النسخة الورقية
العدد 11146 الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 الموافق 16 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:10PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

مطارحات

من خارج أفق المناورة: حوار أم تفاوض؟؟

رابط مختصر
العدد 8707 الأحد 10 فبراير 2013 الموافق 29 ربيع الأول 1434

الأمر المهم والجديد في الأزمة أن الجميع تقريبا بات موقنا بأنه لا بديل عن الحوار الوطني كطريق وحيد لحل الأزمة، وتجاوز حالة التوتر التي يغرق فيها المجتمع منذ سنتين، وهذا في حد ذاته تقدم مهم على الصعيدين السيكولوجي والسياسي، لأن القبول بالحوار من حيث المبدأ، هو إعلان عن العودة إلى السياسة بدلا من الفوضى، واللغة بدلا من القوة، والمؤسسات بدلا من الشارع، والحلول الوسط بدلا من الإصرار على الاستبداد بالرأي والموقف. المواقف والتصريحات التي تساند الحوار هذه المرة واسعة، ولا يوجد من يتحفظ على الحوار من حيث المبدأ، إلا أصوات منعزلة غير ذات تأثير في حركة الواقع، هذا بغض النظر عن التباين في المواقف، فبعض المرحبين يقدمون شروطا مسبقة، وبعضهم مؤمن بالحاجة إلى الحوار الوطني بسبب تفاقم الوضع الأمني، استنادا إلى تحليل مفاده أن تفاقم الوضع هو نتيجة لحالة «الجمود السياسي وعدم التقدم في فك عقد ملفات سياسية معروفة ومعلنة»، ولكن بعض تلك الدعوات تأتي ضمن موجة الضغط السياسي والإعلامي لا أكثر ولا اقل «أي ضمن أفق المناورة». والدليل على ذلك أن نفس تلك الكتابات التي تشيد اليوم بالحوار وتدعو إليه، كانت قد تراجعت فجأة عن تلك الدعوة إليه، أيام الأزمة ولم يعد لها إلا صوت باهت، بما يعني أن الحوار بمعناه الفكري والسياسي والإنساني لم يكن يخطر ببالها آنذاك، لحسابات خاصة بتلك اللحظة التاريخية الفارقة، فقد كان الحوار حينها مجرد صيغة لتغليف مطالب محددة، ومع ذلك ما تزال بعض من تلك الأصوات تتحدث بلغة مضطربة غير حاسمة تعكس حالة التردد السياسي خارج «الحل التوافقي» بمعنى التئام الكلمة على حفظ السلم وتحقيق العدل والأمن والحرية للبلاد والعباد، وذلك لأنها في الحقيقة لا تريد حوارا مفتوحا ومباشرا مع مختلف مكونات المجتمع السياسي، وإنما تريد تفوضا مباشرا مع السلطة حول حل ما يحقق مطالبها او الجزء الأهم من مطالبها، بما يجعلها قادرة على مواجهة جمهورها بأن» نضالاتها قد جاءت بنتائج عملية مهمة». ولعل الأفكار والملاحظات والمقترحات التي تضمنتها ندوة الجمعيات السياسية الخمس والتي خصصت لمناقشة موضوع الحوار، تشكل خلاصة وجهة نظر المعارضة بشأن الحوار- التفاوضي وشروطه ومآلاته في المرحلة المقبلة، والذي يمكن اختزاله في الأفكار المختصرة التالية: - من حيث المبدأ: الحوار السياسي يكون بين المعارضة والسلطة، على ان يتم وقف الحل الأمني حتى يتحرك الحل السياسي. «ويلاحظ القاري هنا أن دعوة المعارضة إلى إفساح المجال للحل السياسي ووقف الحلول الأمنية لم يترافق مع الدعوة الى وقف العنف في الشارع ولا أي إدانة له، بل على العكس من ذلك فقد رافقها تصعيد خطير قد يسقط فيه ضحايا وقد يؤدي من جديد إلى وقف الحوار أو تأخيره على أقل تقدير، هذا فضلا عن ان الدعوة الى حصر الحوار مع السلطة يؤكد استمرار نفس النزعة السابقة التي تحصر الحوار في مفهوم التفاوض بين السلطة والمعارضة». - من حيث الآلية: لا بد ان يتم الاتفاق على دور مؤسسة الحكم في هذا الحوار، ولا بد أن تكون هناك آلية لحسم ما يتم التفاوض عليه. - من حيث المرجعية: الحوار يجب أن يكون مركِّزاً على القضايا الأساسية، فالمعارضة قدمت «وثيقة المنامة»، وهناك مبادئ سمو ولي العهد التي تطرقت إلى السلطتين التشريعية والتنفيذية والقضاء والأمن للجميع وغير ذلك...»ويلاحظ هنا انه لا اشارة الى أي مرجعيات او رؤى أو وثائق اخرى وطنية مطروحة على الساحة، مما يؤكد النزعة الاقصائية». - ومن حيث الإحالة: تقول المعارضة يمكن الاستفادة من التجربة الايرلندية في المصالحة الوطنية، من حيث موضوع الشراكة في إدارة البلد وفق القواعد الانتخابية ... هذه تقريبا مجمل الأفكار المعروضة في تلك الندوة كما هي منشورة في الوسط - عدد الجمعة 25 يناير 2013م، وهي تدور في مجملها حول حالة « تفاوض بين المعارضة والحكم» كما كان مطلوبا باستمرار منذ بداية الأزمة، لا بأس بتأثيث هذا الحوار التفاوضي بمشاركة» شكلية لبقية المكونات»، بما يرجع المسألة إلى نقطة الصفر، وخصوصا أن عقلية المعارضة ما تزال تحيل إلى النموذج الايرلندي. والتي تحيل على سبيل في التحليل والتشخيص مختل وغير مدروس للفوارق والسياقات، خصوصا ان مثل هذه الإحالة توحي بالبحث عن» هيلبروك» جديد ليكون وسيطا وشاهدا، وكأننا في أعقاب حرب تحرير قومية أو طائفية؟ لإن مجرد هذه الإحالة المفتقرة إلى الدقة والوعي بطبيعة الأزمة تؤكد بان هنالك خللا في التفكير لابد ان يصحح قبل الخوض في أي نقاش جدي حول المرحلة المقبلة. إن الحوار الحقيقي لا يمكن أن يستثني أحدا، ولا يمكن أن يكون تحت الطاولة ولا في الغرف الخلفية، بل أفضل الحوار هو المجرد من العنف وهو الذي يتم داخل المؤسسات المنتخبة مباشرة من الشعب مثل البرلمان، حتى لا تكون مخرجاته محل شك أو محل منازعة في شرعيتها، كما أن الحوار يقتضي بالضرورة وجود سياسيين محترفين (يستبعد هنا الهواة والمهرجون مثل بعض الذين لا يمتلكون في رصيدهم سوى اللعنات والعنعنات»، وذلك لان السياسي المحترف وحده الذي يمتلك من الوعي السياسي، ما يجعله مدركا للعواقب ولشروط العمل السياسي وحدوده، ومؤمنا بضرورة الوصول إلى الحلول الممكنة في السياق التاريخي، ومستعدا للتراجع عن المواقف الخاطئة عندما يتبين خطؤها، أو عندما يتبين أن المصلحة الوطنية تقتضي التنازل أو التراجع أو القبول بنصف المطالب أو بأقل منها او أكثر بحسب مقتضى الحال وتوازن القوى... ليست المشكلة إذن في الحوار نفسه حتى وان بدا صعبا في ظل غياب منطق المصلحة والاحتراف في السياسة وصعوبة القبول بالانفتاح على كافة المكونات والرؤى والتحرر من الغرور والمطامع الضيقة، لكنَّ المسألة الجوهرية هي ما الذي سيُسفر عنه هذا الحوار عندما يكون المتحاورون أو المطالبون بالحوار غير مستعدين للتزحزح قيد أنملة عن مواقفهم وشروطهم، أو عندما يعوضون الحوار بالتفاوض من اجل تمرير مطالبهم فقط، ويقدمون مرجعياتهم واجتهاداتهم على أنها قدس الأقداس الذي لا يمكن يكون الموت دونه؟ وما هي سقوف المطالب العليا والدنيا؟ وما هي حدودها في الحاضر والمستقبل؟ وما هو أفق الاستجابة إليها في الحاضر والمستقبل ضمن إمكانيات الواقع وحدوده المحلية والإقليمية والدولية..؟؟ يبقى أن نقول في النهاية إن الحوار مطلوب لذاته لأن طريق العقل واستعادة الوعي بضرورة الوصول الى حلول وسط يلتقي عندها الجميع من اجل التجاوز.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها