النسخة الورقية
العدد 11122 السبت 21 سبتمبر 2019 الموافق 22 محرم 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:06AM
  • الظهر
    11:31PM
  • العصر
    2:58PM
  • المغرب
    5:36PM
  • العشاء
    7:06PM

كتاب الايام

أبعاد

تـــــــلك أشـــــيــاء لا تُــشــتـــرى

رابط مختصر
العدد 8677 الجمعة 11 يناير 2013 الموافق 29 صفر 1434

كثيرة هي الأشياء التي لا تُشترى لا سيما في هذا الزمن الذي فقدنا فيه الأشياء الحميمة الى درجة بات الفرد منا لا يعيش خصوصيته، فكل شيء قابل للعرض في «الأنستغرام والفيس بوك» والمحمول باشكاله وأنواعه التي اخترقت او بالادق انتهكت خصوصيتنا بشكل مرعب لم تعد معه لنا خصوصيات نفرح بها ونكتمها ونداريها كما كنا نداري تلك الرسائل الحميمة في صندوق القلب الذي لم يعد صندوقاً بل صار معرضاً يتفرج عليه مستخدمو اجهزة الاتصالات. طوبى لأيام وأعوام كان «المنديل» فيها سر الاسرار ينقش الحرف عليه «كتبت اسمك في منديلي» وكانت الرسائل طائراً يحمل الوجدان ويطير به الى هناك الى حيث البوح الخاص كما باح الرائع غسان كنفاني في رسائله الى غادة السمان الجميلة وجوداً وحضوراً ذاب فيه غسان وكانت الرسائل الحميمة بينهما ترسم جسر وصل لكنها ظلت مخبأةً في صندوق الاسرار.. ترى لوكان ذلك الحب الشفاف بينهما في زمن «الانستغرام» هل احتفظ بخصوصيته أم كان قد اصبح حديث المدن وحديث الصحف حديث المدن وحديث الصحف والفضائيات. كنا اطفالاً وكم نفرح ونشعر بمسؤولية لحظتنا ونحن نخبئ اسرارنا الصغيرة في الاعماق فتعلمنا معها احترام الخصوصيات التي لم يعد الآن مفهوماً ولا متداولا احترامها بل صار نشر الخصوصيات جزءاً من لعبة التفاخر والتباهي بالذات. والآن في زمن التواصل عبر المحادثات وعبر الصور لم تعد قصيدة شاعرنا الشعبي بو فهد «عبدالرحمن رفيع» تذكرين وانتي من بين الدريشه تبصبصين، لم تعد ذات قيمة وجدانية لدى هذا الجيل الذي يبصبص في «الا نستغرام» على كل ما يريد وما يشتهي ولم تعد للخصوصية خصوصية. تلك أشياء لا تُشترى هكذا همس صديق من جيلي ونحن نستحضر من حكايا زماننا حكاية ذلك الهندي الذي استأجرركناً او زاوية صغيرة في سوق المنامة.. وكان فناناً مبدعاً يرسم ويخط على المناديل بمادة خاصة لا تمحى حروف الاسماء، ويرسم وروداً واشياء اخرى صغيرة، وكنا من رواد زاويته نتأمل نقوشاته على المناديل الملونة.. فتيات في عمر الحلم الاول يقفن باستحياء وبهمس لا يسمع يطلبن نقش حرف او صورة.. في سرية خاصة أين منها علنية العلاقات في هذا الزمن الذي فقد خصوصيته. لوحدها تلك الخصوصيات في المناديل والرسائل المهربة عن عين الرقيب يضعها الفتى على النافذة وفي خلسة مساءٍ من مساءات الشتاء تلتقطها انامل فتاة من الداخل.. ويمضي الفتى وتظل الفتاة طوال ليلها تقرأ وتقرأ وتنتشي بأغنية لحليم. كانت لحظة الفرد ملكه وخاصة به.. فهل لحظتنا الآن ملكنا وهل شعر هذا الجيل باهمية وبدفء لحظتهم حين تكون خاصة خصوصية لا يعرضها ولا ينشرها «الفيس بوك» او «الا نستغرام» لتصبح لحظة عمومية يفقد معها انسان هذا العصر لذة الخصوصيات وحميميتها الدافئة بالأصدقاء الخلص. لسنا بالضد من وسائل التواصل الاجتماعي لكننا نتمنى ان لا تسرق منا تلك الخصوصية الجميلة الخاصة بنا، وان لا تستبيح خصوصيتنا فيصبح كل شيء معروضاً على الشاشات الصغيرة فلا نكون في لحظاتنا كما نحن بل كما تريد الصورة وكما نريد ان يرانا الناس الذين لا نعرفهم فلا نشعر أبداً بأن لنا خصوصيات واوقات نكون فيها كما نحن. عندما تعرض العواطف والمشاعر والاحاسيس الخاصة لكل الناس وعند تستباح الذات من الذات في لحظتها نفقد اجمل الاحاسيس ونخشى ان يأتي يوم علينا نصبح بلا مشاعر وبعد ان اصبحنا بلا خصوصيات وبلا اصدقاء خاصين. نعلم ندري بأن زمن الوسادة الخالية واحسان عبدالقدوس وحليم ولبنى قد انقرض ولن يعود ولسنا نعيش حالة حنين او نوستالجيا مرضية ولكننا نشفق على جيل بلا خصوصيات وبلا دفء الخصوصية وبلا جمال للحظة الخاصة. وتلك اشياء لا تُشترى لأنها أبداً لا تباع كما يبيع البعض صوره مجاناً بحثاً عن لا شيء..!!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها