النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11695 الخميس  15 ابريل 2021 الموافق 3 رمضان 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:53AM
  • الظهر
    11:38AM
  • العصر
    3:09PM
  • المغرب
    6:01PM
  • العشاء
    7:31PM

كتاب الايام

البحرينيون الذين عبروا الحدود

رابط مختصر
العدد 8705 الجمعة 8 فبراير 2013 الموافق 27 ربيع الأول 1434

كان الرعيل البحريني الأول، إذا ضاقت به سبل العيش في بلده، لا يجلس في بيته كما يفعل أبناء الجيل الحالي حتى يأتي من يرشده إلى وظيفة شاغرة، وإنما كان يتوكل على الله ويحزم حقائبه ويستقل أول مركب شراعي إلى الهند (نعم! الهند التي يسخر منها الكثيرون اليوم، ويــُشعرون مواطنيها بمنة توظيفهم في الخليج) أو إلى العراق (يوم كان هذا البلد مصدر خير وموئل رزق، قبل أن تعصف به الانقلابات العسكرية والحروب). غير أن الجل الأعظم كانت وجهته للعمل هي دول الخليج العربية المجاورة، وتحديدا شرق السعودية التي تدفق النفط من أرضها بغزارة فصارت مزدحمة بفرص العمل المتنوعة. وبطبيعة الحال فإن هذه ليست دعوة لشبابنا إلى هجرة وطنهم، وتجيير سواعدهم وكفاءاتهم لبناء الأوطان الأخرى، لكنها مجرد استنهاض لهم على نبذ الاتكالية، والإقدام على المبادرة والمغامرة من أجل تحسين أوضاعهم. لقد اتجه مــَنْ عبر الحدود من البحرينيين الأوائل إلى مدينتي الدمام والخبر في بدايات نهضتهما، وكونوا فيهما جالية معتبرة من التجار والحرفيين والمهنيين، لاسيما وأنهما احتضنتا هجرات بحرينية سابقة من قبل قبيلة الدواسر ومرافقيهم منذ ثلاثينات القرن الماضي. وفي الخبر تحديدا أسس المهاجرون البحرينيون لأنفسهم مستوطنة في طرفها الساحلي الجنوبي أطلقوا عليها «الصبيخة»، سكنها في بادئ الأمر ذوو الدخل القليل من الحرفيين العاملين في شركة ارامكو أو منشآت مطار الظهران، أو القنصلية الأمريكية في الظهران. أما أصحاب الدخول الأعلى نسبيا فقد انتشروا في كافة أرجاء الخبر وخصوصا على أطراف شارعها التجاري القديم (شارع الملك سعود الأول) الذي كانت أمواج مياه الخليج تصطدم به، قبل أن تبعدها عنه عمليات دفان البحر. لم يكن اختيار البحرينيين الأوائل للخبر تحديدا مكانا لإقامتهم وطلب الرزق عملا ارتجاليا، وإنما عمل مدروس. فالمدينة هي الأقرب إلى الظهران حيث كان يوجد مطار دولي تنطلق منه يوميا عشرات الرحلات نحو البحرين بواسطة طائرات الـ»دسي 3 « التابعة لطيران الخليج، والتي اشتهرت شعبيا باسم «أم أحمد»، فكانت هذه الميزة مهمة لمن في مقدورهم السفر جوا إلى البحرين في الإجازات والحالات الطارئة. والمدينة، من ناحية أخرى، كان بها فرضة تنطلق منها عدة «لنشات» يوميا نحو المنامة في رحلة بحرية تستغرق أربع ساعات، وتبلغ تكلفتها 5 روبيات ذهابا ومثلها إيابا، فكانت تلبي متطلبات المسافرين الأقل دخلا. وبحكم كوني أحد أبناء هؤلاء المهاجرين الأوائل إلى الخبر فقد عرفت تقريبا كل البحرينيين الذين طلبوا الرزق فيها منذ الخمسينات. وأتذكر من هؤلاء المرحوم عبدالله علي خاجة الذي افتتح أول متجر لبيع الملابس الغربية مع طائفة من الكماليات العصرية ذات المنشأ الأمريكي، قبل أن يفتتح في الستينات أول «ديبارتمنت ستور» في تاريخ الخليج كله، وقبل أن يفتتح في السبعينات أول فندق عصري فخم «بمقاييس تلك الأيام»، والمرحوم يوسف أحمد الساعي الذي افتتح فرعا لمتجره في البحرين تحت الاسم نفسه وهو «المتجر العربي الجديد» متخصصا في بيع الساعات والولاعات والأقلام وكماليات الملابس الرجالية، والمرحوم يوسف محمود حسين الذي أسس أول صيدلية دوائية في الخبر تحت اسم «صيدلية الأهالي»، وبفارق زمني بسيط عن ثاني صيدلية وافتتحها بحريني آخر هو المرحوم عبدالرحمن الوزان، والمرحوم أحمد محمد زين العابدين الذي أدخل إلى الأسواق السعودية العديد من الماركات الغذائية المعروفة قبل أن يستحوذ على وكالة تلفزيونات أندريا ويفتح لها معرضا هناك وكان هناك أيضا الأخوان علي وجاسم بن الشيخ اللذين افتتحا فرعا لمتجرهما في البحرين تحت اسم «متجر العلم الأخضر» لبيع الساعات وحقائب السفر وأطقم السفرة والأدوات المنزلية والمكتبية، والأشقاء عبدالرحمن وعثمان وأبوبكر جناحي الذين كان لهم متجر يبيع بضائع متنوعة قبل أن يتخصصوا في بيع الملابس والأحذية عبر متجر أطلقوا عليه اسم «متجر الجليل»، وجاسم بن حجي الذي كان أول من استورد الدراجات الهوائية وقطع غيارها إلى الخبر، والمرحوم «علي بن إبراهيم الجودر» الذي افتتح أول محل متخصص في بيع الأصواف الإنجليزية، وقد نافسه في هذه التجارة بحرينيون آخرون من آل محمود، والمرحوم محمد إسماعيل الذي بدأ مشواره بائعا لطوابع البريد على أرصفة شارع الملك خالد قبل أن يؤسس أول متجر لملابس الأطفال الرضع تحت اسم «لاكي ستور»، ونافسه في هذه التجارة بحريني آخر يدعى «محمد صالح محمد أمين هادي». ولا ننسى في سياق سرد الاسماء التجارية اللامعة، أحمد وعيسى الجلاهمة اللذين افتتحا أول محل في الخبر لبيع ادوات البناء والتشييد الثقيلة ومواطير المياه الكهربائية، ومحمد فخرو الذي كان من أوائل أصحاب المحلات المتخصصة في بيع الأجهزة الإلكترونية، ومحمد سليمان الشيخ الذي كان متجره (المتجر الوطني) مقصد الشباب لشراء آخر صيحات الملابس الأوروبية والأمريكية، قبل أن يدخل التاريخ كأول محل تجاري في الخبر يحترق عن بكرة أبيه بفعل ماس كهربائي، والمرحوم إسحاق عبدالرحيم الكوهجي صاحب «متجر الكوهجي» لبيع الساعات وحقائب السفر الفاخرة، والمرحوم راشد السيسي الذي كان من أوائل من تخصصوا في بيع مواد وعدد البناء الخفيفة. أما الحرفيون والمهنيون، الذين وفدوا من البحرين للعمل في الخبر ممن قدموا للجمهور خدمات لا يستهان بها في ظل تواضع المعارف والخبرات المحلية، وقلة العمالة الوافدة الماهرة، فأعدادهم لا تحصى. لكني أتذكر منهم عميدي الصحافة البحرينية الأستاذين محمود المردي وعلي سيار اللذين ساهما بعلمهما وخبرتهما في وضع اللبنات الأولى للعمل المصرفي من خلال عملهما في البنك البريطاني للشرق الأوسط ، ولا ننسى أيضا من خلفهما في المصرف نفسه كالمرحوم جاسم الشروقي، ومن زاملهما فيه كعبدالعزيز عاشير (بوفوزي). وفي مجال الترجمة والتعليق وإعداد البرامج التلفزيونية لصالح محطة تلفزيون الظهران برز المرحومان عيسى الجودر وأحمد العبسي، إضافة إلى آخر نصف بحريني ونصف قطري هو عبدالله الحسيني. وفي مجال تأسيس أوائل ورش النجارة برز بحرينيون من أمثال «هاشم الأنصاري»، وهو أول من أدخل المنشار الكهربائي إلى الخبر، وأول من أسس فيها مصنعا لتقطير المياه، وعبدالكريم خضر الذي أدخل اليها أول مثقب كهربائي، وعبدالله جعفر المرباطي وحبيل عبدالنبي رأسرماني صاحبا أفضل منجرتين لصناعة أثاث العرسان. كما لا ننسى المرحوم علي الأنصاري الذي عــُد أول شخص يفتح محلا لتصليح أجهزة الراديو والتلفزيون في الخبر، وكنا نراه منهمكا طوال النهار في العبث بتلك الأجهزة وتفكيكها، والمرحوم «عزيز محمد نور بستكي» الذي كان يمر على محلات التصوير ليجمع منها الصور الفوتوغرافية باللونين الأسود والأبيض من أجل أن يقضي جل ساعات الليل في تلوينها يدويا بريشته الماهرة وفنه الرفيع، و»محمود فقي» الذي عــُد أول مدرب قيادة، وكان يمتلك سيارة برتقالية اللون من نوع شفروليه 1956 يدرب عليها من يرغب مقابل مبلغ محدود وفي مواعيد هو يحددها، وفي أوقات فراغه كان يحول سيارته إلى تاكسي لكن من دون ان يـُبين ذلك للعلن لأنه كان مزاجيا ويريد انتقاء زبائنه بنفسه، وقد نافسه، كسائق أجرة، بحريني آخر هو «محمد شريف فلامرزي» الذي استطاع بأمانته وتحضره وأناقته وبشاشته أن يكسب ثقة شركة أرامكو، فوضعت الأخيرة شعارها على سيارته وصارت خدماته هي الأكثر طلبا من قبل الأسر الأجنبية العاملة في أرامكو وسواها. كما أن الفضل في إنشاء أول مقهى شعبي في الخبر لتوزيع الشاي على المحال التجارية، وبيع الوجبات لأصحاب الياقات الزرقاء، وتقديم «القدو»، يعود إلى البحريني «أحمد شاه». وهذا استثمر مدخراته، من بعد سنوات من العمل الشاق، في تأسيس فندق شعبي سماه «فندق البحرين»، الذي كان محطة لسكن كل البحرينيين العابرين للخبر في طريقهم إلى الحج أو زيارة الدول الخليجية الأخرى قبل إنشاء جسر الملك فهد. وكان هناك ميكانيكي سيارات بحريني يدعى عبدالستار أو «ستاري»، يميز نفسه بارتداء قبعة البيريه. وهذا الشخص، الذي تردد أنه ماركسي التوجه، ربما كان أول من يفتتح كراجا في الخبر لتصليح السيارات وسمكرتها. ومن أوائل من أدخلوا إلى الخبر خدمات نقل البضائع ما بين فرضتي الخبر والدمام وأسواقهما التجارية بواسطة شاحنات حديثة مخصصة لهذا الغرض المرحوم عبدالرحمن الشافعي والد الوكيل المساعد الأسبق في وزارة البلديات المهندس إسماعيل الشافعي. وقد كان انسانا ورعا ونموذجا في الامانة والانسانية، حتى أن أحدا لم يذكر اسمه قط إلا وعبارات الثناء تسبقه. ولا يكتمل حديثنا دون الإشارة إلى بحرينيين كثر ممن هاجروا إلى السعودية للعمل في شركة التابلاين، ككتبة ومترجمين وحراس وعمال صيانة وفنيي لحام، فكانوا ضمن الـ 16 ألف موظف من موظفي الشركة الذين مدوا أنابيب ضخمة وسط الصحاري القاحلة لنقل النفط الخام من حقل بقيق إلى ميناء صيدا اللبناني.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها