النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12098 الاثنين 23 مايو 2022 الموافق 22 شوال 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:19AM
  • الظهر
    11:36AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:22PM
  • العشاء
    7:48PM

كتاب الايام

عن زمن آخر في الزمن الجديد

رابط مختصر
العدد 8670 الجمعة 4 يناير 2013 الموافق 22 صفر 1434

في ربيع عام 1974، قرر الرئيس السادات، تكليف «د. عبدالعزيز حجازي» بتولي شؤون الحكومة، بدلاً من «د. عبدالقادر حاتم» الذي تقرر تعيينه مشرفا عاما على المجالس القومية المتخصصة، وكانت مهمتها النظرية -طبقا لما ورد في دستور 1971ـ أن تعاون في رسم السياسة العامة للدولة في جميع مجالات النشاط القومي، وهو ما لم تكن عمليا تعاون في شيء منه، إذ كانت مجرد مخزن للكراكيب ـ أي المخلفات ـ الحكومية يودع فيه رؤساء الوزراء والوزراء وكبار المسؤولين السابقين في السلطتين التنفيذية والتشريعية، من باب الاحتفاظ لهم بما كانوا يتقاضونه من مزايا مالية، على سبيل التعويض عن نفوذهم المفقود، وسلطتهم التي راح زمانها ولن تعود! وفي صباح اليوم التالي أفردت جريدة «الجمهورية»، منشتاتها الرئيسية ومعظم مساحة صفحتها الأولى، لتصريحات أدلى بها «د.عبدالقادر حاتم» وقال فيها إن المجالس القومية المتخصصة سوف تقوم بالدور الذي حدده لها الدستور، وتعد حزمة من السياسات في المجالات الاقتصادية والاجتماعية، تشمل كذا وكذا، لتقوم الحكومة بتنفيذها في المرحلة القادمة.. وفي أسفل الصفحة.. وفي خبر على عمودين نشرت «الجمهورية» خبر تشكيل الوزارة الجديدة! ولم يكن الأمر في حاجة إلى ذكاء كبير، ليدرك كل من قرأ التصريحات أن «د. حاتم» ـ الذي كان شديد الحيوية شديد الطموح ـ يريد أن يحول المجالس القومية المتخصصة، التي أصبح مشرفا عاما عليها، من دار للمسنين يقضي فيها المسؤولون السابقون مرحلة ما بعد الإحالة للمعاش، إلى سلطة تعلو السلطة التي كان يمارسها حين كان رئيسا للوزراء.. ويخضع لها خلفه، بعد أن أصبح رئيسا لرئيس الوزراء. وأثارت الطريقة التي نشر بها الخبر غضبة كبرى، فقد غضب «د. عبدالعزيز حجازي» وغضب الرئيس «السادات» لأنه بصفته رئيس الجمهورية، هو رئيس رئيس الوزراء ورئيس المشرف العام على المجالس القومية المتخصصة، وعوقب مدير التحرير الذي حصل على التصريحات ونشرها وكان من المعروفين بأنهم من حاشية الدكتور «حاتم». وعادت المجالس القومية المتخصصة لتمارس الدور المرسوم لها كمخزن للكراكيب الحكومية التي لم تعد السلطة في حاجة إليها، وكدار للمسنين ينقل إليها المسؤولون السابقون، ليشغلوا وقت فراغهم في إعداد دراسات تصدر في كتب ضخمة وتوزع مجانا، فلا يقرؤها أحد، ولا ينفذ ما ورد فيها وزير، ولا تلفت نظره، إلا حين يفقد منصبه ويلتحق بالدار. وكان «مجلس الشورى» هو أحد المخازن التي انشئت لهذا الغرض عام 1980، وصاحب الفكرة في إنشائه هو الرئيس «أنور السادات»، الذي كان يرفع شعار العودة إلى أخلاق القرية، بحيث يتمسك المصريون بالقيم الخلقية والتقاليد الاجتماعية وأنماط السلوك التي كانت سائدة في القرية المصرية، على العهد الذي كان فيه هو نفسه طفلا في عشرينيات القرن الماضي، وبالذات ما يتعلق منها بتوقير المتقدمين في السن، وتنفيذ طلباتهم بدون تردد، والاستجابة إلى أوامرهم بدون مناقشة، وعدم رفع الصوت في حضرتهم أو التفكير في معارضتهم أو مخاشنتهم. ولم تكن الفكرة بعيدة عن ضيق الرئيس «السادات» الشديد، بالجيل الشاب من طلاّب الجامعات الذين نهضوا آنذاك لمعارضة سياساته عبر صحف الحائط التي كانوا يحررونها في الجامعات، والمؤتمرات التي كانوا يعقدونها في مدرجاتها أو المسيرات التي كانوا ينظمونها في الشوارع، وينشرون فيها مقالات أو يلقون خطبا أو يرددون هتافات تتناول شخصه وسياسات حكمه بعبارات وألفاظ رأي أنها تخل بمقامه وتنتقص من هيبته.. ولأنه كان يعتبر نفسه «كبير العائلة المصرية» الذي يتوجب على كل الذين تشربوا «أخلاق القرية» أن يعودوا إليه في كل شؤونهم، وأن يسلموا بكل ما يراه وينفذوا كل ما يأمرهم به، ولا يتحدث عن مؤسسة مؤسساتهم، إلا وأضاف إليه «ياء الملكية»، فيقول «شعبي» و»جيشي» و»حكومتي» و»دستوري» و«الجنرالات بتوعي» و«ولادي اللي ع الجبهة»، ويصف المعارضين له منهم بأنهم «رزلاء» و»حاقدون»، ويطلق على المثقفين منهم الذين يكتبون المقالات، أو يوقعون على البيانات المعارضة، بأنهم «كتّاب عرائض وسخائم» لا صلة لهم بالبلد، وإلا لعرفوا «العيب» واحترموا «كبير العائلة» وتمسكوا بأخلاق القرية. ولم يجد الرئيس «السادات» حلا لما اعتبره انهيارا في أخلاق القرية، إلا بمطالبة «مجلس الشعب» عام 1978 بإصدار قانون باسم قانون «العيب» يعاقب هؤلاء المعارضين الرزلاء بالعزل السياسي والحرمان من الحقوق السياسية ومن تولي المواقع القيادية في المؤسسات التي تسهم في توجيه الرأي العام، كالصحافة والإعلام والتدريس، لأنهم يمارسون عيب معارضته، بحيث لم يترك معارضا لم يطله. وان اسم القانون يوحي بأنه «قانون لتنظيم ممارسة العيب»، فوافق على تغييره إلى «قانون حماية القيم من العيب». وبعدها بشهور، تطورت الفكرة فطالب الرئيس «السادات»، بإنشاء مجلس باسم «مجلس العائلة المصرية» تكون مهمته المحافظة على أخلاق القرية، وتقاليد العائلة المصرية، والتعبير عن موقف العيلة ممن يمارسون العيب ويخرجون عن هذا وذاك، وقال بعض الترزية، في سياق تسويق الفكرة إن الرئيس يسعى لإنشاء مجلس للوحدة الوطنية يضم أعضاء مختارين، يمثلون الأحزاب السياسية والنقابات العمالية والفلاحية والمهنية وممثلين للطوائف الدينية، يعمل على البحث عن مشتركات وطنية بين الجميع، وانتهت المناقشات بترك أمر اختصاصات المجلس ومهامه إلى الرئيس، وتأسيس مجلس الشورى، ليكون بمثابة مجلس استشاري لمناقشة الموضوعات التي يحيلها إليه الرئيس! وعلى امتداد الأعوام الثلاثين التي عاشها «مجلس الشورى» لم يحل إليه الرئيس أي موضوع لمناقشته، على الرغم من تفاقم مشاكل العائلة المصرية، وتحول إلى مخزن للكراكيب الحكومية، مثله في ذلك مثل المجالس القومية المتخصصة وطالب الجميع ـ بعد ثورة يناير ـ بإلغائه، ومع ذلك فقد احتفظ به الدستور الجديد، وزعم الذين وضعوه بأنه سيكون غرفة ثانية للبرلمان تتمتع بكل اختصاصات مجلس الشعب، المسودة الثانية للدستور، التي استفتي عليها في الأسبوعين الأخيرين، سلبت منه أهم الاختصاصات التي تتمتع بها الغرفة الثانية في البرلمانات التي تقوم على غرفتين، وهي الحق في تقديم اقتراحات القوانين والحق في ممارسة الرقابة على السلطة التنفيذية بتقديم الأسئلة والاستجوابات ولم تترك له إلا «حق مراجعة القوانين التي يصدرها مجلس النواب». أما وقد أذهلني أن ينص الدستور على «مجلس الشورى» من دون أن يمنحه أي اختصاصات تذكر، وأذهلني أن يحتفظ في مواده الانتقالية ببقاء هذا المجلس بتشكيله الحالي لمدّة سنة، ونقل السلطة التشريعية إليه على الرغم من أنه انتخب بنسبة ضئيلة من الناخبين، ولمهام ليس من بينها ممارسة السلطة التشريعية، فقد هوّن صديقي الأمر عليّ، وأشار إلى تركيب أعضاء المجلس ـ المنتخبين والمعينين ـ من أغلبية كاسحة للتحالف الحاكم، وإلى المصاهرة التي تجتمع بين رئيسه الحالي ورئيس الجمهورية، وقال: مندهشا من إيه؟.. انت نسيت إن ده «مجلس العيلة»!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها