النسخة الورقية
العدد 11154 الأربعاء 23 أكتوبر 2019 الموافق 23 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:21AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:37PM
  • المغرب
    5:03PM
  • العشاء
    6:33PM

كتاب الايام

النمــــــوذج البحريــــــــــــــــني

رابط مختصر
العدد 8725 الخميس 28 فبراير 2013 الموافق 17 ربيع الآخر 1434

ترتفع علامة استفهام كبيرة تتحدى جميع المشاركين في حوار التوافق الوطني البحريني، بل وتتجاوزهم كي تصل إلى من هم خارج قاعته بمن فيهم غير البحرينيين أيضا. تقول علامة الاستفهام هذه، وفي شيء من التحدي: ما الذي يحول دون تقدم المتحاورين على طريق الوصول نحو الهدف الأسمى، وهو انتشال البحرين من أزمتها الحالية والوصول بها إلى بر الأمان، طالما، وهو ما نفترضه، لا يكف المشاركون كافة عن التأكيد على تمسكهم بالمبادئ الوطنية وحرصهم على تحقيق مثل ذلك الهدف؟ ما يدعونا لرفع علامة الاستفهام هذه، ليس من أجل التشكيك في نوايا أي من المشاركين، ولا التقليل من جهودهم، بل وليس أيضا من أجل تضخيم المشكلة البحرينية ووضعها في احدى خانات المشكلات المستعصية على الحل. ففي حقيقة الأمر من ينظر إلى الأوضاع البحرينية الراهنة من الخارج، يتملكه العجب، ويسيطر عليه الاستغراب عندما يحاول الإجابة على التساؤل المطروح أعلاه. فمنطق الأمور السوي يقول ان البحرين، لا يفترض فيها أن تحتاج لهذا النمط المعقد من الحوارات، ولا أن تشهد هذا المستوى من المواجهات العنيفة التي يزيد عمرها اليوم على العامين. فهي، أي البحرين، ذات مساحة صغيرة، وعدد سكان قليل، وتنوع اثني محدود وقديم، وتعدد مذهبي لا يكاد ان يذكر، وهو الآخر له بعد تاريخي إيجابي لا يمكن ألا أن يشكل عامل بناء لا هدم، ودخل وطني سنوي، هو أيضا، لا يفترض أن يثير الأطماع الأجنبية عندما يقارن بدخول الدول الخليجية المجاورة. إذا مرة أخرى ما هو السبب الكامن وراء الأزمة البحرينية الطاحنة؟ الإجابة، مع تحاشي أي شكل من أشكال التسطيح أو التبسيط، هو النموذج البحريني، وعلى الصعد كافة، فلو قدر لهذا النموذج، على صغره أن ينجح، فمن الطبيعي أن يشكل تحديا صارخا للكثير من الدول المحيطة، بل وربما الأجنبية ذات المصالح الكبيرة في منطقة الخليج. فلو استمرت البحرين سائرة على طريق مشروعها الإصلاحي، حتى ولو كان ذلك من خلال خطوات قصيرة، لكنها مستمرة وثابتة، فلربما قطعنا مسافة أطول، ووصلنا إلى نقطة أقرب إلى اهداف ذلك المشروع من المحطة التي نقف عندها اليوم. ليس القصد هنا تحول ذلك المشروع من برامج حيوية متطورة إلى حالة صنمية مقدسة، وإنما الإشارة إلى أن هناك في أحشاء ذلك المشروع الكثير مما يمكن استخراجه من خلال التمسك بما يدعو إليه، والإصرار على تنفيذه، عبر الطرق السلمية، ومن خلال مؤسسات السلطات الثلاث، ومعها الإعلام كسلطة رابعة. لكن لو قدر للمشروع الإصلاحي أن يستمر عبر تلك الطرق السلمية، ومن خلال المؤسسات الشرعية، فمن الطبيعي والمنطقي أن يقود ذلك إلى مجتمع بحريني مدني متحضر، يكشف عن حالة التحدي التي نتحدث عنها. فعلى المستوى الداخلي، ستفقد القوى المحلية كافة كل الأدوات القديمة التي كانت تقف في وجه تقدم البحرين، وعلى وجه الخصوص على المستوى السياسي، حيث كان «قانون أمن الدولة»، السيء الصيت المعمول به قبل تدشين المشروع الإصلاحي، هو الحكم في أي صراع سياسي يندلع، وكان بمثابة العصا المسلطة على رقاب المعارضة، بمختلف أطيافها، وعلى وجه الخصوص التيار المدني منها، والذي عانى الأمرين على ما يزيد من نصف قرن من تاريخ البحرين المعاصر من ذلك القانون وأمثاله. على هذا الأساس، من الطبيعي أن تقف اليوم، بشكل علني ومتخفي، جميع القوى الداخلية التي تخشى من توجه البحرين نحو ذلك المجتمع المدني، الذي سيطيح، بطبيعة الحال، بسيطرتها السياسية، ويقلص من نفوذها المالي، ويهدد تحالفاتها الدولية. أما على المستوى الإقليمي، فمن المتوقع أيضا أن تخشى الدول الإقليمية المحيطة، عربية كانت أم غير عربية، التي لا تريد السير على طريق التحول نحو المجتمع المدني، من وصول النموذج البحرين إلى حدودها. فهي، أي تلك الدول، مهما ادعت تمسكها بحقوق الانسان، ودفاعها عن حقوق المواطنة، تبقى متمسكة بنظامها غير المتناغم مع المشروع الإصلاحي البحريني. وأسوأ الجميع في قائمة من يخشون النموذج البحريني، هي تلك الدول الغربية التي لا تكف عن التشدق بمساندتها لحركات حقوق الإنسان، فهي الأخرى، في صميمها الداخلي ترى في النموذج البحريني المتجه نحو المجتمع المدني، خطرا قادما على مصالحها في هذه المنطقة، نفطية تلك المصالح كانت، أم صفقات سلاح، أم اتفاقيات سرية منافية لسياساتها الخارجية المعلنة، لا تريد الافصاح عنها. تأسيسا على كل ذلك، يمكننا أن نستعين بخشية الجميع من يرون في النموذج البحريني لتفسير بعض أسباب ابتعاد البحرين عن الوصول إلى بر الأمان، كلما اقتربت من شواطئه، ويعيننا ذلك على فهم اندلاع العنف في الشارع، ومن طرفي الصراع، كلما لاح في الأفق هلال الحلول السلمية. ولربما يكشف النموذج البحريني أيضا، بعض أسباب دخول حوار التوافق الوطني في دوامة القضايا الشكلية، وتمرغه في اوحال المماحكات اللفظية، بدلا من توجهه مباشرة نحو الهدف الذي يفترض أن يكون وراء الدعوة له والتئام شمله. ولعل في ذلك تكمن دعوة المواطن البحريني جميع المتحاورين، كي يضعوا جانبا أيا من القضايا الثانوية، ويستبدلوها بتلك الاستراتيجية، ويشرعوا في التمسك بقيمها، والدفاع عن مفاهيمها أن هم أرادوا أن يخرج الحوار بما يتطلع نحوه المواطن البحريني بعفويته الطيبة، وإحساسه المرهف، لكن بمدنيته الراقية التي تدفعه موضوعيا نحو بناء النموذج البحريني الذي نتحدث عنه، والذي يخشاه جميع من يصر على ابعاد البحرين عن نموذج مجتمعها المدني الذي ينتظرها على أحر من النار.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها