النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12101 الخميس 26 مايو 2022 الموافق 25 شوال 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:16AM
  • الظهر
    11:35AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:22PM
  • العشاء
    7:52PM

كتاب الايام

عجل في مدينــة الإنتــــاج الإعـــلامي

رابط مختصر
العدد 8663 الجمعة 28 ديسمبر 2012 الموافق 15 صفر 1434

عرض أول فيلم هندي في مصر عام 1957، وكان يحمل اسم «آن» ولم يكن الموزع الذي استورده، يتصور أن يمتد عرضه الأول ستة عشر أسبوعا، وهو رقم فلكي في تلك الأيام، وأن يدر عليه أرباحا طائلة أخذت تتضاعف حين انتقل الفيلم إلى دور عرض الدرجتين الثانية والثالثة، وحين أعقبه بسلسلته الهندية. ولم يكن هناك تفسير لصرعة الأفلام الهندية التي أصابت جمهور السينما في مصر والعالم العربي، والتي تشبه صرعة المسلسلات التلفزيونية التركية هذه الأيام، إلا أنها عابثت شيئا في المزاج العربي الميلودرامي بطبعه، الذي يميل إلى المبالغات والفواجع ويفسر كل شيء على أساس أن هناك مؤامرة صنعتها تصاريف الزمان أو دبرها حزب الشيطان. وكان ذلك هو الطابع الغالب على الأفلام الهندية، فهي تضم خليطا يجمع بين المناظر الطبيعية الجميلة، وبين الرقص والغناء، وبين الضحك الكثير، والدمع الغزير، ويدور الصراع فيها بين شخصيات حدية، فالأخيار طيبون جدا إلى حد البلاهة والأشرار فجار جدا إلى حد التوحش، وهناك دائما مؤامرات بلا حصر، وفواجع بلا عدد.. ومع ذلك فإن الفيلم ينتهي عادة بانتصار الخير، وبزواج البطل والبطلة، بعد أن يكون المشاهد قد ضحك حتى مات من الضحك، وبكى حتى مات من البكاء فلا يتنبه إلى أن أحداث الفيلم ليست منطقية ولا يتذكر أنه شاهده من قبل في أفلام مصرية!أحد الشواهد التاريخية على أن هذا المزاج الميلودرامي، يغلب على طبيعة الشخصية العربية، تجده في الملاحم الشعبية العربية، من «سيف بن ذي يزن» إلى «السيرة الهلالية» و«من سيرة عنترة» إلى موال «أدهم الشرقاوي» ومن حدوتة «ياسين وبهية» إلى حكاية «حسن ونعيمة».. ومن مأساة «شفيقة ومتولي» إلى موال «شفيق» و«مرسي» وهي أحدث ملحمة مصرية يجري تأليفها هذه الأيام وبطلاها هما «الفريق أحمد شفيق» و«الدكتور محمد مرسي» المتنافسان الرئيسيان على رئاسة جمهورية مصر في الانتخابات التي جرت في مطلع صيف هذا العام وانتهت بفوز الرئيس مرسي بالمنصب! ومع أن الطرف الخاسر في المعركة، غادر البلاد، إلا أن شبحه ظل ماثلا، يستحضره أنصار الرئيس في كل أزمة سياسية يقع فيها بسبب سوء تدبير مستشاريه ليعلقوا فأس المسؤولية عنها في رقبة الفريق شفيق أو في رقبة انصاره، إذ لابد أن يكون في الفيلم الهندي شرير يدبر المؤامرات ويتسبب في الأخطاء ويصطنع الأزمات إذ ليس من المنطقي أن يخطئ بطل الفيلم الطيب جدا.. جدا أو الرئيس المثالي جدا.. جدا أو أن يسيء مستشاروه الأكفاء جدا جدا.. التدبير، وليس من الوارد في أي فيلم هندي أو مصري أن يكون هناك معارضون للرئيس يرون غير ما يرى، ويجتهدون غير ما يجتهد في الشؤون العامة حتى لو كان من بين هؤلاء المعارضون من كان يقف ـ أثناء الانتخابات ـ في صف الرئيس ضد منافسه، ولابد أن هؤلاء جميعا هم حزب الشيطان من فلول النظام السابق ومن أنصار الشرير الذي خسر المعركة جاءت أولى الإشارات إلى هذه المؤامرة، حين أصدر الرئيس «مرسي» في 22 نوفمبر الماضي الإعلان الدستوري المكمل الذي قضى بتحصين قراراته ـ السابقة واللاحقة ـ ضد أي طعن قضائي، وهو ما صدم الجميع، إذ كان آخر رد فعل ديمقراطي يتوقعه المعارضون، على انسحاب القوى المدنية من عضوية الجمعية التأسيسية لكتابة الدستور، ولم يجد الذين أشاروا باتخاذ هذا الإجراء تبريرا له، إلا باقتباس مشهد من فيلم هندي، يقول إن الرئيس اكتشف أن هناك مؤامرة، يجري تدبيرها من بعض قضاة المحكمة الدستورية، وبعض الفلول من أنصار النظام السابق لوقف عجلة بناء المؤسسات الدستورية باستصدار أحكام من المحكمة الدستورية في قضايا كانت منظورة أمامها تقضي بعدم دستورية قانون تشكيل مجلس الجمعية التأسيسية لكتابة الدستور، وبعدم دستورية قانون انتخابات الشورى، وأن الهدف من ذلك هو إفشال الرئيس.. والدليل عليه الذي قدم للرئيس فأعلنه بنفسه هو تسجيل لاجتماع ضم بعض هؤلاء الفلول، عقد في مكتب أحد الذين حصلوا على البراءة أخيرا في قضية «موقعة الجمل». ومع أن هذا التسجيل لم يذع.. ولم يقدم للنائب العام لكي يحقق مع المتآمرين استنادا إليه، فقد استمر الحديث عن هذه المؤامرة، على ألسنة شخصيات حزبية مسؤولة في «حزب الحرية والعدالة» و«جماعة الإخوان المسلمين» وحلفائهم من تيارات الإسلام السياسي، ولم يتورع عدد من كبار الدعاة الإسلاميين، عن تكراره من دون أن يتثبت أحد منهم من صحة ما يردده، أو يتأكد أن الذي دسه على الرئيس إنما هو فاسق يسعى لتوريطهم في إصابة قوم بجهالة. ولأن الأفلام الهندية تؤلف عادة في الاستديو، فقد انشغلت القنوات التلفزيونية التي تنطق بلسان تيارات الإسلام السياسي وتؤيد الرئيس، بترويج هذه المؤامرة الوهمية والإضافة إليها، بدلا من أن تسهم في البحث عن حل للأسباب الموضوعية التي أدت للأزمة، مما أدى إلى تفاقمها فاحتشد المعارضون أمام إحدى واجهات مقر الرئيس في قصر الاتحادية، يطالبون بإلغاء الإعلان الدستوري المكمل، واحتشد المؤيدون له أمام واجهة أخرى للمقر، يطالبونه بسحق المتآمرين، واتصل أحد أقطاب جماعة الإخوان المسلمين بإحدى هذه القنوات هاتفيا ليبلغها بأنه تلقى عبر الهاتف معلومات تقول إن حشد المعارضين للرئيس يتكون من 60% على الأقل من المسيحيين. وبصرف النظر عن أن اجراء مثل هذا الإحصاء أمر مستحيل، أو أن وجود هؤلاء أمر لا دلالة له، إلا أن المعارضة تضم أطيافا دينية واجتماعية وسياسية متنوعة تمثل الجماعة المصرية، فقد ألهمت هذه المعلومة أحد المشاهدين بالاتصال بالقناة من السويد، لكي يطور أحداث السيناريو فيقول إن لديه معلومات من مصادر استخبارية موثوق بها، تكشف عن أن هناك أعدادا كبيرة من المسيحيين المصريين يجري تدريبهم على استخدام أسلحة متطورة جرى تهريب كميات ضخمة منها إلى القاهرة، لتخزن في احدى الكنائس في انتظار ساعة الصفر. وكان ذلك هو طرف الخيط الذي التقطه سيناريست مبتدئ آخر، قال إن ساعة الصفر هي اللحظة التي يتقدم فيها من بين حشود المواطنين المعارضين الذين يحاصرون قصر الرئاسة حوالي 150 عضوا من أعضاء جبهة الإنقاذ، مسلحين بأحدث الأسلحة ليقبضوا على الرئيس بعد أن يقتحموا القصر، وإخفائه في مكان غير معلوم، ثم إذاعة بيان في الفضائيات التي يملكها الفلول، بأنه هرب إلى قطر ليصدر بعد ذلك حكم من المحكمة الدستورية بخلو المنصب وتشكيل مجلس رئاسي يضم محمد البرادعي وعمرو موسي وحمدين صباحي، ويضيف أن الذي وضع هذه الخطة هم خلية الإمارات التي تضم «أحمد شفيق» و«ضاحي خلفان» و«محمد دخلان»، وأنه أبلغ ذلك إلى مكتب إرشاد جماعة الإخوان، الذي أبلغه إلى الرئيس ففوجئ بأنه يعلم به، وما أن علم به الشيخ «حازم أبوإسماعيل» حتى قرر محاصرة مدينة الإنتاج الإعلامي لكي يحول بين المتآمرين وبين بث بيان الانقلاب من القنوات التي يملكها الفلول، حيث استعان بعدد كبير من الكومبارس ذبح لإطعامهم عجلا. تلك هي الخطوط العامة لأول فيلم إخواني بنكهة هندية كتبه مكتب الإرشاد وأخرجه الشيخ «حازم أبوإسماعيل» الذي اطلق عليه اسم «عجل في مدينة الإنتاج».

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها