النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11703 الجمعة 23 ابريل 2021 الموافق 11 رمضان 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:44AM
  • الظهر
    11:36AM
  • العصر
    3:07PM
  • المغرب
    6:05PM
  • العشاء
    7:35PM

كتاب الايام

زمـــــن الخـــــــــــــط، والنشــــــــــــــيد

رابط مختصر
العدد 8691 الجمعة 25 يناير 2013 الموافق 13 ربيع الأول 1434

مادتان دراسيتان أكاد أجزم أنهما اختفتا اليوم من المقررات الدراسية، بعد أن كان لهما في الماضي دور مؤثر، وشكلتا عامل جمال وتهذيب للنفوس. الأولى هي مادة «الخط» التي كانت تدرس ضمن منهج اللغة العربية، وكان الغرض منها تقويم أي اعوجاج في الكتابة اليدوية السليمة، ناهيك عن تعريف المتلقي بأهمية تشكيل الحروف تشكيلا صحيحا في حالات معينة. كان مدرس الخط (أيام لـّول) يدخل الصف فيتوجه رأسا نحو السبورة السوداء ليخط فوقها بالطبشور الأبيض أو الملون، وبطريقة أنيقة، بيت شعر أو حكمة من الحكم أو قولا مأثورا، ثم يأمر طلابه بنسخ ما كتبه في كراريسهم، شارحا لهم الفرق بين خط الرقعة وخط النسخ، أو الفرق بين الكوفي والفارسي والديواني وسواها من أنواع الخطوط. وبغياب هذه المادة من مقرراتنا الدراسية، ومع الاختفاء التدريجي لكراريس وكتب التدريب على الخط الجميل والتعرف على قواعده، صار طلبتنا لا يميزون انواع الخطوط المختلفة ويمزجون بينها، أثناء الكتابة اليدوية مزجا غريبا، فضلا عن تحول خطوطهم إلى ما يشبه الخرابيش أو الألغاز. فمثلا تجد أحدهم يكتب الحروف وفق قواعد خط النسخ، لكنه يتحول إلى قواعد خط الرقعة عند وضع نقاط الحروف، فيضع الشرْطــَة بدلا من النقطتين. وتجد آخر يكتب بطريقة لا يمكن معها التمييز بين الغين والفاء. أما المادة الثانية التي اختفت من مناهجنا في المستويات الدراسية فهي مادة النشيد التي كانت تـُدّرس في المرحلة الابتدائية، وكان الغرض منها تلقين الطالب مختارات من الأناشيد العربية المـُلهبة للحماس او الباعثة على الاعتزاز بالوطن وترابه وسيادته وقيمه. حيث كان المدرس يختار لطلبته عددا من الأناشيد الحماسية ويجبرهم على حفظها عن ظهر قلب، وترديدها وفق إيقاعات موسيقية منظمة وجميلة. ومن رحم هذه المادة خرجت فرق الاناشيد المدرسية التي كانت تصدح في المناسبات المدرسية السنوية أو في المناسبات الخاصة أو أثناء طوابير الصباح قبل دخول الطلبة إلى صفوفهم بأجمل الاناشيد بمصاحبة فرقة موسيقى الكشافة، فتثير في الأنفس قيم العزة والكرامة، وتزرع فيها حب الوطنين الصغير والكبير، وتبشرها بالحرية والوحدة والنهضة والريادة. ومن بين الأناشيد التي حفظناها ورددناها زمنا في الخمسينات والستينات من القرن الماضي، ومازالت مسكونة في نفوسنا لاتفارقها رغم تقادم السنين: نشيد «موطني» من نظم «إبراهيم طوقان» وألحان «الأخوين فليفل» والذي صار نشيدا وطنيا مؤقتا لعراق ما بعد صدام حسين، ونشيد «الله أكبر فوق كيد المعتدي» من أداء المجموعة وكلمات عبدالله شمس الدين وألحان الموسيقار محمود الشريف، وكان قد انتشر على نطاق واسع أثناء وبعد العدوان الثلاثي على بورسعيد في عام 1956 ، وقبل أن يتخذه نظام معمر القذافي نشيدا وطنيا لليبيا، ونشيد «بلاد العرب أوطاني من الشام لبغدان، ومن نجد إلى يمن إلى مصر فتطوان» من كلمات «فخري البارودي» وألحان «الأخوين فليفل»، ونشيد «حماة الديارعليكم سلام، أبت أنْ تذل النفوس الكرام» من كلمات «خليل مردم بك» وألحان «الأخوين فليفل» أيضا، وهو النشيد الذي صار نشيدا للجيش السوري يوما كان جيشا يدافع عن تراب الوطن وليس جيشا يدافع عن عصابات آل الأسد، ثم صار نشيدا وطنيا لسوريا باستثناء فترة الوحدة المصرية السورية. ولا ننسى في هذا السياق نشيدا آخر كان له وقع كبير في نفوسنا أثناء حرب التحرير الجزائرية ألا وهو نشيد «عليك مني السلام ياأرض أجدادي، ففيك طاب المقام وطاب إنشادي» من كلمات « إبن باديس الجزائري» وألحان «الأخوين فليفل» اللذين تخصصا في تلحين الاناشيد الوطنية والحماسية رغم كل ما تعرضا له من مضايقات. والحال أنه باختفاء مادتي الخط والنشيد من مقرراتنا المدرسية لم يعد القبح يتلبس خطوط أبنائنا وبناتنا (إلا فيما ندر) فحسب، وإنما تراجع الحماس والفخر بالوطن والإيمان بقيمه العليا أيضا. ومع ظهور التكنولوجيات الحديثة وعلى رأسها الطابعات الكمبيوترية غرق طلبتنا أكثر فأكثر في بحور اللااكتراث بتقويم خطوطهم وتعلم القواعد الصحيحة للخط والإملاء ومعهما النحو أيضا، لأن الطابعات الكمبيوترية صارت تقوم بالدور المطلوب على أكمل وجه بمجرد ضغط زر صغير بعد الانتهاء من كتابة بحث أو مقال أو رسالة كيفما كان. ومن الأمور الأخرى في سياق ما نتحدث عنه هو أن المقررات المدرسية في بعض الدول الخليجية المجاورة مثل الشقيقة السعودية التي درستُ المرحلة الإعدادية في إحدى مدارسها النموذجية، اشتملت على مواد أشك أنها كانت تدرس في بقية البلاد العربية، دعك من دول الخليج. من هذه المواد، التي اختفت اليوم من المقررات السعودية نفسها، مادة «تنسيق الحدائق» وكان الغرض من تدريسها بعث روح الجمال والترتيب في نفوس الناشئة وترغيبهم في الاهتمام بالزراعة وتكوين حدائقهم المنزلية، ومادة «النجارة» التي استهدفت تشجيع الطلبة على هواية صناعة المجسمات الخشبية وبعض الأدوات المنزلية كالأرفف والطاولات والمقاعد وسلال المهملات من أجل توفيرها للبيوت التي كانت تخلو منها بسبب الفاقة أو انخفاض مداخيل أصحابها، وأخيرا مادة «الآلة الكاتبة» التي كانت تستهوي الكثيرين لأنها كانت تعلمهم وتدربهم على الضرب على الآلة الكاتبة باللغتين العربية والإنجليزية، وبالتالي كانت تتيح لهم فرصا أفضل للتوظف في الفنادق والمستشفيات والشركات والمحال التجارية أثناء عطلة الصيف الطويلة، وتوفير بعض المال للإنفاق على تجديد الملابس أو شراء دراجة جديدة او أشياء شخصية أخرى لم يكن بمقدور أرباب الأسر وقتذاك توفيرها لأبنائهم بسبب ضيق الحال وقلة الحيلة. رحم الله مادتي الخط والنشيد، وحمدا لله أن مادة الإملاء لم تلغ من مناهجنا، وإلا كانت الأخطاء الإملائية لأجيالنا الجديدة أكثر وبالا وجسامة وفضيحة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها