النسخة الورقية
العدد 11154 الأربعاء 23 أكتوبر 2019 الموافق 23 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:21AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:37PM
  • المغرب
    5:03PM
  • العشاء
    6:33PM

كتاب الايام

بالقلم الرصاص

التسامح شرط بانٍ لمبادئ الاجتماع

رابط مختصر
العدد 8724 الأربعاء 27 فبراير 2013 الموافق 16 ربيع الآخر 1434

أحرص شديد الحرص على قراءة ما يكتبه كل من أشعر بأن قلمه في حالة اشتباك دائم مع المدافعين عن الأفكار الرجعية التي استسلمت للسائد المذهبي المتكرس في واقعنا الراهن بقوة دفع الإسلام السياسي وقساوسته، وصُيرت لها بيئتنا الاجتماعية المخطوفة منذ أكثر من ثلاثين عاما مرتعا تعيث فيه جهالة وترديا قيميا، وغدا، هذا الواقع، مسرحا تستهدف فيه أدمغة المواطنين البسطاء والشباب منهم على وجه التحديد وسلوكياتهم، وتستزرع فيه منهجها العنيف المستمد من بعيد حوادث التاريخ أو من أدبيات المذهب أو العقيدة أو الإيديولوجية والقائم على إلغاء الآخر المختلف وإقصائه، وعلى تقليص هامش التفاوض الباني لمبدأ الاجتماع. إن هذا النوع من الكتابات يمثل لي خطا محببا مغايرا للسائد لجهة نقده الواقع بالأدوات العلمية الموضوعية الباحثة في شأن التغيير والمؤملة في إحداثه بإراداتها الطويلة البال والمنفتحة على أفق التسامح والتآخي والعيش المشترك؛ إذ أن هذه الكتابات تذهب بعيدا مستبشرة بتعزيز مفاهيم التسامح والتآخي والعيش المشترك والحداثة في المجتمع ومبشرة بها. كما انني أسعد عند كل مفصل تكسب فيه هذه الكتابات هامشا يضاف إلى رصيد التحرر والانعتاق من تبعية الأفكار الرجعية الجاثمة في قيعان العقول المتصلبة وخصوصا تلك التي يختلط فيها الدين بالمذهب وبالسياسية. مناسبة حديثي هذا إليكم، أعزائي القراء، هو أنني كنت عضوا في وفد مملكة البحرين لمناقشة تقرير المملكة المقدم إلى لجنة حقوق الإنسان العربية «لجنة الميثاق». وبعد أن تناولت في ردي ملاحظة نائب رئيس لجنة الميثاق الموقر المتعلقة بمدى توافر قيمة التسامح في مناهجنا الدراسية، عقب عضو آخر في اللجنة قائلا «يبدو لي أنني لم أستشعر أن الأستاذ الماجد قد أوضح بشكل مناسب مساحة التسامح في المناهج». الحقيقة أن في كلام المعقب كثيرا من المنطق لأنني أسهبت بما كان موجودا من هذه القيمة في المناهج في صورته النظرية المختبئة خلف مفاهيم كبرى مثل مفهوم الحقوق والواجبات كمرتكزين تتعزز بهما أبعاد معرفية أخرى مثل التسامح والحوار والديمقرطية، والحال أنه كان يتوجب عليّ أن أشير إلى الأنشطة المدرسية المؤسسة في ضوء مفاهيم حقوق الإنسان ومبادئها الرئيسة والبانية لها بناء عمليا حيا يجعل التلازم بين الحق والواجب جليا في سلوك الطالب داخل المدرسة وخارجها، وبهذه الأنشطة أعني تلك التي تقوم بها المدارس وتلك التي تنجزها إدارة الأنشطة المدرسية بالوزارة. أقر مجددا بأني أتفق مع الملاحظة مع التنويه في الوقت ذاته بأن حضور قيمة التسامح في المناهج الدراسية لهو حضور واضح سواء أكان هذا الحضور في شكل معارف أم في شكل أنشطة تعليمية تعلمية، وأن هذا الحضور لا يمنع من أن نزيد من تعزيز هذه القيم ودعمها بمجموعة أخرى من القيم التي يحتاج إليها مجتمعنا الذي نقله المشروع الإصلاحي لجلالة الملك إلى الديمقراطية بناء ممأسسا يحتاج بدوره إلى هذه القيم سلوكا وممارسة حاجته إلى أن يكون سلوكا يوميا يلتزم به المواطن نسقا في التفكير ومنهجا في العيش معا. إن قيم التسامح والتآخي والعيش المشترك إنما هي مفردات عدة تشير بذاتها إلى ذاتها لضرورة أن تكون مجتمعة لضمان الحصول على مجتمع متحاب ومتجانس. ويكفي أن نقول إن أي مجتمع تنتفي فيه هذه القيم، وهذا لا يوجد، إنما هو نتيجة لذلك «مجتمع» قد تفجر وتشظى بل وانتفى وتلاشى، وفي هذا لوحده حجة ساطعة البرهان على ما يتأسس لدى الإنسان من حاجات ملحة لضرورة تبني هذه القيمة وشقيقاتها وضمان استمرارها عبر الأجيال من خلال المناهج الدراسية التي تترجم في وجه من وجوهها حاجات المجتمع وإجاباته التربوية عن سائر التحديات المحدقة به وأشدها خطرا تحدي البقاء والاستمرار. ومن هذا المنطلق يصبح التسامح منطقيا، البذرة الأولى لاستزراع مبادئ حقوق الإنسان في أي مجتمع، فهو المفتاح لخلق حالة من التعايش المشترك وقبول المختلف، وقبول المختلف يعني ضرورة السماح للوئام بأن يسود بين المختلفين واتساع هامش التفاوض الباني لمدنية الاجتماع البشري، وهكذا تتفتح آفاق جديدة تسمح بانطلاق التنمية بين مكونات المجتمع الواحد بمعزل عن الخضات الاجتماعية الناجمة عن غياب قيمة التسامح أو عن حضور نقيض التسامح تعصبا ننكره استبعادا وإبعادا لعلمنا بهويته فيروسا نهابا لمبادئ التعايش والاجتماع. ولعلنا بمجرد متابعتنا لنشرات الأنباء ندرك في حلم إنساني جميل مدى حاجة الكثير من المجتمعات المتعددة الأعراق والأديان والمذاهب إلى سيادة قيمة التسامح في علاقات ناسها لترتسم، بإرادة جمعية، صورة سريالية للمجتمع المرغوب، وحلول قيمية أصيلة لكل المشكلات. فالتسامح هو الأصل وهو الصفة الملازمة لكينونتنا البشرية، والتطرف في التفكير والطرح هو نقيضه وهو الذي يشكل خرقا للعادة وتجاوزا للداخل الإنساني ويفتح الأبواب للدخول في حظيرة البهيمية. وإذا ما تم تناول الأفكار لدى الناس في مناخ من الحرية والشفافية بعيدا عن الإرهاب الفكري الذي يمارسه نفر يدعي امتلاك كامل الحقيقة، وراحوا يؤسسون قناعاتهم من واقع فهمهم للظواهر، واعترافهم بحق الآخر في أن يختلف معهم، كانت النهايات لمثل هذا المسعى تصب في خانة التحرر من السائد المقيد لحركة التقدم، وتسجل اختراقا للدوغمائية في مختلف تجلياتها. لهذا كله ينبغي القول إن طرح قيمة التسامح في المناهج المدرسية والعمل على ترسيخها سلوكا ممارسا يوميا يؤسس لبناء مجتمع سليم معافى تختفي منه الطائفية والكراهية وكل المستويات المختلفة من التمييز والعنصرية، فالتسامح إذن قيمة وسلوك ومطلب في آن واحد، وتجلياته تنطلق من تحايا الصباح والعمل معا لتصل حد بناء الأوطان وتشييد صروح عزها ومجدها والذب عن حماها. واسمح لي قارئي الكريم أن أجد في ختام حديثي هذا مناسبة لأقول كلمة حق في من جعلوني أنتقل إلى الشقيقة مصر ليثار هذا الموضوع فأنقل لك فهمي المتواضع فيه، كلمة حق أشكر فيها كامل الـ»ستاف» التابع لسفارة مملكة البحرين بجمهورية مصر العربية الذي ظهر معنا في الصورة مباشرة ملازما مثل ظلنا وخصوصا «نوار المطوع» و»أحمد عراد» و»هاني الشيخ»، أو أولئك الذين عملوا للإعداد لزيارة هذا الوفد وتوفير سبل النجاح له في مهمته، وعلى رأسهم السفير الدمث الخلق والدينامو الشيخ راشد بن عبدالرحمن آل خليفة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها