النسخة الورقية
العدد 11120 الخميس 19 سبتمبر 2019 الموافق 20 محرم 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:05AM
  • الظهر
    11:32AM
  • العصر
    2:59PM
  • المغرب
    5:38PM
  • العشاء
    7:08PM

كتاب الايام

بالقلم الرصاص

ريــــــاض الأطفــــــــــال!!

رابط مختصر
العدد 8687 الإثنين 21 يناير 2013 الموافق 9 ربيع الأول 1434

من الحقائق التربوية البديهية التي يجمع عليها كل مهتم بقطاع التربية والتعليم ولا يرقى إليها الشك أن التربية كانت ولا تزال مسؤولية أسرية ومجتمعية قبل أن توكل إلى مؤسسة تربوية أنشأها الناس، وتراضت المجتمعات البشرية على تسميتها بالمدرسة. إن هذه الحقيقة تتجاوز في بداهتها حدود المختصين التربويين لتشمل الناس جميعهم وتكون من ثم بمثابة القانون الضمني الملزم للجميع إلزاما أدنى تجلياته حرص جمعي على تيسير أدوار المدرسة في عملية التربية وصولا إلى تعليم منتج، وسعي موجه من المختصين التربويين إلى توظيف مختلف وسائل الاتصال بالناس لتمرير عناصر هذه الحقيقة التربوية الحاسمة في نحت كيان المتعلم رأسِ المال الأبقى لكل مجتمع حتى يشمل الوعي بأهمية هذه الحقيقة كل أفراد المجتمع فيساهموا كل بطريقته في بناء مجتمع التربية والتعلم. لقد أضحت التربية ضرورة وأساسا لحدوث التعلم، فصارت كثير من وزارات الدول تقرن التعليم بالتربية، ومن ضمنها وزارة التربية والتعليم في مملكة البحرين التي أدركت الدولة حقيقة أدوارها وحجم التحديات الملقاة على عاتقها فأوكلت إليها مهمتي التربية والتعليم، وهما مهمتان متعالقتان تعالقا منطقيا يكاد لفرط بداهة الصلة القائمة بين طرفيه يكون طبيعيا، فلا فكاك لأحد مكونيه عن الآخر، إذ هما كوجهي الورقة الواحدة يتكاملان ليشكلا معا عنوان رأس المال الثقافي والحضاري والمعرفي والرمزي الذي استودعته المجموعة الوطنية مدارسها ومن ثم الوزارة المديرة لهذه المدارس، أي وزارة التربية والتعليم. من أجل هذا نرى قيادات وزارة التربية والتعليم في مملكة البحرين وعلى رأسها الوزير الدكتور ماجد النعيمي يولون اهتماما بالغا لمسألة التلازم بين التربية والتعليم، إذ لا تطور إلا من خلال سير عملية التربية بالتوازي مع عملية التعليم والتعلم. لقد استفاد حقل التربية والتعليم من العلوم كلها، لتنشأ في ضوء ذلك يقينيات علمية كثيرة من بينها أن تربية الطفل تبدأ فعلا مؤثرا ذا نتائج إيجابية فيه منذ بداية تشكل هذا الطفل جنينا في بطن أمه، بل ان بعضهم يذهب إلى القول إن تربية الطفل تبدأ حين يفكر الإنسان في الإنجاب وإنه لمن الخطأ أن ينتظر الوالدان ريثما يولد الطفل حتى يفكرا في تربيته، إذ عندها يكون الوقت متأخرا! ولهذا ترى أن المجتمعات الإنسانية تولي أهمية خاصة للاعتناء بالناشئة وتربيتها بدنيا ومعرفيا لتحصل على أجيال قادرة على صون مكتسباتها، محافظة على وجودها وكيانها، متناقلة لتراثها من جيل إلى جيل في سعة وأريحية تفرض وجوبها مساحة التسامح والاحترام المتبادل بين المكونات الاجتماعية المختلفة. وصونا لمختلف مكتسبات المجتمع ومحافظة على وجود المجموعة الاجتماعي وحرصا على ما ينبغي أن يكون عليه الطفل عنوان المستقبل ورأس المال الأبقى من سلامة البدن والعقل والكيان، أنشأت المجتمعات المدارس وأوكلت إليها مهمة التربية والتعليم. وقد تطورت هذه المنظومة التربوية في ضوء معطيات حضارية واقتصادية وفلسفية وعلمية متنوعة قادت بعض دول أوروبا وأمريكا في نهاية القرن التاسع عشر إلى تأسيس مرحلة رياض الأطفال التي أصبحت بدءا من أطوار التأسيس تلك حتى أيامنا هذه عنوانا تربويا تعليميا يتعهد الطفل من سن الثالثة حتى السادسة بالرعاية ويقدم له الخبرات التعليمية التي تهيئه للالتحاق بالمدرسة بما يتناسب مع قدراته. إلا أن المُلاحظ لهذا الطور التربوي التعليمي له أن يدرك أنه مرحلة نظامية في بلاد وغير نظامية في بلاد أخرى، وهو في اعتقادي تفاوت دال على طبيعة الفلسفة التربوية المسيرة للفعل التربوي التعليمي في كل بلاد من تلك البلدان سواء فيها من رأت في الإلزام وضعا قانونيا طبيعيا حاضنا لمرحلة رياض الأطفال أو تلك التي اختارت نهج الإباحة وقيدت الإلزام بالتعليم النظامي فحسب. لكن في الحالين ظلت فلسفة التعليم في رياض الأطفال معمولا بها كما رأى «فريدريك فروبل»، الذي أنشأ أول روضة أطفال في ألمانيا عام 1838م، وهو أن اللعب والرسم والتلوين وقص الورق وعمل النماذج من الطين، إلى جانب الاهتمام بالغناء والمرح، أهم ما ينبغي أن يوفر للأطفال في رياضهم. كانت هذه مقدمة أحسبها مهمة، وإن طالت، للدخول في موضوع حدثنا عنه زائر من دولة خليجية شقيقة مختص في الإشراف على رياض الأطفال. حدث هذا الزائر، قال: «إن لديهم هناك في بعض من مؤسسات التعليم قبل المدرسي ممارسات يعجب من دوافعها، وهذه الممارسات تغوص في وحل المذهبية، وتهبط بتربية الأطفال إلى أدنى مستوى يحرض على كراهية الآخر، ويؤسس لانبثاق ثقافتين متناحرتين في مجتمع بقي طوال عهده مجتمعا واحدا متحابا». لقد هالني ما سمعت من هذا الصديق خاصة بعد أن روى لي قصصا مخيفة رأيت فيها تأثيرا ماحقا شديد الوطأة على المجتمع ليس الآن واليوم فحسب وإنما غدا لمّا يكبر هؤلاء الأطفال ليكونوا أعضاء فاعلين في المجتمع. بعد أن أنهى الزائر حديثه الموجع، سألني «هل تواجهون هنا في البحرين مثل هذه المشاكل؟» قلت، بعد تمهل قليل قبل الإجابة عن سؤاله: «تعرف أننا في إدارة المناهج بعيدون بعض الشيء عما يمكن أن يحدث حتى يتسنى لنا معرفته على الفور، لكن الأكيد أن ممارسات من هذا القبيل قد تحصل، غير أن ما يطمئن المواطن البحريني هو سلامة المنهجية التي تتبعها وزارة التربية والتعليم في إدارة الشأن التربوي، وحصافة التوجيهات المسيرة لقطاع التعليم ما قبل المدرسي، وهي في رأيي توجيهات نابعة من قلق حقيقي لدى وزير التربية والتعليم، وحرص شخصي من سعادته على النأي بهذه المرحلة التربوية الحساسة عن مغامرات محترفي أسر العمل التربوي في قيود الذاتية المفضية إلى العقائدية. نكأ الزائر الكريم جراحا لينثال ألم ذكرى الأطفال الذين تلاعب بمشاعرهم أناس أضاعوا طريق النضال السياسي في طائفية مذهبيتهم المنقولة لنا من الجوار الإيراني والعراقي بدعم لوجستي من حزب الله، وأعاد لي مشاهد مما حدث في الرابع عشر من فبراير، مشاهد تلك الباصات بل و»السكسويلات» التي كانت تشكل خطرا داهما على حياة الأطفال وهي تقلهم، من دون علم حتى لا أقول رضا أهاليهم، من رياض الأطفال ومن المدارس إلى «الدوار» عندما أرادت جمعية «الوفاق» والجمعيات الأخرى السائرة في فلكها تسييس التعليم، وتحفيظ الناشئة شعارات التسقيط التي لا يفهمون معناها، لخلق حالة «ثورية» من بنات خيالها. يتذكر المواطن البحريني ما الذي لقنه هؤلاء السياسيون الدخلاء على السياسة من باب المذهبية الطاردة لمفاهيم التسامح والاحترام للأطفال، حتى صار أطفال المكون الآخر يخشون هؤلاء، وفي هذا وحده ما يؤسس لمجتمع متناحر أبدا. ولن تقوم قائمة لمجتمعنا إذا لم نول اهتماما لهذا العبث الذي يمارسه المذهبيون. قد تُفرح اليوم كلمة لقنها طائفي مذهبي لطفل، ولكن هذه الكلمة ستتحول إلى جحيم في الأيام القادمة عندما يكبر الأطفال ويصبحون هم المكون الأساسي للمجتمع البحريني. ولكي لا نصحو ذات يوم على دجى وقد ملأته خفافيش الظلام بقاذوراتها، ينبغي علينا كمربين أن ننأى بالعمل التربوي عن المطامع السياسية وعن أحابيل المشتغلين بالشأن السياسي.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها