النسخة الورقية
العدد 11182 الأربعاء 20 نوفمبر 2019 الموافق 23 ربيع الأولى 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:36AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:47PM
  • العشاء
    6:17PM

كتاب الايام

القط الوحشي الفرنسي وحرب المصالح في أفريقيا

رابط مختصر
العدد 8706 السبت 9 فبراير 2013 الموافق 28 ربيع الأول 1434

لم يكن فرانسوا هولاند رئيس فرنسا في حاجة للذهاب الى مالي وتحديدا الى مدينة تمبكتو المحررة ليعرف مدى زيادة شعبيته بعد العملية العسكرية الفرنسية التي اطلق عليها «عملية القط الوحشي» ونجاحها في ازاحة من اطلقوا على انفسهم «المجاهدين» او «الجهاديين»، ولكن الرئيس الفرنسي فوجئ بالآلاف من سكان مدينة تمبكتو، والتي حررتها القوات الحكومية والفرنسية إلى جانب مدن أخرى شمال البلاد، من قبضة الجماعات الإسلامية المسلحة، وردد هؤلاء «تحيا فرنسا.. يحيا هولاند». وأمام الحشد الذي ارتدى عدد كبير من أفراده قمصانا عليها علما فرنسا ومالي، أمسك هولاند بيد الرئيس المالي الموقت ديونكوندا تراوري ورفعا علامة النصر وسط تصفيق حاد. ورغم سعادة الفرنسيين بنجاح حملتهم العسكرية التي انطلقت في منتصف يناير الماضي في شمال مالي، لكن هولاند شدد على أن الحملة لم تنته، مستدركا أن قوات بلاده لن تبقى الى الأبد، وستحل القوات الأفريقية الصديقة بدلا منها في مالي، وذلك في اشارة ضمنية لشعبه بان النجاح قد يتطلب التضحية في ارض المعركة. والملفت في الامر هو مسارعة وزير الدفاع الأمريكي ليون بانيتا في الاشادة بالتحرك الفرنسي وما تحقق في مالي رغم المهمة الشاقة على حد وصفه للسيطرة على الموقف الصعب في تلك الدولة الافريقية التي ينظر اليها على انها البديل الافريقي لأفغانستان وانه لولا التدخل الفرنسي السريع لأصبحت مالي مرتعا لفلول القاعدة، تلك المنظمة التي تتنامي كالخلايا السرطانية. والملفت ايضا، انه لأول مرة في تاريخ القارة الافريقية بعد استقلال دولها من الاستعمار الفرنسي، ان يشكر رئيس دولة افريقية المحتل القديم، فقال الرئيس المالي تراوري عن التدخل الفرنسي: «سنبقى معا لنحرر كل مدن مالي من القوى الجهادية». بيد ان هذا الانتصار الفرنسي غير المسبوق لا يعني انتهاء الازمة وانتشار الحركات المسلحة الجهادية او التخريبية اذا جاز التعبير الفرنسي والمالي الرسمي والامريكي، لان القوات الفرنسية اعلنت انها لن تبقى طويلا، وانها ستسلم مهمة تأمين مناطق الشمال في مالي الى القوات الافريقية على ان يتولى الجيش المحلي مهمة مكافحة الجهاديين والمهربين. كما ان من دواعي قلق الماليين هو تبخر الجهاديين حسبما قال احدهم «لقد تبخروا في الطبيعة، الامر الذي يتطلب بقاء الجنود الفرنسيين فترة اطول للبحث عنهم». البعض يعتقد انه من حق فرنسا ان تهلل لنجاح العملية العسكرية التي قامت بها خلال 22 يوما، خاصة بعدما نجحت في ضرب من تسميهم «الإرهابيين» او ممن يسمون بـ «جماعة أنصار الدين» من الطوارق و»حركة التوحيد والجهاد في غرب أفريقيا» و»حركة القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي». والأهم من ذلك، فقد قامت باريس بعملية عسكرية وصفتها بالنظيفة، حيث لم تخسر سوى طيار من القوات الخاصة وهي الذراع الضاربة التي استخدمتها قيادة الأركان طيلة الأسابيع الثلاثة. وما اشبه الليلة بالبارحة، ففرنسا استخدمت نفس الاستراتيجية الامريكية في مواجهة القاعدة وطالبان في افغانستان وباكستان، حيث لعبت القوة الجوية الدور الحاسم في تشتيت مقاتلي الشمال وضرب مراكز تجمعهم ومخازن الوقود والسلاح ومركباتهم واستهداف قوافلهم. كذلك كان واضحا ان باريس التي استفادت لاحقا من مساعدة أمريكية - أوروبية ثمينة في قطاعي الاستخبارات والرصد الإلكتروني والتنصت والنقل الاستراتيجي وتزويد طائراتها المقاتلة بالوقود جوا، استفادت من دعم إقليمي ودولي سياسي ودبلوماسي كامل حيث لم تقم أي جهة بتوجيه اللوم أو الانتقاد للعملية الفرنسية بما في ذلك من روسيا او الصين او حتى دولة افريقية تحت مسمى رفض التدخل الاجنبي او تدويل الازمة في مالي. وعلى الرغم من الدول الاوروبية امتنعت عن تقديم المساعدة الميدانية للقوات الفرنسية وإرسال الجنود، غير انها قبلت تمويل القوة الأفريقية وإرسال بعثة عسكرية لتدريب أفرادها وتأهيلهم. وبرصد سريع للموقف في مالي، فمن الصعب القول ان العملية انتهت او ان الحرب على وشك الانتهاء.. لماذا؟.. لأنه وكما اسلفنا، فان عناصر القاعدة تبخرت في الجو، وهذا يعني احتمال عودتهم لتلك المناطق مرة اخرى بعد انسحاب القوة الفرنسية. وبالتالي، فان الاحتمال الاصوب هو ان مرحلة جديدة قد بدأت، وقد تكون الأصعب بالنسبة للقوة الفرنسية وللقوات الأفريقية التي تصل ببطء شديد إلى مالي وبالنسبة للقوات المالية نفسها. فمقاتلي المنطقة انتقلوا إلى بلدان الجوار والبعض يختبئ في المناطق الوعرة والجبلية شمالي مدينة كيدال، ومن تبقى من المقاتلين يختبئ في الصحراء الشاسعة التي ما زالت حتى الآن خارج سيطرة القوة الفرنسية أو المالية أو الأفريقية. ورغم النجاح الفرنسي، الا ان المستقبل في مالي يبدو غامضا، اذ تجهل القوات الفرنسية الاستراتيجية العسكرية التي تريد الحركات الجهادية السير عليها: هل ستقوم بحرب عصابات؟ هل ستحاول العودة إلى المدن؟ هل ستسعى إلى القيام بعمليات خارج مالي في بلدان الجوار في موريتانيا والنيجر وبوركينا فاسو والسنغال وبلدان أخرى؟ أم ستستهدف الأراضي الفرنسية أو المصالح الفرنسية المنتشرة في أفريقيا؟. وهذا بالضبط ما حدث مع الولايات المتحدة ايضا، بيد ان فرنسا تعلمت من الدرس الأمريكي ونشرت وحدات من قواتها الخاصة في النيجر لحراسة مناجم اليورانيوم الاستراتيجية التي تستغلها شركة أريفا الفرنسية الرائدة في القطاع النووي. ولهذا ايضا وضعت فرنسا عدة سيناريوهات لمواجهة الموقف، واههما: - قد تعمد القوات الجهادية إلى شن ما يسمى بـ «حرب استنزاف» على اساس ان خطة هذه القوات في الانسحاب من المدن قبل وصول القوات الفرنسية والمالية كانت أفضل تكتيكا عسكريا لعدم قدرتها على المواجهة المباشرة مع قوات تفوقها تسليحا وقدرات وقوة نارية واستخبارية. - انتقال العمليات العسكرية قريبا من الحدود الجزائرية رغم صعوبة هذا الامر حاليا، نظرا لأن معالم الحدود غير واضحة تماما ولأن طبيعة الأرض صعبة، ولكن يبقي ان المجموعات المسلحة تتمتع بالقدرة على الحركة والتنقل في مناطق تعرفها جيدا رغم وعورتها. وبذلك، فإن الحرب الجديدة ستكون بالنسبة لفرنسا ولحلفائها بمثابة «حرب معلومات» لرصد تحركات هذه المجموعات ولاستهدافها بضربات جوية. وبالرغم من ان الحديث عن العمليات العسكرية لم ينقطع طوال الفترة الماضية، الا ان الخارجية الفرنسية عادت وارتأت ان تحقيق الاهداف العسكرية لا ينهي محاولة اجراء «الحوار السياسي» بين المكونات المالية وخصوصا بين الحكومة المركزية وسكان الشمال وتحديدا الطوارق بهدف استكمال المشروعات التنموية في المنطقة وعدم تركها نهبا للفقر والعسكرة والارهاب. وما تؤكده باريس هو الحاجة لإيجاد آلية لتدشين هذا الحوار والإسراع به مع سكان الشمال الذين تراهم يقبلون التخلي عن العنف ويسلمون بسلامة الأراضي المالية، أي الذين لا يطلبون قيام دولة منفصلة للطوارق. ونأتي للمسألة الاهم وهي: لماذا اقدمت فرنسا بمفردها على مثل هذه العملية؟ وما هي مصلحتها؟ خاصة مع احتمالات ان تتعرض لمخاطر ومقتل جنودها وتأليب الرأي العام الفرنسي ضد الرئيس الجديد او اتهامه بقتل الشعب الفرنسي في عمليات عسكرية لا ناقة لهم فيها او جمل او بعثرة اموالهم في ظل ازمة اقتصادية خانقة.. ولكن قد تتلاشي كل هذه الاسئلة اذا علمنا ان لفرنسا سبع رهائن خطفهم إسلاميون في النيجر ومالي خلال عامي 2011 و2012، موجودون على الأرجح في جبال منطقة كيدال بأقصى شمال شرقي مالي، حسب شهادات شهود عيان غداة انتشار الجنود الفرنسيين في هذه المدينة. وربما دفع هذا السبب وزير الدفاع الفرنسي جان إيف لو دريان ان يخرج عن صمته ليوضح الصورة اكثر بتصريحه «لا يغيب أبدا عن أنظارنا ولا عن ذهننا ولا عن إحساسنا، أن هناك رهائن فرنسيين في تلك المنطقة».. وبالتالي، لم يكن غريبا ان تقوم القوات الفرنسية بالانتشار في كيدال وتسيطر على المطار في تلك المنطقة على امل فك حصار الرهائن، لتزداد شعبية الرئيس وبالتالي حكومته. لغة المصالح لم تنته بعد، فالتدخل الفرنسي في مالي، يأتي في اطار الحرب الامريكية – الصينية – الفرنسية – الاوروبية على البلدان الافريقية والتسابق للسيطرة على اسواقها ونفطها المكتشف حديثا، وبالتالي يعود الاستعمار ولكن بأشكال جديدة.. وهذه قصة اخرى. كاتب ومحلل سياسي بحريني

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها