النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11927 الجمعة 3 ديسمبر 2021 الموافق 28 ربيع الآخر 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:45AM
  • الظهر
    11:27AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:45PM
  • العشاء
    6:15PM

كتاب الايام

«أم أحمد» جات .. «أم أحمد» راحت

رابط مختصر
العدد 8719 الجمعة 22 فبراير 2013 الموافق 11 ربيع الآخر 1434

المعروف ان قصة الطيران في منطقة الخليج بدأت من البحرين قبل 80 سنة ونيف، حينما بدأت الخطوط الجوية الإمبراطورية «إمبريال إيرويز»، والتي كانت النواة الأولى لما عـُرف لاحقا بشركة الخطوط الجوية البريطانية لما وراء البحار «بريتش أوفر سيز كوربوريشن» وخليفتها الخطوط الجوية البريطانية «بريتش إيرويز»، تسيير رحلات تجريبية إلى الخليج. فكان أن اختارت الشركة البحرين لتحط فيها أولى رحلاتها إلى المنطقة. وقد تم ذلك بالفعل في أغسطس 1927 بفضل تاجر لؤلؤ بحريني استقل طائرة مملوكة للشركة من نوع «دي هافيلاند» من بغداد. ورغم المسافة القصيرة نسبيا ما بين بغداد والبحرين، فإن الطائرة اضطرت للتوقف ليلة واحدة في مطار البصرة. كانت أجهزة الملاحة والقياس في البحرين وقتذاك شبه معدومة. وبالمثل كانت مدرجات الهبوط وعلاماتها وإضاءاتها بدائية، الأمر الذي جعل عمليات الطيران محفوفة بالمخاطر لإعتماد الطيارين على الحدس والتقدير في حسابات الأبعاد وسرعة الرياح وأماكن الهبوط. وهكذا فإن البحرين لم تشهد رحلات طيران تجارية منتظمة إلا في أكتوبر 1932 ، حينما هبطت فيها طائرة من نوع «هاندلي بيج 42» تابعة لخطوط إمبريال البريطانية، وكانت تحمل 24 راكبا فقط في طريقهم من لندن إلى دلهي. وكان هذا النوع من الطائرات يضطر أثناء هذه الرحلة للراحة والتزود بالوقود في مطارات عدة. فكان مثلا يتوقف في البصرة والكويت والبحرين والشارقة، وكان ركابه يقضون الليل في فنادق هذه المدن. وفي عام 1937 شهدت البحرين تطورا آخر في تاريخها المتعلق بالحركة الجوية. إذ تعرف الناس على طائرات «شورت» المائية التابعة لشركة إمبريال البريطانية، وهي تهبط وتنطلق من ممر مائي بين الموقع الحالي للنادي البحري «مارينا كلوب» وميناء سلمان، ومن أمام مبنى من طابقين خـُصص لخدمة المسافرين، وعـُلقت فوقه لافتة بالانجليزية تقول «بحرين مارين إيربورت». كانت الطائرة المائية في باديء الأمر تقوم برحلة جوية واحدة كل إسبوع ما بين «ساوثامبتون» في إنجلترا وكراتشي في باكستان مع التوقف في البحرين والإسكندرية وروما. لكن بمجرد تحول شركة إمبريال إلى شركة الخطوط الجوية البريطانية لما وراء البحار في عام 1939 تضاعفت رحلات الطائرة المائية إلى ثماني، مع تبدل مسارها الجوي إلى ما يشبه «حدوة الحصان». إذ صارت تطير من دوربان في جنوب إفريقيا إلى سيدني في إستراليا عبر كراتشي الباكستانية مع وقفات في الخرطوم والقاهرة والبصرة والبحرين ودبي. لكن مع تناقص ارباح الطائرات المائية بسبب قلة الاقبال عليها بدءا من منتصف الخمسينات، تحولت الخطوط البريطانية لماوراء البحار إلى إستخدام طائرات «إيرونوت» ذات المحركات الأربعة في رحلاتها الأسبوعية الثلاث ما بين لندن والبحرين. ثم جاء عام 1950 الذي شهد ولادة «شركة الخليج للطيران» «غلف أفييشون» على يد طيار بريطاني شاب كان يدعى «فريدي»، وبدعم من رجال الأعمال البحرينيين. وبدأت الشركة نشاطها الجوي بإطلاق رحلات تجارية بين البحرين والظهران والدوحة بواسطة طائرة واحدة مستعملة بريطانية الصنع من نوع « أفرو أنسون مارك ـ 2 «ذات المحركين والتي كانت تتسع لسبعة ركاب فقط «هذه الطائرة خدمت اثناء الحرب العالمية الثانية كطائرة عسكرية، ثم لاحقا كطائرة لتدريب الملاحين، وسميت بهذا الإسم نسبة للأدميرال البريطاني جورج أنسون، وتوقف إنتاجها في 1952 وخرجت من الخدمة نهائيا في 1968. لكن خلال عامين من تأسيسها، ومن بعد تملك الخطوط البريطانية لماوراء البحار حصة فيها، استطاعت الشركة الوليدة أن تتوسع ليتضمن أسطولها أربع طائرات من نوع «دي هافيلاند»، وأربع أخرى من نوع « داكوتا دي سي 3 «طائرة ذات محركين من تصميم الأمريكي»آرثر ريموند»، ودخلت الخدمة لأول مرة في الولايات المتحدة في 17 ديسمبر 1935 ، وكانت النواة الأولى للأساطيل الجوية لمعظم شركات الطيران الأولى في الخليج والجزيرة العربية مثل الخطوط الجوية السعودية والكويتية والعراقية واليمنية، إضافة إلى طيران الخليج»، وليزداد عدد مستخدميها ووجهاتها أيضا والتي أضيف إليها أبوظبي، والعين، والشارقة، والكويت، ومسقط. ومع كل هذه التطورات شهد مطار البحرين ومرافقه وخدماته تطورات مشهودة ليصبح واحدا من أحدث مطارات المنطقة تصميما وتجهيزا وقتذاك. كل ما سبق كان مجرد توطئة واستعراض للمراحل التي سبقت امتلاك «شركة الخليج للطيران» ووريثتها «شركة طيران الخليج» للطائرات من نوع «داكوتا دي سي 3» التي كانت تتسع لـ 27 راكبا، وكانت تطير ما بين البحرين والظهران، في رحلات مكوكية يستغرق الواحدة منها خمس دقائق فقط في كل إتجاه من الصباح وحتى منتصف الليل. ورغم أن قيمة تذكرة السفر في الاتجاهين كانت 33 روبية في البحرين و33 ريالا في الظهران، إلا أنها أعتبرت الأغلى ثمنا قياسا بزمن الرحلة القصيرة الذي لم يكن يكفي لإشعال وتدخين سيجارة واحدة، أو إتمام شراب عبوة ورقية من شراب البرتقال. ما يهمنا هنا هو الإسم الشعبي الذي أطلقه الناس على هذه الطائرة، صاحبة الموقع الخاص في الذاكرة الجمعية لأجيال من الناس، ليس في البحرين والسعودية فقط، وإنما في عموم الخليج. هذا الإسم هو «أم أحمد»! فمن أين جاءت التسمية ياترى؟ ومن كان وراؤها؟ كأمور كثيرة أخرى في موروثنا الشعبي وتاريخنا القريب تتعدد الروايات في شأن تسمية طائرة «أم أحمد» بهذا الإسم. فالزميل الكاتب السعودي محمد الغدير تبنى في مقال له في جريدة «اليوم» السعودية «27 نوفمبر 2011» رواية غريبة مفادها أن وراء التسمية سائق تاكسي صومالي كان يتولى إيصال سيدة سعودية تدعى «أم أحمد» إلى مطار الظهران للسفر منه إلى البحرين. ولأن هذه السيدة كانت تسافر كثيرا إلى البحرين لزيارة أقاربها، ولأنها كانت دوما تستعجل السائق خوفا من تأخرها على موعد الإقلاع، قائلة: «دوس بنزين .. طيارتي بتطير»، فقد أطلق الصومالي على الطائرة اسم «طيارة أم أحمد»، ثم شاع الإسم وشاعت معه مقولة «طيارة أم أحمد جات، وطيارة أم أحمد راحت». وهناك من ينسب الإسم إلى سيدة بحرينية كانت تدعى «أم أحمد»، وتعيش في فريج «البوخميس» بالمحرق. ويقال أن هذه السيدة كانت تكثر من التنقل طوال النهار ما بين منزلها ومنزل إبنتها القريب، أي تماما مثلما كانت تفعل طائرة «الداكوتا – دي سي 3» في تنقلها ما بين البحرين والظهران القريبتين طوال النهار. بل قيل أن الهواء كان ينفذ إلى عباءتها السوداء من خلال الأكمام فتجعلها كمن له جناحان كجناحي الطائرة! غير أن هناك من يؤكد ضعف الروايتين السابقتين قائلا: لو كانتا صحيحتين لكانت تسمية الطائرة بإسم «أم أحمد» مقتصرة على البحرينيين والسعوديين، أي دون انتشارها في أوساط القطريين والإماراتيين وغيرهم، خصوصا وإننا نتحدث عن زمن لم يكن قد عرف بعد وسائل الإتصال والتواصل السريعة. وعليه فإن التفسير الأقرب للتسمية في رأي الكثيرين هو أنها نسبة إلى أحد أبرز المساهمين في «شركة الخليج للطيران» وهو رجل الأعمال المعروف على مستوى أقطار الخليج كلها «أحمد بن علي كانو»، لا سيما وأنه كان يملك مؤسسات للسفر والسياحة من تلك التي كان يبتاع منها الناس تذاكر الســـــفر الى البحرين وغيرها على متن طائرات «الداكوتا دي ســــي 3 . هذا ناهيك عن أن معظم من كانوا يعملون في بيع وتسويق وتحرير تذاكر «أم أحمد» في الظهران والخبر على الأقل كانوا من البحرينيين المؤهلين من أمثال إبراهيم أمين «أخو الدكتور عيسى أمين إستشاري الأمراض التناسلية المعروف» ومحمد عبدالرحمن الشافعي «شقيق الوكيل المساعد الأسبق في وزارة البلديات المهندس إسماعيل الشافعي والطبيب المعالج بالأبر الصينية الدكتور أحمد الشافعي وزميل دراستي وصديقي في هواية الرسم والخط عبدالله الشافعي»، ويوسف الكوهجي، وغيرهم. والحال أن «أم أحمد» قدمت طيلة سنوات الخمسينات والستينات وجزءا من السبعينات خدمات جليلة للمسافرين من وإلى البحرين، وخصوصا أولئك المتنقلين ما بين البحرين وشرق السعودية ممن كانوا يجدون مشقة كبيرة في استخدام وسيلة التنقل الأخرى «المراكب» بسبب طول زمن الرحلة «نحو 4 ساعات» والجلوس غير المريح فوق دكة خشبية ووسط شحنات البضائع. ويكفي «أم أحمد» فخرا أنها طوال سنوات خدمتها، وبالرغم من رحلاتها المتكررة إلى الظهران كل ساعة تقريبا، لم تتعرض إلى خلل مسبب لكارثة جوية.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها