النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11702 الخميس 22 ابريل 2021 الموافق 10 رمضان 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:44AM
  • الظهر
    11:36AM
  • العصر
    3:07PM
  • المغرب
    6:05PM
  • العشاء
    7:35PM

كتاب الايام

رائحة خبز التنور الساخن أيام لـّول

رابط مختصر
العدد 8670 الجمعة 4 يناير 2013 الموافق 22 صفر 1434

كلما مررت عصراً بشارع المعارف ورأيت الخباز عبدالرحيم يستظل بظل دكانه وهو يمدّ رجليه النحيلتين فوق مقعد خشبي، ويسند رأسه المتشحة ببياض الشيخوخة إلى وسادة عتيقة مغبرة بغبار الطحين، من بعد يوم عمل شاق أمام تنوره المشتعل بالغاز، تذكرت «خبابيز» أيام لـّول، والرائحة المميزة لخبزنا البحريني التقليدي فور إخراجه من التنور الساخن. تلك الرائحة التي ما زالت تسكن عقولنا وأفئدتنا، نحن جيل الخمسينات والستينات ولم تبارحها رغم تقادم السنين وظهور روائح بديلة مصدرها أفران الخبز الشامي والإفرنجي والفرنسي والتركي. إن رائحة خبز التنور الساخن أيام لـّول رائحة لا تقاوم، ولا سيما في الساعات الأولى من الصباح قبل طلوع الشمس شتاء. وبالمثل فإن روائح «النخي» و»الباجيله» و»اللوبا» التي اعتاد الخبابيز إعدادها وبيعها جنبا إلى جنب مع خبزهم صباحا ومساء كانت تمثل عامل جذب إضافي لنا للاصطفاف دون ضجر أمام المخابز التقليدية في الفرجان. وكان هناك عامل آخر يصبـّرنا على حرارة الفرن، وتأخر تلبية طلباتنا وهو إختلاطنا بصبايا يافعات من أعمارنا، ممن كن مثلنا يأتين إلى المخبز بأوامر من أسرهن لشراء الخبر وهن حاملات فوط التغليف الحافظة لحرارة الرغيف. حيث كانت تلك من الفرص الذهبية القليلة لتلاقي العيون، والتدافع جسدا بجسد، وتبادل الإعجاب، والقيام بالمعاكسة البريئة، لكن في حدود من الأدب والكياسة، والا فقد الشاب المعاكس إعجاب صبيته وتحول في نظرها إلى «لوفري» قليل الأدب والتربية. لقد فصـّل الزميل الأستاذ بدر عبدالملك في كتابه القيم الموسوم بـ «ترويكا المهن النبيلة» (الإشارة هنا هي إلى من كانت تزدحم بهم منطقتي الحورة والقضيبية من خبازين وبنائين وخياطين نزحوا إلى البحرين من الساحل العربي لبلاد فارس لممارسة تلك المهن الشريفة) الكثير من الحكايات والمشاهد التي كانت تجري أمام أفران الخبازة أيام لـّول، فوثق بذلك جزءا من ذاكرتنا الجمعية وحفظ لنا معينا نعود إليه كلما استبد بنا الشوق لصور من ماضي البحرين الجميل وحياة ناسه البسطاء المتآلفين. تلك الصور التي تكاد أن تختفي كليا، ومعها صورة خباز الفريج التقليدي الذي لم يعد يعمل ويخبز بنفسه، وإنما ترك مهامه للعمالة البنغالية والهندية بعدما عزّ عليه استقدام أقاربه من بر فارس للعمل معه كشركاء أو أجراء. لم تعد دكاكين صناعة الخبز البحريني التقليدي منتشرة في الأحياء والفرجان كما كان الأمر في الماضي. إذ بالكاد ترى دكانا متواريا هنا وآخر هناك، بل لم يعد لنتاجهم من الخبز نفس الرائحة والطعم الأثيرين اللذين عشقناهما إلى الدرجة التي كنا معها نقضم ما نحمله معنا إلى بيوتنا من خبز ساخن، فنصل بيوتنا لنواجه عقوبة في انتظارنا بسبب رغيف ناقص أكلناه في طريق العودة .. مجرد رغيف واحد لا تصل قيمته إلى «بيزة» واحدة، فيما ينفق أبناؤنا اليوم عشرات الدنانير يوميا على قطع الكاتوه والكرواسون والأطعمة السريعة والمعجنات المشكلة بألف طريقة وطريقة. في شهادته عن «الخبابيز» ودورهم في مجتمعنا القديم يقول الخباز راشد، الذي قضى جل سنوات عمره في البحرين منذ قدومه إليها أيام الشيخ عيسى بن علي على متن مركب شراعي توقف به في دبي والشارقة أولا، أن الخباز أيام لـّول كانت له هيبة ومكانة في الفريج لسبب بسيط هو أنه كان مصدر إمداد الأسر بوجبتي الفطور والعشاء المكونتين حصريا وقتذاك من الخبز مع النخي او الباجيلا او اللوبا. ويتذكر أنه اضطر ذات مرة لإغلاق مخبزه بعدما جاءته أخبار من فارس بوفاة عمه، فما كان من الأهالي إلا أن انتزعوه من منزله واجبروه على العمل عنوة مع تطييب خاطره ببعض كلمات المديح والاطراء مثل «حنا مالنا غيرك»، و»حنا من غيرك بنــْيوع» إضافة إلى مواساته في فقيده. وعند سؤاله عن اسباب تخليه عن بيع الباجيله واللوبا، واكتفائه ببيع النخي والخبز المخبوز مع جبنة المثلثات، أجاب بأن معظم أهل البحرين لم يعودوا يطلبون الباجيله واللوبا بسبب إصابتهم بأمراض مثل النقرس، وأنه يطبخ النخي ويخبز الطحين الملفوف بجبنة المثلثات لأنهما مطلوبان من العمالة الهندية الفقيرة كغذاء يومي. لكن راشد كاد أن يتنرفز حينما ســُئل سؤالا استفزازيا عن الفرق بين الخباز أيام لـّول والخباز في زمننا الحاضر، لكنه تمالك غضبه وكتم حسرته قائلا: زمان لـّول كان الناس يطرشون بناتهم وأولادهم لشراء الخبز.. الحين يطرشون خدامات مثل السيبال. وأضاف: زمان لـّول كان الناس ييبون معاهم فوطة ويلفون إبْها الخبز .. الحين لازم نعطيهم أتشياس (أكياس) بلاستيك، وبعد مُهُبْ عاجبهم. ويتذكر راشد كيف كان دكانه أيام لـّول شاهدا على قصص الغرام البريئة بين اليافعين واليافعات، وكيف كان هؤلاء يشاغبونه كي يصرفوا أنظاره عما يجري، وبالتالي منعه من إيصال الأخبار لذويهم. كما يتذكر ما كنتُ أنا وبعض زملائي في الفريج من الكارهين لحمل فوط التغليف نفعله من الجلوس مطولا في المخبز بحثا عن ورق مناسب من بقايا المجلات المصرية لنغلف به الخبز الساخن. والورق المناسب بمفهومنا وقتذاك هو صفحة من مجلة المصور تحمل صورة لجمال عبدالناصر أو عبدالسلام عارف او شكري القوتلي، أو صفحة من مجلة الكواكب تحمل صورة من صور فاتنات الشاشة المصرية أو حليم أو فريد! كما يتذكر راشد عملية نقل أكياس الطحين من السوق إلى مخبزه، تلك العملية التي يصفها بالشاقة بسبب قلة مركبات النقل في الماضي واعتماده على الحمير – كرم الله القارئ. غير أن الاعتماد على الحمير تحول أيضا إلى مشكلة لراشد لاحقا حينما أصدر مستشار حكومة البحرين السير تشارلز بلغريف تعليمات صارمة بضرورة عدم إجهاد الحمير والاعتناء بها وربطها في أماكن محددة وعدم السماح لها بدخول سوق المنامة إلا في أوقات معينة وفرض ضرائب على أصحابها. رحم الله تلك الايام وخبابيزها، والسموحة منك يا راشد على تقصيرنا في حقك ومشاغبتك.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها