النسخة الورقية
العدد 11120 الخميس 19 سبتمبر 2019 الموافق 20 محرم 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:05AM
  • الظهر
    11:32AM
  • العصر
    2:59PM
  • المغرب
    5:38PM
  • العشاء
    7:08PM

كتاب الايام

بالقلم الرصاص

مـــــــيري كريســــــماس!!

رابط مختصر
العدد 8663 الجمعة 28 ديسمبر 2012 الموافق 15 صفر 1434

لم تكن كوابح المنع الاجتماعي وضوابط السلوك عندنا نحن أطفال ومراهقو الخمسينيات وطوالع الستينيات لتحد من حركتنا أو تثبط من أنشطتنا الفطرية النابعة من طبيعة المرحلة العمرية حينذاك؛ إذ أن هذه الكوابح والضوابط تقع ضمن صلاحية من نعرف أنهم أمناء على مصلحتنا ومصلحة المجتمع، وهي نابعة منه ومقنعة باعتبارها عرفا متوارثا بين أبناء البحرين وعلى الكل احترامها بحيث لم تكن لتشكل قمعا للحريات الشخصية أو العامة على عكس ما انتهى إليه مجتمعنا الذي ضاق بهذه الحريات، وباتت ظاهرة الإفتاء في مواجهة ظواهر السلوك مهما كان طبيعيا وملازما لفترة عمرية ما، عنوانا بارزا لفئة اجتماعية جديدة «حفظت بعض الشيء وغابت عنها أشياء». محدثكم أعزائي القراء من مواليد «قرية» قلالي التي أصفها أولا بالجميلة، وهي بالمناسبة المكان الذي أعشق الحديث عنه وفيه ما سنحت لي الفرصة لذاك. هذه القرية، تاريخيا، تحتفظ بسماتها موشاة بسحنة أبنائها، وفي لهجتهم البحرينية الخاصة، المغسولة بملح البحر، وفي طيبتهم.. وشقاوتهم، لكن وبالرغم من بعد محل نشأتي، مع كافة مجاييلي، بمقاييس المسافات والزمن الغابر ذاك، لم نكن مقصرين في تواصلنا الاجتماعي مع الآخرين من أصحاب الثقافات المختلفة ولم ننقطع قط عن مشاركاتنا للآخرين أفراحهم وأتراحهم. لقد اتسمت فترة طفولتنا ومراهقتنا بالشقاوة والفضول. وكنا لهذا السبب «نقتحم» الأماكن المغلقة على ناسها بدافع اكتشاف خصوصيات تلك المناسبات ونكتشف ما الذي يدور بداخل هذه الأماكن. ودعني أفسر لك عزيزي القارئ ما الذي تعنيه طفولتنا. كان مطار البحرين الدولي في سنوات مراهقتنا تلك، وتحديدا من بوابة المطعم المطلة على سطح المستقبلين والمودعين، هو مكان اختيارنا السنوي لنقوم فيه بممارسة شقاوتنا في الاقتحام لنسترق السمع والنظر إلى طريقة احتفالات الأجانب بأعيادهم الخاصة بهم مثل: «الكريسماس» ورأس السنة الميلادية، وعيد القيامة. وأزعم أن أول جملتين كانتا تحملان مدلولا ومعنى تعرفنا عليهما وأتقناهما هي «ميري كريسماس» و»هابي نيو يير» . بالطبع كانت احتفالاتهم قياسا على طريقة احتفالاتنا نحن المسلمين تختلف في الممارسة والطقوس ولكن في الجوهر هي واحدة عندما يجري الحديث عن الفرح الجم الذي يعتري الناس المحتفلين من أي دين أو ملة. أظن أنني قدمت طويلا لما كنا في الطفولة نسعى لمشاركة الآخرين ـ بطريقتنا ـ في أفراحه، رغم أن هذا التقديم فيه اختزال كبير وإغفال أكبر للمرحلة اللاحقة التي كنا فيها نحتفي بعيد رأس السنة بطريقتنا التي تكون في العادة بحرينية خليجية أو مختلطة تضم بحرينيين وخليجيين وعربا وأجانب من كل الأديان غير أنني أرى بأن هذا التقديم الطويل ضروري لإطلاع القارئ الكريم على الانفتاح الاجتماعي الذي عهده جيلنا ذلك الوقت. والآن ونحن نعيش على إيقاع اندماج خليجي مرتقب أرى أنه عليّ أن أشير إلى أن أحد دوافع كتابتي لهذا المقال قول أحد الدعاة الإسلاميين من دولة الكويت الشقيقة، وما يصدر من إسلاميي الكويت أو غيرها من دولنا في الخليج ينطلق في لمح البرق ليصل إلى إخوانهم في البحرين، والقول موضوع حديثنا فتوى تفتقت فيها قريحة الداعية ليُقر «بأن احتفالات ما يسمى بالكريسماس في بعض الفنادق وغيرها محرمة باتفاق أهل العلم». ولقد قرأت التفاصيل التي تبعت هذا القول الذي أعده قولا منحرفا فإذا به يزعم أنه من الحرام أن تشارك «الكفار» أعيادهم أو تهنئتهم بأي مناسبة تدخل فيما يعتقدون من دين. وحيث إنني لا أملك علما في هذا المجال لأرد على هذا القول الخطير، لكنني أملك إحساسا إنسانيا فطريا ينكر مثل هذا الكلام لتنافيه مع ما قرأته من سيرة الرسول حين حل بالمدينة المنورة وشارك يهودها احتفالاتهم وتناقضه مع مقومات السلوك البشري السليم، كما أملك الحق الإنساني في المقام الأول لمناقشة مثل هذا الكلام الذي لا يقبله عقل. ويبدو لي أن من يحرم احتفالات الغير بأعياده ويرفض مشاركتهم لهم، فإنه من الطبيعي أن يرفض مشاطرتهم أحزانهم، وأن يرفض من ثم مقاسمتهم حق العيش في الوطن الواحد حتى وإن كانوا أقلية أو من الوافدين علينا. باختصار شديد أقول أن مثل هذا الكلام يكرس الكراهية بين أبناء الوطن الواحد، وبين الشعوب. فهلا تَعقل القوم قبل أن يصدروا مثل هذه الفتاوى؟! وإني لأذكر ما حدثني به أحد الأصدقاء ممن حلوا بالبحرين فأحبوها وأحبوا أهلها وثراها أنه ذُهل حين تناهت إلى أسماعه ترانيم المسيحيين في عيد الميلاد تتناغم مع صوت الأذان فانتشى لمقامه بهذه الأرض التي سمع عنها وعن طيبة أهلها الشيء الكثير إلى أن عاين ذلك وعايشه، وأنه صُعق لما عاينه من تصاعد التطرف خاصة بعد أحداث الدوار السيئة الذكر؛ لأن ذلك التطرف انطلق مذهبيا وانتهى طائفيا ودينيا، وفي هذا ما يدفع كل القوى الحية والنيرة تتيقظ لهذا الخطر الداهم؛ إذ أن ما يؤرق المرء ويخشى منه أن يكون هناك خلل قد اعترى المشهد الاجتماعي البحريني لتختل معه صورة هذا المجتمع الجميلة. نعم الصورة اختلت وبدا القبطي الشقيق القادم من مصر متغربا عن أهله، وكذا الشأن بالنسبة إلى إخواننا الآخرين القادمين من سوريا ولبنان والعراق وأي أماكن أخرى من هذا الوطن العربي؛ ليقيموا بيننا مثل الغرباء بعدما كانوا معنا ومنا إخوة وشركاء. إن هذه النظرة الدونية التي تكرسها خطابات التطرف قد تجعل من إخواننا وضيوفنا من المسيحيين وغيرهم، مع مضي الأيام، غير مرحب بهم، وهذا أمر لا يجوز أبدا، ولا ينسجم البتة مع طبيعة الشخصية البحرينية المتسامحة. هل نأخذ الكلام الذي جاء على لسان الداعية الإسلامي مأخذا جديا ونعمل على تحويله إلى سلوك في التعامل اليومي مع الآخر المختلف معنا في الدين والمذهب من دون أن نتدبر أمر هذا الكلام على الأقل في شقه المتصل بالعلاقات الإنسانية بين بني البشر؟ المجتمع يكتسب الصحة والعافية عندما يربح مواطنا مكتمل الأبعاد الإنسانية وليس عندما نحيله إلى ناطق متفوه بمعاداة الآخر؟ أعزائي المسيحيين من الإخوة العرب عيد سعيد وكل عام وأنتم بخير، ولأخوتي الآخرين في الإنسانية من غير العرب أقول:Merry Christmas & Happy new year.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها