النسخة الورقية
العدد 11025 الأحد 16 يونيو 2019 الموافق 13 شوال 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:15AM
  • الظهر
    11:38PM
  • العصر
    3:04PM
  • المغرب
    6:32PM
  • العشاء
    8:02PM

كتاب الايام

القول الفيصل فيما قاله «الفيصل»

رابط مختصر
العدد 8688 الثلاثاء 22 يناير 2013 الموافق 10 ربيع الأول 1434

«شهد عالمنا العربي خلال العامين المنصرمين عدداً من المتغيرات والتحديات على الرغم من أنها اتخذت أشكالاً سياسيةً في ظاهرها، إلا أن مسبباتها الحقيقية لا يمكن أن تخطئها العين بأي حال من الأحوال، إذ لا يمكن إغفال جوانبها التنموية أو تجاهل الطموحات التي تتطلع إليها شعوبنا العربية وآمالها نحو حاضر مشرق ومستقبل مزدهر.. من هذا المنطلق فإنه لا ينبغي أن يكون اجتماعنا هذا تقليدياً لأنه يعالج أهم الموضوعات والقضايا الرئيسة التي تلامس حياة شعوبنا مما يتطلب معه الارتقاء بقراراتنا إلى مستوى تطلعات شعوبنا وقياداتنا.. أن التعامل مع التنمية الاقتصادية والاجتماعية في العالم العربي، يتطلب معالجتها من منظور شامل يغطي جميع جوانبها مما يحتم على العرب تفعيل ومتابعة مسيرة التكامل الاقتصادي العربي والمراجعة الشاملة والدقيقة لما سبق اتخاذه من قرارات في القمتين السابقتين، لتكون منطلقاً أساسياً للمضي في البناء وتحقيق الأهداف المنشودة». هذا مقطع مجتزأ من كلمة ليست بالقصيرة، خاطب فيها وزير الخارجية السعودية سعود الفيصل نظراءه من وزراء الخارجية العرب في افتتاح اجتماع وزراء الخارجية قبيل انعقاد الدورة الثالثة لمؤتمر القمة العربية الاقتصادية والتنموية والاجتماعية في الرياض. في هذه الكلمات التي يبدو أنها اختيرت بعناية، لخّص الفيصل جوهر الأسباب التي أدت إلى الأحداث التي عرقتها المنطقة العربية على امتداد العامين الماضيين، وأخذت اسم «الربيع العربي». شخّص الفيصل أسباب المرض ومصادره، وليس أعراضه وشكلياته، وحصره في سببه الأساس وغياب التنمية، وعدم الإصغاء لطموحات الشعوب. وحدد سبل العلاج عندما ناشد الاجتماع بضرورة «الارتقاء بالقرارات كي تصل إلى مستوى الطموحات الشعوب والقادة على حد سواء». وكما أن علم الطب يقول إن أول خطوات العلاج، تبدأ حين يصح التشخيص. كذلك الأمر عند الرغبة في إصلاح المجتمع وتخليصه من أمراضه. فأول الخطوات على طريق الإصلاح تبدأ بتحديد مكامن الخلل في آليات التنمية في ذلك المجتمع. وهذا ما جاء في كلمة الفيصل، التي أكدت على أن غياب مشروعات التنمية الصالحة من جدول أعمال الأنظمة العربية الحاكمة، كان هو السبب الأساس وراء تلك الأحداث التي شهدتها المنطقة العربية على امتداد العامين الماضيين. وإن جاز لنا قراءة ما بين سطور كلمة الفيصل، فبوسعنا القول إنه كان يوجه اللوم إلى الأنظمة العربية التي غابت عن ناظريها الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي كانت تعاني منها شعوبها ليس بسبب ندرة الموارد البشرية الكفُؤة، ولا شحة مصادر الثروات الطبيعية، وإنما جراء التخبط التنموي الذي ضاعف من سلبياته زواجه الكاثوليكي بالفساد الإداري، بما يعني ذلك الفساد من عبث في المال العام، واهدار للثروات الوطنية. ولا يترك الفيصل في كلمته الأمور على عواهنها، ويكتفي بالإشارة إلى أسباب تردي الأوضاع العربية التي قادت إلى ما عرفناه خلال السنتين الماضيتين، بل يسارع إلى الإشارة نحو الدواء الناجح، والعلاج الشافي، فيؤكد مرة أخرى أن المعالجة، كي تكون ناجحة، ينبغي لها أن تتجاوز حدود المداخل التقليدية إن هي أرادت ان تصل «إلى مستوى تطلعات شعوبنا وقياداتنا». بهذا يلمح الفيصل، وبشكل واضح إلى ثورة الاتصالات والمعلومات التي عمت العالم، وعصفت بالكثير من قيمه الراسخة، وأطاحت بثوابته، بعد أن استبدلتها بقيمها ومقاييسها التي جلبتها معها، بوتيرة سريعة تجاوزت ذهنيات من توهم أنه نجح في استيعابها. ويضع الفيصل القمة العربية الاقتصادية والتنموية والاجتماعية أمام تحدٍ حقيقي عندما يطالبها بمعالجة معضلات التنمية «من منظور شامل يغطي جميع جوانبها مما يحتم على العرب تفعيل ومتابعة مسيرة التكامل الاقتصادي»، فالشمولية، لا تعني، كما يراها الفيصل إغداق الأموال على مشروع معين من أجل التفاخر به، وإهمال مشروعات أخرى لا تقل أهمية عنه، ومن ثم فهي خطة شاملة متكاملة تأخذ بالحسبان حتى الجوانب الصحية، التي قد يقلل البعض منا أهميتها. ولذلك وجدنا الفيصل يستعين، في إطار دعوته للتنمية الشاملة بـ «إحصاءات منظمة الصحة العالمية لعام 2010، التي توضح أن الوفيات الناجمة عن الأمراض غير المعدية راوحت نسبتها في الدول العربية بين 27 في المائة و84 في المائة من إجمالي الوفيات». ملمحاً إلى استحالة نجاح تنمية سليمة على أيدي شعوب تنهش نسبة عالية من سكانها الأمراض الفتاكة». أمام مؤتمر القمة العربية الاقتصادية والتنموية والاجتماعية تحدٍ حقيقي، ولكنه أيضا فرصة تاريخية لن تتكرر إن هي أرادت أن تخرج المنطقة العربية من الكثير من المآزق التي تعاني منها. فوقفة جادة، ومصارحة ذاتية مع النفس، تكفي لأن تلهم القادة العرب بما ينبغي عليهم القيام به، إن هم أرادوا أن يأخذوا بيد المنطقة العربية في طريق إصلاح سلمي شامل، يوفر على الجميع تضحيات جسام في الأرواح والأموال. التنمية التي يطالب بها الفيصل، ربما تقلص نسبة ضئيلة من عناصر النفوذ التي بحوزة القوى الحاكمة، ومن الطبيعي أن تقنن أوجه استحواذها على المال العام، لكنها في نهاية المطاف، تشكل صمامات أمان قادرة على إطالة أعمار حكم تلك القوى، وترسيخ أسس علاقة صراع سلمي حضاري بينها وبين من يعارضها. لقد قال الفيصل كلمته، ومنطق تطور الأمور في المنطقة العربية، يقول انها كلمة فصل ينبغي التوقف عندها وقراءتها بشكل متمعن، فهي تصدر من فم شخص خبير بشؤون الأمة، وعلى اطلاع ببواطن أمورها.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها