النسخة الورقية
العدد 11148 الخميس 17 أكتوبر 2019 الموافق 17 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:18AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:41PM
  • المغرب
    5:08PM
  • العشاء
    6:38PM

كتاب الايام

أبعـــاد

نساء من فرجان لوّل

رابط مختصر
العدد 8712 الجمعة 15 فبراير 2013 الموافق 4 ربيع الآخر 1434

تختزن ذاكرة طفولة جيلنا وفي كل فريج من فرجان الزمن الجميل اكثر من صورة لأكثر من امرأة في اكثر من موقع كانوا فيه علامة وكانوا فيه جزءاً من تكوين هذا المكان وما زالوا في الذاكرة شاهدات على عصر مختلف بالتأكيد لم يكن عصر ترف ولكنه وبالتأكيد ايضاً كان عصر قيم اخرى كانت تظللنا بظلالها الوارفة وكنا نستمد منها المعنى. وقبل ان تبهت الذاكرة بجيلنا ما اجمل أن نسجل سيرة بعض اولئك النسوة لعلنا نوفي الزمن الجميل بعض حقه ولعلنا نوفي بعض نسائه البسيطات بعض حق لهن على جيلنا فقد كن امهات وكن لنا علامات في طريق الطفولة. وكون المساحة هنا لا تتسع لاسماء واسماء تتزاحم في ذاكرتنا وذاكرة طفولتنا فسأقف امام نماذج ربما تكون اضاءات ودلالات لما نريد تسجيله في هذا المقال.. فهذه امنا «بيبي» تلك المرأة الأم الهادئة هدوء سواحل بوماهر والمبتسمة دائماً في وجوهنا نحن الاطفال برغم كل شقاوتنا ونزقنا الطفولي الاول وبرغم «شطانتنا» لكنها دائماً مبتسمة لنا حتى لو اصاب «صندقتها» الصغيرة التي تبيع فيها «الحب ولعلوج والجاكليت» ضربات كرتنا. بيبي امرأة وحيدة هكذا عرفناها اطفالاً لديها «صندقة» على جانب حوطة تركتها النيران لنلعب فيها ونمرح ونجري مبارياتنا في زمن الطفولة ثم لتكون لنا نحن فريق كرة الطائرة في نادي الحالة ملعباً نتمرن فيه لنفوز ست سنوات بكأس البطولة والفضل لتلك الحوطة. وكانت بيبي وصندقتها على جانب الحوطة وكم اصابتها كراتنا القوية بضربات اهتزت معها «الصندقة» لكن امنا بيبي لم تتذمر يوماً ولم ترفع صوتها وكم تفقد ابتسامة الام الحنون الرؤوم وكانت لا تتذمر ولا تشكو وحتى الآن يأخذني العجب كم تحملت تلك المرأة المكافحة التي كانت تعول بنتين لها كما اذكر بالبيع البسيط في تلك الصندقة الفقيرة والتي كان زباؤنها اشد فقراً من صندقتها لكنها اختارت العمل بدلاً من ان تتسول لتحتفظ بكرامتها فطوبى لكِ امنا بيبي يا من لم نفقد ابتسامتها إلاّ حين طوى الزمن زماننا الجميل. لم تكن بيبي وحدها التي كافحت وعملت وتحملت المشاق فقد رأينا ونحن اطفال نساءً مختلفات في كل زاوية وطريق الى المدارس يجلسن على هوامش الطريق وحوافه يبعن لنا ما تيسر ليقمن به اودهن ويعشن مع اطفالهن بالعمل الشريف ولم تكن نظرة المجتمع اليهن إلاّ المزيد من الاحترام والتقدير لأنهن يكافحن بشرف ويعملن بكل جدٍ من أجل لقمة العيش في الزمن الصعب. وكانت هناك تلك المرأة المحرقية في الصنقل وقرب فريج مراد «نسا» وربما كان اسمها خير النساء فاختصرناه الى «نسا» وكان لديها شبه دكان صغير وكانت هي الاخرى علامة من علامات ذاكرة زماننا الاول.. ولا تسألوني ماذا كانت تبيع «نسا» لكنني اذكرها جيداً ويذكرها العشرات من ابناء منطقتنا الممتدة من الصنقل ومراد وفخرو حتى بوماهر تلك «الحالة» التي لم تخلُ هي الاخرى من نساء كافحن من اجل لقمة عيش شريفة.. وهنا ترد صورة الحجية «زمزم» وهي المرأة التي كنا نشتري من بيتها الباجلة والنخي عند كل غروب شمس وكانت تبيع «النشاب» نلتقطه حاراً ساخناً لنلتهم مع الاطفال وجبة نشاب لذيدة.. يحدث ذلك في الشهر مرة فقط حين تتوفر لدينا اربع آنات اي ما يعادل «25» فلساً لنستطيع شراء قطعتين. كانت الحجية زمزم امرأة كبيرة في السن بالكاد تمشي رحمها الله لكنها لم تتقاعد عن مهنتها وكان باجلة زمزم معروفاً في فريجنا فهو وجبة عشاء معظم بيوت الفريج في ذلك الزمن الذي غادرنا ولم تغادرنا تفاصيله الصغيرة بكل قسوتها وعذوبتها. وهذه مجرد اطلالة سريعة استعدنا فيها بقايا صور ما زالت ذاكرة جيلنا تختزن منها الكثير.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها