النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11522 السبت 24 أكتوبر 2020 الموافق 7 ربيع الأول 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:22AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:36PM
  • المغرب
    5:01PM
  • العشاء
    6:31PM

كتاب الايام

الحكومة المنتخبة.. المطلب المستحيل

رابط مختصر
العدد 8676 الخميس 10 يناير 2013 الموافق 28 صفر 1434

سأتولى عبر مجموعة من المقالات الحديث عن أبعاد المطالب السبعة التي لوحت بها الجمعيات السياسية المعارضة وتفنيد ما نراه منها خطرا على النظام الدستوري البحريني، فمنذ الأحداث المؤسفة في العام الماضي، وأنا أتابع عن كثب المطالبات والأصوات المرتفعة الداعية أو المطالبة بحكومة منتخبة، ووجدت أنه لابد من طرح وجهة النظر السياسية والقانونية والدستورية العلمية عل وعسى أن يفهم أصحاب هذه المطالبات خطأ أو خطر ما يدعون له. إن ميثاق العمل الوطني الذي توافق عليه البحرينيون جميعا لم يرتب في مضمونه إحداث تعديلات دستورية على دستور 1973 تتيح المجال لكي تكون الحكومة منتخبة، والميثاق هو أرضية البرنامج الإصلاحي لملك البلاد، ولعل من المتفق بين الجميع أن كلنا قد وافقنا على ميثاق العمل الوطني لنؤسس للتحول الدستوري الجديد واستحقاقاته الديمقراطية المتتالية، وبالتالي فلا صحة للقول أو المطالبة بحكومة منتخبة إلا بنقض الميثاق برمته وهو أيضا ما لا يستقيم مع كون الميثاق قد أقر شعبيا باستفتاء أي بأرقى وأعلى أدوات الديمقراطية. أما ما نراه من حجج قانونية ومنطقية لا تستقيم مع المطالبة بحكومة منتخبة فكثيرة نسوق منها مثالا وليس حصرا التالية: الحجة الأول: الدعوة لحكومة منتخبة في حد ذاتها بعيدة عن نتائجها أي بصفتها المجردة لا تجد لها أساسا دستوريا أو قانونيا أو تاريخيا بل تتعارض مع النظام الدستوري البحريني قديمه حتى حاضره واستهلالات مستقبله. الحجة الثانية: إن الأخذ بفكرة الحكومة المنتخبة يحتم خروج مملكة البحرين تلقائيا من منظومة مجلس التعاون لدول الخليج العربية على اعتبار أن النظام الأساسي يؤكد بصراحة أن سبب وأساس قيام هذه المنظمة الإقليمية وتمتع الدول الأعضاء فيها بالدعم المشترك في شتى المجالات عن طريقها ماهو إلا لعوامل أساسية وجوهرية أهمها أن دول مجلس التعاون ذات أنظمة سياسية متشابهة، ولا يختلف عاقلان على أن تشكيل الحكومة «الهيئة السياسية الحاكمة» جزء من النظام السياسي، فإن أصبحت منتخبة اليوم برئاسة زيد وغدا غيره بأمزجة وتوجهات مختلفة وأسلوب إدارة لسياسة الدولة الداخلية والخارجية مختلف فإنها ستكون مغايرة لأخواتها في المجلس، متعارضة مع النظام الأساسي «معاهدة الإنشاء». ولابد أن يقرأ ذلك كله بالتوازي مع أن الحديث يتردد في الوقت الراهن عن اتحاد فيدرالي من نوع خاص بين دول مجلس التعاون بما يخدم حقيقة مكانة البحرين ويعزز التنمية لشعبها، وهو ما يفرض على أقطاب القرار السياسي في البلاد تلقائيا تمسكا أكبر بواقع النظام السياسي البحريني الحالي مع تطويره في إطار التوازن بين السلطات بحالتها التي هي عليها حاليا من حيث طريقة تشكيلها. الحجة الثالثة: كما هو في العالم الآن نظام برلماني «إنجلترا» ونظام رئاسي «الولايات المتحدة الامريكية» فإن هنالك من المسلمات نظام يسمى النظام المختلط كما هو الحال في بلادنا مملكة البحرين ودولة قطر الشقيقة ومصر في ماضيها الدستوري وغيرها، والنظام المختلط على نوعين: مختلط شبه برلماني كما هو في مملكة البحرين، ومختلط شبه رئاسي كما هو الحال في دولة قطر الشقيقة. ومع التعديلات الدستورية الأخيرة ذهب نظامنا الدستوري في ما يرتبط بعلاقة السلطتين التنفيذية والتشريعية إلى تغليب الدور الرقابي للسلطة التشريعية في مواجهة التنفيذية أي بالأخذ بمظاهر أكبر للنظام البرلماني، وبالتالي فإن القفز وصولا لنظام برلماني كامل يتطلب مجموعة من المقومات التي تهدم نظام الحكم في مملكة البحرين الحالي برمته لأن متطلبات النظام البرلماني هي: 1- أن يكون الملك يملك ولا يحكم: والحقيقة التي لا تقبل التشكيك أن مرسوم توارث الإمارة الصادر في 13 أغسطس 1973 « المرسوم الأميري رقم «12» لسنة 1973» وهو مرسوم ذو قيمة دستورية، قد رتب التوالي على الإمارة بالحكم حيث نصت المادة الأولى على أنه: تنتقل ولاية الحكم من الأمير إلى أكبر أبنائه الذكور سنا ... إلخ»، ولما كان هذا المرسوم ذا قيمة دستورية فإن تفسير ألفاظه لابد وأن يكون دقيقا وحذرا بل ويكون لكل كلمة معناها المقصود الدال عليها كمثل الأرقام والنسب التي ترد في الدستور فهي ليست اعتباطية بل لغاية محددة مقصودة أرادها المشرع الدستوري، وفي ذلك نقول أنه ما دلالة لفظ «الحكم» إلا القيام والوقوف على الدولة بالإدارة والنظر في الشؤون كافة إما بالشخص أو عن طريق مجلس الوزراء أو الوزراء. 2- حتمية نشوء أحزاب سياسية ذات رسالة وخطة وبرنامج وثقافة سياسية وقاعدة شعبية عريضة: وحقيقتنا المرة أننا نشهد ضعفا كبيرا في حراك الجمعيات السياسية جميعا دون استثناء، وأقصد الضعف في القيام بعمل سياسي يجعل الجمعية أو الحزب في وضع - ان أؤخذ بفكرة الحكومة المنتخبة - يؤهله لصياغة سياسة الدولة وتنفيذها ... فلنكن واقعيين في الطرح !!! 3- برلمان منتخب قوي يعرف مفردات العمل البرلماني يجيد فن استعمال الأدوات الرقابية، قادر على مقارعة الحكومة: ولا يكون ذلك إلا بثراء التجربة البرلمانية وتطورها مع السنين المتتالية فتصقل الخبرات وتنتشر ثقافة العمل البرلماني وصولا لبرلمان قوي قادر على نقد سياسات الحكومة ومساءلة الوزراء في إطار من الموضوعية التامة، ولا يتأتى ذلك في تجربة برلمانية مدتها لم تتجاوز 15 سنة كما هو حال بلادنا، لأن عامل الوقت ومرور الزمان مهم لتحقيق الخبرة التراكمية للشخصيات السياسية والوطنية المثابرة في البرلمان كممثلين للشعب أو معينين أيضا «مجلس الشورى»، وهنا لابد أن نقول بأن نظام المجلسين «غرفتين الأولى منتخبة والثانية معينة» غير قابل للتعديل بتاتا بنص الدستور «مادة 120 فقرة ج» وهو ثابت لابد من أن نتعامل معه ولو رفضه بعضنا فعليهم قبوله وفقا لمبدأ «القهر الواقعي» وليبنوا مواقفهم في اطار احترام الثوابت الدستورية خصوصا وأن هذه الثوابت لا تحتكر جميع مساحات الحراك السياسي بل ما زالت هنالك فضاءات رحبة يمكن التحرك فيها بحرية تامة تحدث تغييرا حقيقيا وجوهريا في المجتمع ومؤسسات الحكم. ان الحقيقة المرة والمؤلمة أن انتخاباتنا باتت تفرز ممثلين أغلبهم غير أكفاء ولن نجامل فيما نقول فمنذ 2002 وحتى الآن وتحديدا في الفترة التي كانت جمعية الوفاق الإسلامية مشاركة وممثلة في البرلمان لم نجد منها ومن غيرها الحراك البرلماني المطلوب بما يخدم لا أقول جميع المواطنين بل لم يخدم حتى كتلهم الانتخابية التي صوتت لهم ... وتستمر بالرغم من هذه التجربة الفاشلة المطالبة بحكومة منتخبة ... ألا تعلمون أن عمل السلطة التنفيذية أصعب وأكثر تعقيدا من عمل البرلمان؟، والقاعدة أن من يفشل في القليل محتوم عليه أن يفشل في ما هو أكثر منه!!! . 4- قيام حق الحكومة الخالص في حل مجلس النواب « الحل الوزاري»: ويكون ذلك الحق مقررا في النظم البرلمانية في مواجهة كثرة وتنوع فاعلية الأدوات البرلمانية الرقابية «السؤال، الاستجواب، لجان التحقيق، مناقشة موضوع عام، سحب الثقة من وزير، طرح الثقة من الوزارة ككل «عدم التعاون مع رئيس الوزراء»، بل وحتى رفض الميزانية أو إقرارها واعتمادها تدخل في سياق الرقابة على الحكومة أيضا في سياساتها المالية وخططها الاقتصادية. إن الحل الوزراي يعني منح الحكومة الحق في طلب حل مجلس النواب لأسباب، وهو ما لا وجود له بل يتعارض مع نمط الحل المتبع في دستور 1973 التعاقدي باتفاق الجميع، ولنترك التعديلات لأنها مختلف عليها. حيث أن دستور 1973 جعل الحل بمرسوم والمرسوم من صلاحيات رئيس الدولة «الملك» ولو شمل توقيع رئيس الوزراء، فالغالب على الحل بمرسوم وفق ما نرى أنه حل رئاسي أي أن رغبة رأس الدولة «الملك» فيه أعلى من رغبة رئيس الوزراء، وأقصد الرغبة في حل مجلس النواب، ودليل ذلك بأن الحل قد ورد في الدستور في الفصل المعنون «الملك» بمعنى أنه من صلاحيات واختصاصات الملك، والمرسوم في النظام القانوني البحريني مسلم بأنه من أدوات الملك القانونية. خلاصة ما نريد قوله أن الحكومة المنتخبة عملا بالنمط الإنجليزي يحتم تقرير حق الحل الوزاري للحكومة وهو ما سيجعل العلاقة ما بين السلطتين التنفيذية والتشريعية في دوامة تأزيم مستمر متوقع، وعدم استقرار سياسي في الدولة، لتكافؤ السلطتين تقريبا في أدوات الردع المتقابلة، ولا ضمانة من تعسف إحدى السلطتين بأدوات الردع المقررة لها. الحجة الرابعة : إن تاريخ إنجلترا الدستوري بدأ مع العهد الأعظم MAGNA CARTA عام 1215 وقد وصلوا لتحقيق فكرة الحكومة المنتخبة في القـــــــرن الثامن عشر أي بعد ما لايــــــــــقل عن 6 قرون «600 سنة»، بل ومن يقرأ التجربة البريطانية يجدها خاصة فيهم، متفردة عندهم، لاتصلح أن تكون تجربة معيارية لجميع الدول، ونبين هذا التفرد وفق التالي: أولا: متى برزت فكرة أن تكون الحكومة مكونة من حزب واحد «حزب الأغلبية في البرلمان»؟ يحكي تاريخ إنجلترا أن الملك جورج الأول «عام 1714» وهو من عائلة «هانوفر»، وهي أسرة ألمانية الأصل، قد تمكن من الوصول للملك بدعم من حزب الهويج «حزب سياسي»، وترتب على ذلك أنه قد وضع ثقته فيهم وأسند لهم الوزارة «الحكومة» بعد أن كانت الوزارة تشكل من حزبي الهويج والتوري، وهنا تبلورت الوزارة ككيان من حزب واحد، على مبدأ المصلحة الشخصية. ثانيا: متى برز منصب رئيس الوزراء «الوزير الأول»؟ إن ذات الملك جورج الأول كان لا يجيد اللغة الإنجليزية، لأنه من أسرة ألمانية الأصل، ولا يخفى أن أعباء الحكم تستدعي إجادة الملك للغة الإنجليزية إجادة تامة، وترتب على ذلك أن أسند الإشراف على الوزارة في مجموعها للسيد روبرت والبول وهو زعيم حزب الهويج، الحزب الذي دعم الملك جورج الأول ليصل لسدة الحكم. ما نريد إيصاله من هذه النقطة أن تجربة بريطانيا ليست تجربة معيارية بل حدثا خاصا فيهم يتعلق بتاريخهم الدستوري وقد يحدث مستقبلا أن يكون للبحرين تجربة خاصة متفردة. إن المتمعن في الثورات العربية يجد أنها صارت وبالا ولعنة على الشعوب لأنها قد أمعنت في إذلالها الاقتصادي والاجتماعي وتفككها على أسس دينية وسياسية وطائفية وغيرها، وما قامت هذه الثورات إلا لمطالبات كتلك التي تتعلق بتغيير أنظمة الحكم أو تغيير الحكومات دون أن يكون لدى الثوار برنامج عمل أو خطة بديلة للنهوض بدولهم بل المضحك أنه لم يتول الحكم أي ثائر ممن شارك فعليا في الحراك الميداني للثورات العربية، وها نحن نرى «مع عدم دعمنا لأنظمة هذه الدول السابقة ونظام سوريا الحالي» تونس اللامستقرة، مصر على هاوية الإفلاس، وليبيا ترزح في صراع لا رجوى من التعافي منه قريبا، وسوريا أصبحت غابة محترقة بفعل فاعل. إن المطالبات هي آراء ولكي نقبلها لابد وأن تحمل في طياتها حدا أدنى موضوعيا من فكرة مقبولة لا أن تكون المطالبة مقصودا منها شغل المجتمع بصورة مستمرة بحراك سياسي فارغ من محتواه أساسا، ولعل ذلك ما يؤكد ما قلناه في هذا المقال من أن جمعياتنا السياسية لم تنضج في حراكها وعملها سياسيا حتى الآن، ولكن مرور الزمان كفيل بأن يحسن من أدائها السياسي ويقويه بما يخدم مصلحة البلاد.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها