النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12099 الثلاثاء 24 مايو 2022 الموافق 23 شوال 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:19AM
  • الظهر
    11:36AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:22PM
  • العشاء
    7:49PM

كتاب الايام

ثورة يناير.. وإشكاليات التكوين

رابط مختصر
العدد 8705 الجمعة 8 فبراير 2013 الموافق 27 ربيع الأول 1434

في الخطاب الذي ألقاه الرئيس «محمد مرسي» في «ميدان التحرير» في أوائل يوليو من العام الماضي بمناسبة توليه سلطته الدستورية قال: إن ثورة 25 يناير 2011 ظلت لمدة تزيد على عام تبحث لها عن قائد، تتمثل فيه الشرعية الثورية، إلى أن اختار الشعب -عبر صندوق الانتخابات الرئاسية- قائداً لها.. في إشارة يفهم منها أن الرئيس يعتبر فوزه بالرئاسة بمثابة قرار شعبي بأنه قائد الثورة الذي تتمثل فيه شرعيتها. ولكن تيارات ذات ثقل من القوي التي شاركت في الثورة لم تشارك الرئيس قراءته لدلالة النتيجة التي أسفرت عنها الانتخابات الرئاسية، ليس فقط لأن حملته الانتخابية قامت على دعوة الناخبين لإعطائه أصواتهم باعتباره «جماعة» وليس «ثورة» أو لأن هذه «الجماعة» أعلنت -عقب فوزها- مع حلفائها بالأغلبية في الانتخابات البرلمانية، التي جرت في بداية عام 2012، عن أن الشرعية الثورية قد انتقلت من «الميدان» إلى «البرلمان» لكن -كذلك- لأن ما حصل عليه الرئيس من أصوات لا يزيد -إلا قليلاً- على نصف عدد الذين أدلوا بأصواتهم في الانتخابات الرئاسية، والتسليم بأن هذه النتيجة هي بمثابة قرار باختياره قائداً للثورة وممثلاً لشرعيتها يعني أن النصف الآخر من الناخبين الذين لم يعطوه أصواتهم يقفون ضد الثورة وهي نتيجة لا يمكن -في رأي هؤلاء- التسليم بها. وفي الاحتفال بالعيد الأول للثورة، في 25 يناير من العام الماضي انقسم الداعون إليه إلى معسكرين من حيث طبيعة هذا الاحتفال: هل يكون احتفالاً بـ»عيد النصر» كما رأت الأحزاب والقوي المنتمية إلى تيار الإسلام السياسي باعتبار أن الثورة قد قامت -عبر صندوق الانتخابات البرلمانية- سلطتها المنوط بها تنفيذ أهدافها.. أم يكون الاحتفال حشداً جماهيرياً يطالب بتصحيح مسار الثورة، واستكماله كما رأت القوي المدنية الديمقراطية، انطلاقاً من أن الثورة قد اختطفت وأن السلطة القائمة على إدارة الأمور في البلاد الآن لا تمثل هذه الثورة ولا تعكس مشروعيتها. تلك واحدة من إشكاليات التكوين التي واجهت ثورة 25 يناير، وسوف تواجهها وهي تبدأ العام الثالث من عمرها وخلاله، بحكم أن الظروف التاريخية شاءت أن تنطلق شرارة الثورة، من انفجار شعبي تلقائي يفتقد للقدر الكافي من التنظيم وللدرجة المطلوبة من الوعي، لم يكن أحد ممن شاركوا فيه يتوقع أن ينتهي بانهيار النظام الذي كان قائماً بالسرعة والبساطة الذي انهار بها. ومنذ منتصف عهد الرئيس السادات -خاصة بعد انتفاضة الطعام في 18و19 يناير 1977- وشبح الثورة يطوف في سماوات مصر، ويتمثل في مستويين من المعارضة، ازدحم كل منهما بعوامل السخط: مستوي اجتماعي واقتصادي يضم جماهير الشعب التي بدأت تعاني من آثار الأزمة الاقتصادية: البطالة وتدهور مستوي الخدمات العامة، انسحاب الدولة من التزامها بضمان حد أدنى معقول من نفقات المعيشة للطبقات الشعبية ومحدودة الدخل. ومستوى سياسي يضم النخب السياسية المعارضة التي رأت أن المشكلة تكمن في طبيعة نظام الحكم الذي أصبح أسيراً لخبرته التاريخية في إدارة الشأن العام، ولم يتنبه -في الوقت المناسب- إلى أن العمر الافتراضي للنظم السلطوية قد انتهى، وأن عليه أن يقود بنفسه عملية إصلاح ديمقراطي متدرج، تنتهي بتحوله إلى نظام ديمقراطي عصري، ليضمن لنفسه خروجاً آمنا من السلطة، ويضمن للبلاد انتقالاً سليماً نحو الديمقراطية يحافظ على استقرارها ويجنبها الفوضى، إذ البديل لذلك هو الثورة، التي كانت تنتظر اللحظة التاريخية، والتي تتوحد فيها قوى المعارضة الساخطة لأسباب اجتماعية واقتصادية، مع قوى المعارضة السياسية. وكان ما كان: حدثت المعجزة واتحدت المعارضتان -الاجتماعية والسياسية- لتصنعا الانفجار الشعبي التلقائي الذي وقع في 25 يناير 2011، ليكشف الجميع أن إسقاط النظام كان هو الهدف الوحيد الذي اتحدوا حوله، وأنهم لا يملكون حداً أدنى لرؤية وطنية مشتركة لملامح النظام السياسي البديل الذي يحل محله وتنبهت القوي المدنية الديمقراطية، التي كانت أول من فجر شرارة الثورة، إلى أنها أخطأت حين اعتبرت جماعة الإخوان المسلمين وحلفاءها من تيارات الإسلام السياسي مجرد فزاعة اصطنعها النظام السابق لضمان استمراره في السلطة، واكتشفت أنها تمثل فزعاً حقيقياً، لأنها الوحيدة بين القوى التي شاركت في الثورة التي تملك آلة تنظيمية قوية، ولأنها تملك رؤية مشتركة وإرادة موحدة، تسخرها لتنفيذ مشروع سياسي مشوش، هو إعادة إحياء الخلافة الإسلامية، بينما تشرذم الآخرون بين عشرات الأحزاب والائتلافات الثورية التي لا تجمعها إرادة موحدة أو رؤية مشتركة. وهكذا، وبعد أقل من شهر على سقوط النظام السابق بدأ الانشقاق بين قوى الثورة: اتجه الإخوان المسلمون للتحالف مع السلفيين ومع التيارات المتشددة في الحركة الإسلامية بدلاً من التحالف مع القوى الليبرالية واليسارية التي شاركت معها في تفجير الثورة. وغيروا شعارهم الاستراتيجي من السعي لبناء دولة مدنية ذات مرجعية إسلامية، إلى بناء «دولة الخلافة الإسلامية»، وغيروا تكتيكاتهم لتصبح المرحلة هي «مرحلة المغالبة» التي يسعون فيها للهيمنة على السلطة، بدلاً من أن تكون «مرحلة المشاركة» التي تسعى لبناء سلطة المشاركة الوطنية. وتنكروا لتصريحاتهم على مشارف الثورة وأثنائها وبعدها بقليل، بألا يخوضوا المنافسة في الانتخابات البرلمانية إلا على 30٪ من المقاعد وألا ينافسوا في الانتخابات الرئاسية.. ورفضوا كل شعار يهدف إلى التوصل إلى مشتركات وطنية: من الدستور أولاً، إلى الاتفاق أولاً على المبادئ الحاكمة له ومن التوافق على تشكيل الجمعية التأسيسية التي تكتبه، إلى التوافق على النصوص المختلف عليها قبل طرحها للاستفتاء. وأصروا على الاحتكام إلى صندوق الانتخابات الذي يتيح لهم الاستفادة من البيئة السياسية المشوهة، بسبب التصحر السياسي في الحصول على أغلبيات وهمية تمكنهم من فرض هيمنتهم وبناء نظام استبدادي لا يختلف عن النظام الذي أسقط إلا في أنه يطلق لحيته ويحفو شاربه! تلك هي مشكلة التكوين التي أدت إلى الانشقاق الكبير في معسكر الثورة، وهي مشكلة ليست عصية على الحل، خاصة بعد أن أدركت القوي المدنية الديمقراطية، خلال العامين الماضيين أن افتقادها للقدر الكافي من التنظيم، والدرجة الكافية من الوعي هو أحد أهم أسباب المشكلة واكتسبت الجماهير الشعبية درجة من اليقظة جعلتها تتنبه لخطوة الخلط بين ما هو ديني وما هو سياسي علي الدين وعلى السياسة، فنهض الجميع لمقاومة الاتجار بالدين في سوق السياسة الذي لا يهدف إلا إلى إعادة بناء صرح الاستبداد الذي تهاوى! ومن هذه اليقظة تستقبل ثورة 25 يناير عامها الثالث، وتبدأ مسيرتها الجادة في التخلص من إشكاليات التكوين وبناء دولة ديمقراطية مدنية.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها