النسخة الورقية
العدد 11154 الأربعاء 23 أكتوبر 2019 الموافق 23 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:21AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:37PM
  • المغرب
    5:03PM
  • العشاء
    6:33PM

كتاب الايام

«الحوار» استراتيجية لا تستغني عن التكتيكات

رابط مختصر
العدد 8690 الخميس 24 يناير 2013 الموافق 12 ربيع الأول 1434

«بتوجيه سامٍ من صاحب الجلالة عاهل البلاد حفظه الله، يتوجه وزير العدل والشؤون الإسلامية والأوقاف بدعوة ممثلي الجمعيات السياسية والمستقلين من مكونات المجتمع السياسي في البحرين لاستكمال حوار التوافق الوطني في المحور السياسي في الأمور التي يتم التوافق عليها في جدول الأعمال من الأمور العالقة، للبناء على ما تم التوافق عليه من أجل الوصول إلى مزيد من التوافق الوطني في ذلك المحور. ويأتي ذلك تأكيداً لما ورد في الخطابات الرسمية من أن باب الحوار الوطني الهادف والجاد لم ولن يقفل ما دامت فيه مصلحة الوطن والمواطنين». ذلك كان النص الذي بثته وكالة أنباء البحرين بشأن الدعوة للحوار، في إشارة واضحة إلى أنها دعوة من جلالة الملك. وهو أيضا ما أكدته وزيرة الدولة لشؤون الاعلام المتحدث الرسمي باسم الحكومة سميرة رجب، في تصريح خصت به تلفزيون البحرين، حيث قالت «إن دعوة ممثلي الجمعيات السياسية والمستقلين من مكونات المجتمع السياسي في البحرين لاستكمال حوار التوافق الوطني في المحور السياسي، هي دعوة مباشرة من عاهل البلاد حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة للجلوس على طاولة الحوار لكل الاطراف السياسية في البحرين للوصول الى التوافق النهائي». إذا فالدعوة للحوار هي حقنة استراتيجية أكد من خلالها صاحب المشروع الإصلاحي عزمه على ضخ دماء جديدة في ذلك المشروع، لتجديد شبابه، ومده بطاقات هو في أمس الحاجة لها كي يكمل المسيرة. لكن الرؤية الاستراتيجية الطويلة المدى، لا تستغني عن تفعيلات تكتيكية يومية تجسد تلك الرؤية، وتعزز وجودها. ولا شك أن دورات الحوارات المعلنة وغير المعلنة التي عرفتها البحرين خلال العامين المنصرمين كانت بمثابة التكتيكات المتكررة التي أمنت استمرار الحيوية في جسد ذلك المشروع الإصلاحي. من هنا، ولكي تأتي جلسات الحوار القادم، بوصف كونه أحد التكتيكات الضرورية لاستمرار المسيرة الإصلاحية، والملبية لتلك الاستراتيجية ومتكاملة معها لا بد من توفر شروط صحية سليمة تساعد المتحاورين على تجاوز ما هم عليه مختلفين، والوصول إلى ما هم إليه يطمحون. أول تلك الشروط وأكثرها أهمية هي وجود الثقة المتبادلة بين المتحاورين إلى درجة عالية تصل إلى اقتناع أطراف الحوار بحاجة كل منهم إلى الآخر، بشكل صادق، وحرصهم جميعا على تجاوز العقبات بشكل مشترك، وبأقل التضحيات الممكنة. هذه القناعة التي نتحدث عنها تختلف كليا عن تلك الشعارات التي يرددها البعض لكسب الشارع، بل ربما في بعض الأحيان تأتي مخالفة لها. كل ذلك يقتضي اقتناع المتحاورين بأن الحوار، وليس أي طريق آخر سواه، هو الوسيلة التي في وسعها انتشال البلاد من المأزق الذي تعيشه، أو الأزمة الخانقة المتربصة بها. ثاني تلك الشروط هو استعداد جميع الأطراف المتحاورة لتقديم بعض التنازلات الضرورية التي بدونها لن تدور عجلة الحوار، فدوامة العمل السياسي، وضغوطات شارعه، ترفع من سقف الصراعات التي يأتي الحوار كي يخفض منها إلى ما يشكل الحد الأدنى الذي يكفل تعاون الجميع للانطلاق مجددا إلى ما هو أعلى. هنا ينبغي التشديد على ضرورة تمييز المتحاورين بين ما هو تنازل، وذلك الذي يصنف على أنه هزيمة. ثالث تلك الشروط، هو الحرص على عدم نفي الآخر، بل والقبول به شريكا حقيقيا في مسيرة الإصلاح السياسي. فليس من حق أي من أطراف الحوار الادعاء بأنه «يمثل الشعب»، و«المدافع الوحيد عن حقوقه»، معتمدا في ذلك على تسيير مظاهرة هنا أو مسيرة هناك. فطالما قبل المتحاورون بالجلوس إلى طاولة الحوار، ليس أمامهم من خيار سوى قبول بعضهم بالبعض الآخر، ووضع الجميع على قدم المساواة في الحديث عن الأوضاع، والاجتهاد في اقتراح الحلول المناسبة لمعالجتها. رابع تلك الشروط هو التخلي عن فكرة توجيه ضربة قاضية للطرف الآخر، فالحوار ليس حلبة للملاكمة، بقدر ما هو حاضنة وطنية تحاول أن تنزع صواعق الخلافات، وتزرع مكانها صمامات أمان الرغبة الصادقة في الوصول إلى ما يمكن أن يشكل الحد الأدنى المشترك بين المتخاصمين. هذا يقتضي أن يتحلى من سيجلس إلى طاولة الحوار بالبحث عما هو متفق عليه، قبل إبراز ما هو مختلف حوله. خامس تلك الشروط هو الحرص، خلال جلسات الحوار، على إبعاد موضوعاته عن الشارع السياسي، بمعنى عدم الاستعانة بالشارع لانتزاع مكاسب، ففي ذلك إخلال بقوانين الحوار وأصوله. وبالقدر ذاته ينبغي تحاشي اخضاع الحوار ونقاشاته لضغوط ذلك الشارع ومتطلباته. سادس تلك الشروط هو الاقتناع بأن جلسات الحوار ليست سوى خطوة واحدة في مشوار مشروع إصلاحي طويل، لا يمكن تحقيق طموحاته في جلسة أو حتى في عدة جلسات، ومن ثم فمن المنطقي والمطلوب أيضا أن يركز المتحاورون على أهم قضايا الخلاف المفصلية التي وقفت عقبة أمام تطور مسيرة المشروع الإصلاحي الذي دشنه جلالة الملك. سابع تلك الشروط هو حجب الحوار وما يدور في أروقته عن الإعلام وصخبه. ليس المطلوب هنا إدارة الحوار في غرف مغلقة موصودة الأبواب، تخفي كل شيء عن المواطن، لكن وبالقدر ذاته، ليس من مقومات نجاح أي حوار وضعه تحت المجهر الإعلامي، وعلى وجه الخصوص الدولي منه، المتلهف للإثارة، حتى وإن كانت على حساب مبادئ الحوار، وضد أهدافه.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها