعدهم، وإن أخطأوا عاقبهم بما يؤلمهم. من هؤلاء المدرس الفلسطيني في الهداية الخليفية «كمال الحبيشي» الذي كانت جزرته عبارة عن «تشوكليتة» رخيصة، وعصاته عبارة عن ضرب مبرح بالخيزران، والمفتش المهاب من المديرين والمدرسين والطلبة على حد سواء الأستاذ «أمين الحافظ» الذي كان يهدي الطلبة المجتهدين مفكرات صغيرة عند الاجابة الصحيحة ويضربهم بقسوة عند الإجابة الخاطئة. ولا ننسى في هذا المقام الشاعر عبدالرحمن رفيع الذي عمل مدرسا للغة العربية بعيد انقطاعه عن دراسته الجامعية في القاهرة وعودته إلى البحرين. وهذا يمكن تصنيفه ضمن المدرسين الذين تميزوا باللين، بل يقول أحد من تتلمذ على يده أنه كان يكافيء المجتهدين سرا بسيجارة من سجائره. وختاما لابد لنا من الإعتراف بأن كل هذه الأساليب التربوية القديمة، رغم رعونتها، قد خرجت أجيالا من الطلبة المتفوقين، والملتزمين بالأخلاق الحميدة، والمراعين للأصول والواجبات، أي على العكس تماما من الأجيال التي تخرجت بعد تطبيق ما يسمى بـ «أساليب التربية الحديثة»، والتي صار معها طلبتنا لا يعرفون العيب، ويتطاولون على الأكبر سنا، ولا يراعون القانون والأعراف الإجتماعية المتوارثة بل ويدوسون عليها علنا بتحد سافر!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها