النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11184 الجمعة 22 نوفمبر 2019 الموافق 25 ربيع الأولى 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:38AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:46PM
  • العشاء
    6:16PM

كتاب الايام

بالقلم الرصاص

دعونا نشك.. لنسأل!!

رابط مختصر
العدد 8670 الجمعة 4 يناير 2013 الموافق 22 صفر 1434

ان تقتطع لنفسك مساحة زمنية من يومك تتأمل فيها الوجود الاجتماعي المتنوع والمتوزع في أرجاء المعمورة فلسوف يكون لديك حكم يقيني بأن هناك وجودا إنسانيا اجتماعيا يكون أداؤه فاعلا ونشطا ومنتجا، وآخر ضعيف الفاعلية والنشاط والإنتاج، وأحسب أنك على علم، عزيزي القارئ، بأن بين الأدائين يقع تدرج متفاوت من حالات الأداء برسم القياس والحكم. ذلك الحكم يأتي دائما في سياق متحرك غير ثابت أي أن الفاعلية والنشاط والإنتاج صفات ليست حكرا على مجتمع دون آخر، إنما لها أسس وعناصر وتوظيفات تجعل منها حالة قابلة للنقل، أي قابلة للتكرار في أي مجتمع وفي أي مكان؛ وذلك بفضل تصاغر العالم وتقارب شعوبه بفعل الانفتاح على التعاطي مع الإعلام والتكنولوجيا. إن هذا الانفتاح يعود، في ظني، إلى مجموعة من العوامل التي يأتي على رأسها نوع الثقافة السائدة في كل مجتمع، ومستوى الحرية التي بلغها هذا المجتمع أو ذاك والانفتاح الاجتماعي الواعي الذي يعرف ماذا يريد عبر خلقه فضاءات من الحرية يتحرك في حيز سعتها المتاحة بحثا عن أجوبة لأسئلة كانت في يوم ما مقموعة فبقيت محبوسة تدور في فلك حيرتها. أنا واثق من أن مساحة التأمل هذه جديرة بأن تقود الإنسان، مثلما فعلت معي، إلى أن يوقن بأنه كلما كان المجال المُتاح للسؤال فسيحا ورحبا إلا وكان انعكاس ذلك إيجابيا على المجتمع. غير ان الثابت لدى المجتمعات العربية والإسلامية على اختلافها أن السؤال لا مساحة له في ظل الإجابات الجاهزة والمعلبة؛ حتى ليبدو أنه على الإنسان ألا يشك فيما حوله وفيما بين يديه. أما إذا تجاوز أحد السائد وأعلن «تمرده» بادئا بطرح أسئلته فإن هذه الأسئلة تكون كفيلة بخلع صفة المرتد على طارحها، ووظيفية في الطعن في كل عناصر كينونته العقلية والوجدانية والاجتماعية، وفي إلصاق أبشع نعوت الإقصاء والتهميش به «ليُفرد إفراد البعير المُعبد» على حدّ قول شاعر البحرين المعُتق طرفة بن العبد. في مجتمعاتنا العربية والإسلامية نادرا ما يشك الإنسان فيما حوله، ولذلك فإن تساؤلات هذا الإنسان تظل محدودة ومحددة، وأما متدني الذكاء، ولا أقول الغبي، فإن شك فإن شكوكه تبقى قليلة وسطحية وليست ذات قيمة، ولذلك تراه يأنس بكل المسلمات ويخضع لسلطة الموروث من العادات والتقاليد فتشيع عنده الإجابات الخاطئة أو المشكوك في صحتها ليعممها على من حوله في حرص على تطريزها بأقوال منحولة أو مأثورة كانت صالحة لأزمنة غابرة يفتقد الراهن إلى مقومات صمودها أمام الحقائق، ويظل يلوكها ما تيسر له ذلك من وقت، وهذا الإنسان نطلق عليه بأنه «يغرد خارج السرب»، أما فاقد العقل فإنه لا يشك.. أبدا ولذلك فهو خارج الحسبة ولا يعول عليه في رسم خطوط المستقبل. لذا فإن السؤال والعيش في داخل صندوق الشك يخلق الحيرة، والحيرة في نهاية الأمر تقود إلى بلوغ الإجابات الصحيحة. إذ ان الشك فيما حولك وفيما بين يديك لا يمكن أن يكون حالة سليمة إلا إذا تسلحت بالأسئلة العلمية الممنهجة؛ ليكون «طريقا إلى اليقين». كتب الباحث شكري المبخوت في مدونته الحاشية والمتن «من وجوه الحداثة في الفكر والحياة إعمال النّظر في غير المفكر فيه لإظهار المضمر وكشف المخفي واستنطاق المسكوت عنه. فالحداثة، في بعض دلالاتها، إعلان وفضح يفضيان إلى أزمة داخل التصورات والمفاهيم وإلى مراجعة ما يبدو متماسكا مستقرا، فتدخل إليه دودة الشك والارتياب ليخرج لنا ألسنة هازئا بثوابتنا فيجعلنا نستعيد قدرتنا على الدهشة والتعجب». ثم ألم يقل الغزالي يوما إن «الشك أول مراتب اليقين، من لم يشك لم ينظر، ومن لم ينظر لم يبصر، ومن لم يبصر يبقى في العمى والضلال»! أليست هذه دعوة كافية للتمرد على الساكن في حياتنا وتحريكه ورفعه إلى سطح المعاينة والاختبار؟ حقيقة واضحة ينبغي أن تكون ماثلة أمامنا وهي أن الركون إلى الإجابات الجاهزة والاطمئنان إلى مألوفية تداولها والتسليم بصحة أحكامها المتوارثة في الغالب إنما هو الخيار السهل لمنع أسئلة الشك وتفجر أبخرة الدهشة، والدهشة أولى مراقي المعرفة وسبلها. وعلينا أن نمرر ذلك إلى أبنائنا إذا ما أردنا حراكا اجتماعيا ذكيا نشطا منتجا، فليس السؤال سوى نافذة على الحقيقة ينبغي فرض فتحها للتجدد والتجديد. أما الأخذ بالخيار السهل فهو فعل يدلف إلى إناخة العقل وتعطيله عن القيام بوظائفه التي على أساسها أسكنه الله في جسم الإنسان وجعله صنفا مغايرا عن بقية خلقه. فالإجابات المتسربة إلى المجتمع بدثارها الديني السميك مستغلة حالات إيمان مبنية على حرمة السؤال تضع كل من يتجرأ على الشك فيها في دائرة من وَسوس في عقله وقلبه الشيطان، وتجلب معها يقينيات مضخمة ومضمخة بهالات من القيم تتحول مع الوقت إلى شيء من الدين يُجرم من يقترب من حياضها الآخذة في الاتساع على حساب الحريات الشخصية المكفولة في التشريعات والقوانين و.. الدساتير. علمتني التربية والتعليم، الحقل الذي فيه أعمل، أن السؤال الذي تسبق كلماته أداة الاستفهام «كيف» هو الأكثر قدرة على اختبار مقدرة المعرفة على التفسير أكثر من تلك الأدوات التي تسبق الأسئلة الأخرى مثل متى، أين، وغيرهما من أدوات الاستفهام، وذلك للبعد التحليلي الذي تنطوي عليه أداة السؤال كيف. فكيف لنا أن ننهض من الكبوات المتتابعة إذا ما كان الفنان عندنا وفي كل حقل من حقول الإبداع؛ من قصة وشعر وسينما وغناء وغيرها من أفانين التعبير الإبداعية يقدم إبداعه وعينه على رجل الدين تحرجا من طرح أسئلته إلا بعد أن يستشف قبوله ورضاه؟ كل مشتغل في دوحة إبداعه يملك من الأسئلة المؤرقة ما يكفي لتغيير واقعه، فقط دعوا الأسئلة تتنفس وتتسلل إلى عقولنا وعقول ناشئتنا، ذلك أن في استمرارية السؤال، وفرض حريته تأسيسا لعناصر الحقيقة وضمانا منهجيا ومعرفيا وحضاريا لنمو تراكمي تاريخي مطرد.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا