النسخة الورقية
العدد 11060 الأحد 21 يوليو 2019 الموافق 18 ذو القعدة 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:27AM
  • الظهر
    11:44AM
  • العصر
    3:12PM
  • المغرب
    6:31PM
  • العشاء
    8:01PM

كتاب الايام

حقيقة الرسالة التي أضاعت الحلم الفارسي في مصر

رابط مختصر
العدد 8720 السبت 23 فبراير 2013 الموافق 12 ربيع الآخر 1434

يبدو ان تغريدة الداعية السعودي الشيخ محمد العريفي بخصوص استحالة تشييع الشعب المصري السني، والتي سببت انزعاجا كبيرا لإيران – القيادتين السياسية والدينية – لم تأت من فراغ، لان ما قاله العريفي اصاب الحقيقة تماما وبدا ايضا انه اغلق باب الامل لدى الإيرانيين من اللعب كثيرا على وتر ان الشعب المصري يحب آل البيت.. فحب المصريين لآل البيت لا ينفي عنهم سنيتهم ورفضهم المطلق للتشيع اللهم سوى بعض العشرات الذين يدعون انهم شيعة لـ «مال وريالات» في نفس يعقوب. فالشيخ العريفي هز احلام الإيرانيين بقوله: «إن مصر لقمة كبيرة جدا على إيران»، مؤكدا أنه يصعب على إيران وأمثالها أن تتحكم في سياسة مصر أو تعبث بعقيدة أهلها. وقال في تغريدته على «تويتر»: «لا يمكن أن يدخل المصريون في مذهب الشيعة الرافضة، المتضمن تناقض القرآن، وتكفير الصحابة، وتحريف الإسلام، وقذف عرض النبي صلى الله عليه وسلم، فإيمان المصريين يعصمهم». ولكن لماذا جاءت تغريدة العريفي وما هى ملابساتها المزعجة لإيران وقيادتها.. الموضوع بحق يستحق الدراسة والتنبيه، واصل المشكلة لم يكن العريفي طرفا فيها، ولكنه ارتأى قول الحق في وقت رأى فيه إيران لا تفعل الحق.. وكان بداية ما اعتبره المصريون أزمة حقيقية هو محاولة علي خامنئي المرشد الأعلى للثورة الإيرانية التدخل في شؤون المصريين وحث الرئيس المصري محمد مرسي على تبني تعاليم الخميني في بناء الدولة المصرية وكذلك تبني «ولاية الفقيه» في الحكم طالما ان حكم مصر أصبح دينيا، حتى لو كان إخوانيا سنيا في هذه المرحلة، فما المانع من تحويله أيضا الى ولاية الفقيه المزعومة. وجاء المطلب الإيراني في رسالة بعث بها خامنئي الى الرئيس المصري، ثم أثارت في وقت لاحق جدلا سياسيا ودينيا في اوساط المصريين حتى لفظتها الرئاسة المصرية وتبرأت منها. ورسالة خامنئي باختصار شديد تنم عن خبث سياسي، وهو امر معروف لدى الإيرانيين، حيث يحاول فيها خامنئي إغراء الرئيس المصري ومعه جماعة الإخوان بان ولاية الفقيه وتعاليم الخميني عبر استلهام التجارب الفذة التي اكتسبتها الثورة الإسلامية فى إيران، لاسيما في مرحلة بناء نظام الحكم القائم على أسس الشريعة الإسلامية، وكذلك المنجزات التي حققتها إيران في ظل الحكومة الشعبية الدينية. ولم تغفل الرسالة الإشارة الى المكتسبات العلمية موثقة بالإحصاءات التي نشرتها المؤسسات والمراكز العالمية، وهي طبعا انجازات مزيفة لو شئنا الدقة. ولم تستح الرسالة من الاشارة أيضا الى ان «أفضل مسار في الحياة هو الذي يستوحى من ولاية الفقيه»، بزعم ان أي نظام حكم يضع سياساته وينشئ مؤسساته ويخطط مناهجه في ظل الولاية الإلهية وأهدافها، سينجح فى بلوغ الصلاح وتحقيق السعادة، وسيكون مصدرا للرقي والكمال. وقد نرد هنا على هذه النقطة المزعومة أيضا، وسوف نستلهم الرد من الداخل الإيراني، سواء السياسي او الاقتصادي، فالحياة السياسية في إيران شبه متوقفة حتى لو كانت هناك انتخابات في يونيو المقبل، فالنتيجة معروفة سلفا، والفائز سيكون هو الشخص الذي يختاره المرشد وليس الشعب، والمعارضون يعيشون في سجن المرشد ولا يرون الشمس مطلقا.. أما اقتصاديا، فالكل يعلم الحال الإيراني الآن، فسعر الريال يهبط بصورة يومية امام الدولار، والمستوى الاقتصادي يتدنى وكاد يصل الى حد الكارثة رغم النفي الرسمي لذلك. اما عن الانجازات العسكرية والعلمية، فهي كلها عبارة عن مجرد مجسمات وفوتو شوب ولا تمت للواقع بصلة، فالحياة شبه مشلولة في إيران والإيرانيون يعلمون ذلك، ولكن الاعلام الرسمي فقط يحاول نشر صورة مزيفة وغير واقعية لما يحياه الإيرانيون. ونعود لمزاعم رسالة المرشد للرئيس المصري، فهي استمراء للكذب الذي تجيده القيادة الإيرانية، خاصة عندما تدعي ان الشعب الإيراني نجح في تحقيق إنجازات كبرى خلال ٣٤ عاما بفضل تحليه بالحكمة وتمسكه بالجهاد والنضال المرير ضد الاستكبار العالمي وأعداء الإسلام والمسلمين والصمود على مبدأ الاستقلال عن جميع القوى، والتصدى لمخططات الهيمنة على إيران الإسلامية. ومن بين الادعاءات التى شملتها الرسالة التى اضحكت المصريين وردوا عليها بعنف واستهزاء، ان بعض الإحصاءات لمنظمات عالمية تؤكد تقدم إيران، بينها إحصاءات تظهر، بحسب الرسالة، تفوق إيران على ٤ أخماس دول العالم فى المجال التعليمى. وعرضت الرسالة أيضا الإنجازات التى حققتها فى الاستخدامات النووية في المجال السلمي، ثم عرجت على النظام الاقتصادي، الذي نترك للواقع الإيراني الرد عليه. وبقراءة سريعة للرسالة، فهي تعكس مدى سعي إيران لإيجاد موطئ قدم لها في مصر، سيما وانها اعقبت زيارة احمدي نجاد الى القاهرة ومحاولته هناك لطمأنة الشعب المصري حيال بلاده وان طهران تهتم بالقاهرة وبتطبيع العلاقات بين البلدين. ولا يهمنا هنا ما يدار في إيران من خلافات بين خامنئي ونجاد حول طبيعة التوجه نحو القاهرة ومصر والمصريين. ويبدو ان الجهود الإيرانية لا تنقطع، رغم رسالة الأزهر والسلفيين برفضهم المطلق لمحاولات تشييع المجتمع المصري السني، وواضح ان إيران لم تيأس رغم رسالة الأزهر الغاضبة وكذلك كل سلفيي مصر اثناء زيارة نجاد عندما رفضوا زيارته اصلا وانتقدوها. وكذلك تعلم مصر ان مضار التقارب مع إيران في الوقت الحالي أكثر من نفعها، فطهران تدرك مدى تأزم علاقاتها الدبلوماسية مع المجتمع الدولي بسبب تطوير مشروعها النووي، وكذلك احتمال خسارتها للنظام السوري في المنطقة.. وبالتالي، فهي في حاجة ماسة لحليف في وزن سوريا، ولا تنظر بعيدا عن مصر لتعويض تلك الخسارة. وفات إيران، أو انها تجاهلت قسرا ان أهل السنة لا يؤمنون بولاية الفقيه وان مصر دولة سنية ولا تعتقد بعصمة أحد غير الرسول «صلى الله عليه وسلم»، وان هذا الكلام لا يستقيم ولا يتفق مع ما يؤمن به أهل السنة والجماعة، الذين يؤسسون لدولة مدنية، بينما ولاية الفقيه دولة دينية. وتجاهلت إيران هنا ان مصر لن تشبه أي بلد آخر في نظامها السياسي ولا تطورها الاجتماعي، فمصر بلد متسامح بغض النظر عما تشهده من جدل سياسي حاليا، كما ان مصر بأزهرها العريق، أقدم جامعة مؤسسية في التاريخ، هي الحارس الأمين للغة القرآن وعلوم الدين، والقائم على نشر دعوة الله في ربوع العالمين. ثم ان مصر – وهذا ما ذكره المتحدث الرئاسي المصري ردا على الرسالة الإيرانية - سيكون لها نموذجها الخاص النابع من إرادتها الشعبية، وليس لها علاقة بأي نموذج آخر، ولن يملي عليها أحد نموذجا معينا. ويكفينا هنا وصف احد القيادات السلفية في مصر نص الرسالة بانه مثل «الجريدة الصفراء» التي تقول كلاما غير حقيقي، وقال « إن الدولة الإيرانية تحاول، بعد زيارة رئيسها لمصر، أن تزرع الفكر الشيعى وولاية الفقيه، مؤكدا ان كل المحاولات الإيرانية ستفشل، لأن الشعب المصري طول عمره يعيش على كتاب الله وسنة الرسول محمد، ولا يسمح بأن يطبق عليه الفكر الشيعي المظلم الذى يحجم فكره ويغلق فمه ويجعله تابعا لرئيسه». ونعلم ايضا ان المصريين يدركون الاهداف الحقيقية للمسعى الإيراني، فمصر عند الشيعة ليست دولة ظهور فقط، لكنها دولة الانطلاق حول العالمية، فالمهدي لدى الشيعة لا يفتح مصر بل تكون مصر مهيأة لمجيئه.. وبالتالي، تكشف هذه الخلفية الاعتقادية الحرص الإيراني – الشيعي - على غرس موطئ قدم لهم داخل مصر كى تمهد الطريق للمهدي إذا اتجه ناحية مصر. كما ان مصر لا تقتصر لدى الشيعة على الأهداف السياسية الإيرانية فحسب، لانهم يعتقدون انهم بامكانهم استغلال مكانة مصر حضاريا وتاريخيا للعبور منها كقنطرة إلى المحيط العربي أو العالمي لتحقيق حلم الإمبراطورية الفارسية. وياليت يفهم الإيرانيون ان المصريين يرفضون أن تكون هناك علاقات في الجانب الديني أو المذهبي مع دولة إيران. ثم ان الإيرانيين يخاطبون الإخوان المسلمين بمفردهم، في حين ان الإخوان لا يمثلوا سوى عدد قليل من المصريين، اللهم الا اذا كانت إيران تريد خلق صراع وفتنة في اوساط المصريين، ليس فقط بين القوى الإسلامية والليبرالية، ولكن بين التيارات الإسلامية بعضها البعض. وليعلم الإيرانيون، ان مرشد الإخوان في مصر لا يمثل مرجعية دينية او رمزا دينيا شعبيا، بل يمثل جماعة الإخوان المسلمين فقط، وبالتالي، فان على خامنئي ان يدرك أن الخطاب سيؤثر سلبا على مسار العلاقات المصرية ــ الإيرانية.. ثم ان المصريين يعلمون ان مجرد التفكير في تبنيهم نموذج الخميني او ولاية الفقيه سيخلق لهم مشكلات اقليمية ودولية. ونأتي الى النهاية خاصة عند قول الرسالة ان «الخميني كان فيلسوفا عظيما وعالما ذا مكانة بارزة في التاريخ الإسلامي، ولذا فإنه يتعين على المسلمين في كل مكان اتباع تعاليمه».. وسننهي ردنا بتساؤل بسيط للغاية ولا نريد اجابة عليه لان الواقع هو افضل اجابة عليه.. أين التقدم الإيراني؟.. وماذا فعل الخميني لشعبه وبلده سوى انفاق مليارات الدولارات على ما يسمى بتصدير الثورة الإسلامية؟.. حتى ان إيران ادعت ان ثورات الربيع العربي ما هي سوى صحوة اسلامية، وفي هذا كذب وافتراء وتقليل من شأن طموحات الشعوب العربية. ثم اذا كانت الرسالة تعهدت بان تصل مصر الى درجة التنمية المثلى في حال تبنيها نموذج الخميني وولاية الفقيه، فيكيف يرد الإيرانيون على حالهم الان في ظل العواصف الاقتصادية بعد نحو 30 عاما من تطبيق هذا النموذج الذي يدعونه؟.. وأخيرا وليس آخرا، فليتذكر الإيرانيون استقبال المصريين لأحمدي نجاد في منطقة الأزهر، والحذاء خير شاهد على مدى الكراهية.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها