النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11184 الجمعة 22 نوفمبر 2019 الموافق 25 ربيع الأولى 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:38AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:46PM
  • العشاء
    6:16PM

كتاب الايام

هل نعتبر بما يخبرنا التاريخ؟!

رابط مختصر
العدد 8691 الجمعة 25 يناير 2013 الموافق 13 ربيع الأول 1434

سنصاب بالهلع لو أننا وقفنا عند أعداد من نفترضهم أعداء لنا وأحصيناهم اتكاء على خزيننا الثقافي أو وفقا لرؤى السياسة والدين وانعكاساتهما الإيديولوجية في المجتمع منذ بواكير مرحلة الاستقلال وتبلور الفكر القومي الذي كان ظهوره وتبوؤه سنام قيادة حركة النضال وتأطيره قوى المجتمع في بوتقة النضال الوطني ضد المستعمر في ذاك الوقت حاجة ماسة فرضتها عوامل داخلية ذات امتدادات تاريخية وثقافية وحضارية جعلت هذا الخط الفكري المقابل الصراعي المضاد لهوية المستعمر الأجنبي. ومع التسليم بريادة الفكر القومي- بمعاضدات من اليسار وخصوصا الماركسي تحديدا- فإن ذلك الدور التاريخي استنفد مهماته التحريرية وصار لزاما عليه المحافظة على مصالحه واستمرار بقائه - ولن يكون ذلك ميسرا في سياق التطور النوعي للمجتمعات العربية بفضل التعليم - دون إيهام الشعوب بأن هناك دائما عدوا متربصا به في كل المنعطفات التاريخية، وما أكثر مصادمات العرب التاريخية التي هي المعين الموضوعي لضخ التأييد المرجو من شعوب أريد لها أن تصطنع من الساسة الجدد عناتر وأبطالا كادوا يصيرون من أبطال الأساطير لولا أننا نعايشهم ونعاينهم ونعانيهم!! أحسب شخصيا أن سؤالا من قبيل: «أليست السياسة من حيث هي فن وعلم واحتراف تنبئنا بأنه لا يوجد أعداء دائمون ولا أصدقاء دائمون؟» وارد طرحه في هذا السياق. ولكن وعلى الرغم من أن هناك فعلا كما يحلو لأرباب الفكر القومي أن يشيعوا أعداء تاريخيين كما أن هناك أيضا أصدقاء تاريخيين، فإن ذلك يحدث ضمن انزياحات المصالح وتبدلها، ووفق هبوب تيارات التغيير في المواقف والتحالفات محلية كانت أو إقليمية أو كونية، فيغدو التاريخي وصفا زمانيا منزوعة منه صفة الاستمرارية والأزلية، وهما الصفتان اللتان تكادان تحاصران العربي وتخنقانه في محيط من العلاقات البينية والعالمية العدائية. ومن اليسير أن نتفحص سجل التاريخ لنقف على كثرة أعدائنا، وأننا إن فعلنا ذلك فسنجد على مستوى السياسة المنحدرة من الخلفية القومية الدينية إسرائيل في أول القائمة، وليس في ذلك خلاف، وإن ذهب كل منا مذهبه في واقعية عقد اتفاقات صلح معها تتبعها أو تصاحبها ومن منطلقات سياسية صرفة الولايات المتحدة الأمريكية التي تعدم الرؤية الصحيحة حتى الآن لتكون مقبولة لدى شعوب البلدان العربية على الرغم من أن الذي تفعله لحماية مصالحها يصب أحيانا كثيرة في مصلحة الشعوب العربية مثل تحرير الكويت من غزو صدام حسين وتحرير العراق من طغيانه، ثم تليها بعد ذلك، وبغض النظر عن مستوى العلاقة التي نشأت من بعدها، كل الدول التي كانت يوما مستعمرة لنا، فهل أننا مقبلون على معاداة أوروبا بأكملها لأنها كانت يوما ما مستعمرة لنا أو لأنها شنت حروبا صليبية غدت في حكم التاريخ أو لأنها ولأسباب خاصة تسندها رؤية فلسفية وفكرية تقف معاضدة لإسرائيل؟ أم اننا بصدد مراجعة ثوابتنا وإعادة النظر في مواقفنا التي تكرست في ظروف ومناخات دولية مغايرة؟ والسؤال المنتصب أمامنا وينشر من حوله هالات من العتمة هو «هل لا تزال الحاجة قائمة ليتسيد فيها الفكران القومي والديني ويقودان لاعبيْن دورهما القديم في تقرير اتجاهات الحياة السياسية وضبط إيقاعاتها وفقا لما تمليه عليهما مصالحهما وانتفاعاتهما المتناقضة مع مصالح الشرائح الاجتماعية العريضة في المجتمعات العربية التي طال أنينها تحت وطأة الفقر والأمية وذلك تحت ذرائع شتى يأتي على رأسها التصدي لمؤامرات الأعداء؟» هذا الشعار القديم الجديد الذي ما إن يصعد أحد الفكرين أو كليهما إلى السلطة إلا واستُخدِم ذريعة لاستمرار الهيمنة وتأبيدها. إن الإجابة عن هذا التساؤل، رغم فداحة نتائج هذا التسيّد والقيادة، تغدو سهلة إذا ما تتبعنا سيرة كافة النظم السياسية التي يحلو لها التغني بالجمهورية اسما لنظامها، وهي أن المسؤولية تقع، تاريخيا، على عاتق من صعد على صهوة القيادة وركب أمواج معاناة بسطاء الناس لتبشيرهم بغد خال من الاستغلال.. ولكن أي استغلال؟ هو ذلك الاستغلال العابر للقارات فقط، وليس الاستغلال الموسوم بختم محلي لأنه ضريبة واجبة السداد للدفاع عن الهوية والدين!، وليس على المواطن العربي إلا أن يذعن ويرفع ذراعيه داعيا ربه أن يسدد خطى رؤسائه وينعم عليهم بموفور الصحة لفضح مؤامرات أعداء الأمة العربية الواحدة ذات الرسالة الخالدة. وكما أن للسياسة، كوسيلة، دورا في مراكمة الأعداء وسد أفق المستقبل لإقامة علاقات إنسانية متكافئة، فإن للدين، للأسف، دورا آخر معاضدا، خصوصا مع ظهور تيارات الإسلام السياسي بشتى تموجاتها. وإذا كان الاقتراب من السياسة وتحديد مسؤوليتها في تردي العلاقات العربية مع الآخر أمرا تسهل مهمته مقارنة بالدين، فإننا نستطيع إيجاز القول في الدين ودوره بأن فيه، وهذا ما يجب أن يكون، مداخل متعددة للتقرب إلى الله مع كامل الحق لأتباع كل دين في الاعتقاد في صحة مدخلهم إليه، ومتى ما اعترف صاحب كل دين بذلك تتهاوى صروح العصبية لصالح التعايش والبناء الذي هو جوهر الوجود البشري. ولكن هل نحن نملك من التسامح وقبول الآخر المختلف ما يكفي لنتيح له تحري مدخله؟! فعلى مستوى الدين فإن العرب، وتيارات الإسلام السياسي تحديدا، حاذقون في ترتيب مستويات العداوة فَفَصَلوا أصحاب الديانات غير السماوية عن غيرهم وخصوهم بمستوى متقدم من العداوة، مما عقّد مهمة العربي المسلم، المبتلى بقياداته السياسية والدينية، في إقامة علاقات سوية مع الآخر يظللها التسامح والحوار فمن هو المسؤول عن ذلك؟ وفق معطيات الراهن العربي أعتقد شخصيا بأن لا الفكر القومي ولا الفكر الديني ولا اليساري، ولا حتى أي عفريت أزرق لوحده يستطيع أن يفرض سلطته المطلقة على أي مجتمع، ذلك أن مهمة الإمساك بالسلطة وتسيير شؤون المجتمع أمر يأتي وفق الفاعلية الديمقراطية وحدودها التي ينبغي أن توحد هذا الشتات على مستوى كل دولة على حدة من دون أن تشطح إلى مد فكرها إلى الحدود التي انتهى على أعتابها كثيرون من قبل. يقول ابن خلدون «التاريخ في ظاهره لا يزيد عن الإخبار، وفي باطنه نظر وتحقيق.» فهل نعتبر بما يخبرنا التاريخ؟!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا