النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11695 الخميس  15 ابريل 2021 الموافق 3 رمضان 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:53AM
  • الظهر
    11:38AM
  • العصر
    3:09PM
  • المغرب
    6:01PM
  • العشاء
    7:31PM

كتاب الايام

لماذا نجحت الديمقراطية في إندونيسيا، وانتكست في مص

رابط مختصر
العدد 8630 الأحد 25 نوفمبر 2012 الموافق 11 محرم 1434

في النسخة السابعة لمنتدى الاتحاد السنوي الذي عــُقد في أبوظبي في العشرين من أكتوبر المنصرم، خـُصصت جلسة بعنوان «المشهد العربي ومسارات التحول» تحدث فيها بعض الزملاء من المفكرين العرب الذين كان من بينهم المفكر الإسلامي اللبناني المعروف الدكتور رضوان السيد. من ضمن ما قاله السيد أن تحولات «الربيع العربي» في بعض الدول كمصر قد فشلت في تحقيق أهدافها بسبب تحدي الإسلام السياسي الذي وصفه بالكبير والنافر، مضيفا «أن الإخوان شعبويون وإقصائيون، والسلفيين إنفجاريون ومصممون، بينما الفكر الإسلامي النهضوي القادر على استيعاب التطورات الحديثة والمعاصرة في إدارة الشأن العام، والحكم الصالح، والتمييز بين الدعوي والسياسي، غائب». ولكي يثبت أستاذنا السيد نظريته هذه فإنه قارن الوضع المصري بأوضاع إندونيسيا في أعقاب ثورة شعبها ضد الديكتاتورية السوهارتية في عام 1998، قائلا أن ماحدث في إندونيسيا من نجاح للديمقراطية واستتباب لمؤسساتها كان بسبب خلو إندونيسيا من تحدي الإسلام السياسي المتشدد. ولما كنت متابعا وملما بأوضاع إندونيسيا، فإني قدمت مداخلة قصيرة اعترضت فيها فقط على مقولة إشارة السيد إلى خلو المجتمع الإندونيسي من جماعات الاسلام السياسي المتطرفة، مع اعترافي وإقراري بما عــُرف عن هذا المجتمع أصلا من تسامح ديني مدهش. فلو سلمنا بما قاله الرجل فكيف نصنف «الجماعة الإسلامية» بقيادة رجل الدين الإندونيسي المتشدد من أصول حضرمية «أبوبكر باعاشير»، وفي أية خانة نضع أتباعه وتلامذته من أمثال عمروسي، ونورالدين توب، وأبودجانة، وذو المتين، والحنبلي، والأزهري حسين وغيرهم ممن نفذ أعمالا إرهابية يندى لها الجبين على مدى السنوات الماضية، ومارس العنف المسلح والإرهاب والتفجيرات وإزهاق الأرواح البريئة على أمل تحقيق فكرة خيالية تجاوزها الزمن وهي إقامة دولة خلافة إسلامية في جنوب شرق آسيا تضم إندونيسيا وماليزيا وسنغافورة وبروناي والأقاليم الجنوبية من تايلاند والفلبين. ووافقتي في وجهة النظر هذه الدكتور «بهجت قرني» أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة الإمريكية، والذي بدا مطلعا على دقائق الحالة الإندونيسية من خلال ما نظمه في جامعته من ورش عمل ولقاءات أكاديمية حول مسارات التحول الديمقراطي في العالم الثالث. إن ما حدث في إندونيسيا ولم يحدث في مصر مثلا، من وجهة نظري المتواضعة، لم يكن بسبب تحدي الاسلام السياسي المتشدد في الثانية وغياب هذا العامل في الأولى، وإنما بسبب أمر آخر فائق الأهمية في سياق حديثنا هو تفشي الأمية في مصر وبلوغها معدلات مرتفعة مقابل أقل من 7 في المئة في إندونيسيا. والأمية، كما هو معروف، تحوّل الجماهير إلى قطيع ينطلي عليها أي شعار من أي مصدر كان، وتجعلها مغيبة وغير قادرة على التمييز وقت منح صوتها الإنتخابي العزيز، بينما ارتفاع نسبة المتعلمين تؤدي إلى نتائج معاكسة. ففي إندونيسيا حيث تصل نسبة المتعلمين إلى 93.4 بالمئة من إجمالي السكان البالغ عددهم اليوم نحو 238 مليون نسمة كان المجال متاحا أمام جماهير الناخبين للتمييز بين من يمثل تطلعاتهم وآمالهم الحقيقية، ولديه من المصداقية ما يكفي لتحقيق تلك التطلعات، فذهبوا إلى صناديق الاقتراع في كل الانتخابات التي تلت سقوط الديكتاتورية، من بعد قراءة واعية ودقيقة لبرنامج كل متنافس وسيرته الذاتية ومدى خدمته لمجتمعه، وقدرته على تنفيذ وعوده الإنتخابية. وفي آخر إنتخابين رئاسيين لم يجد المقترعون الإندونيسيون، الذين ذاقوا الأمرين من رعونة وصفاقة جنرالات المؤسسة العسكرية وفسادهم، غظاظة في منح أصواتهم بكثافة لرجل عسكري كان قد خلع بزته الكاكية منذ زمن قريب وشكل حزبا سياسيا توافقيا تحت شعار ترسيخ الديمقراطية والعدالة والمساواة، وتحقيق تنمية للأمة مشابهة لما تحقق في دول الجوار. هذا الرجل الذي وثق فيه الإندونيسيون رغم خلفيته العسكرية هو الرئيس «سيسيلو بامبانغ يودويونو» الذي يقود الديمقراطية الإندونيسية الوليدة بنجاح من بعد مرحلة مخاض عسيرة في عهود أسلافه الثلاثة (يوسف حبيبي، وعبدالرحمن واحد، وميغاواتي سوكارنو بوتري). وقد ساعد المقترع الإندونيسي هنا ثورة الإعلام الجديد وتكنولوجيات التواصل الاجتماعي التي اجتاحت بلاده ووصلت إلى أقصى جزيرة من جزر إندونيسيا البالغ تعدادها نحو 17500 جزيرة، الأمر الذي مكن هذا المقترع من تكوين صورة أوضح للخيارات المتاحة أمامه سواء على صعيد المترشحين للرئاسة أو لعضوية البرلمان، من بعد أن كان مكبلا على مدى ثلاثة عقود بما يضعه الإعلام الرسمي أمامه. أما في مصر التي تصل نسبة أمية ملايينها الثمانين إلى نحو 40 بالمئة في أحسن الأحوال، فإن الأمية معطوفة على العواطف الفجة، والفقر الحائل دون امتلاك قطاع واسع من الناس لوسائط الإتصالات الحديثة، والرغبة في التغيير دون التمحيص في البديل، جعلت الجماهير التي قادت الحراك الشعبي تقع في فخ الوعود الوردية التي أطلقتها قوى الإسلام السياسي، لتكتشف بسرعة أنها استبدلت ديكتاتورية الفرد بديكتاتورية الجماعة والمرشد. وما الفوضى الأمنية، وتعقيدات المشهد السياسي، والقرارات الإدارية المتناقضة، والمصادمات الشارعية التي أعقبت فوز الدكتور محمد مرسي بالرئاسة إلا دليل على حالة «السيولة المصرية» كما وصفها صديقنا المفكر القطري الدكتور عبدالحميد الأنصاري. والمؤكد أن الحالة المصرية بتشعباتها المختلفة سوف تتكرر قريبا في أفغانستان التي تستعد لإنتخابات رئاسية وبرلمانية جديدة بعد انتهاء فترة ولاية الرئيس الحالي «حامد كرزاي» الذي أعرب عن عدم رغبته في الترشح مجددا. فالمجتمع الأفغاني لئن كان أكثر تخلفا وأمية وإضطرابا من مجتمعات «الربيع العربي»، فإنه في الوقت نفسه أكثر تشددا وتعصبا للقبيلة والطائفة والعرق. وهذه العوامل مجتمعة ستجعل من حالة التشظي المجتمعي، والإنفلات الأمني، والتطرف الفكري الراهنة مستمرة إلى أجل علمه عندالله، وسوف تعيق أي خطة، (كائنا من كان الفائز في الانتخابات الرئاسية القادمة) لإخراج البلاد من دوامة الحروب الأهلية ووضعها على سكة الإصلاح والتنمية، خصوصا وأن التجارب والأحداث أثبتت أن أفغانستان ضحية موقعها الجغرافي الكئيب، بمعنى أنها محاطة بمجموعة من القوى الأكثر تقدما منها، وكل قوة تدس أنفها في شئونها الداخلية وتبني فيها لنفسها نفوذا بحجة حماية مصالحها القومية. وبطبيعة الحال، فإن في مقدمة هذه القوى جارة أفغانستان الجنوبية (باكستان) التي لعبت وما زالت تلعب من خلال مخابراتها العسكرية دورا مشبوها في توتير الأوضاع في هذه البلاد. ثم تأتي الجارة الأخرى (إيران) التي تنطلق في سياساتها الخارجية تجاه أفغانستان من منطلقات مذهبية وطائفية بحتة. ومما لاشك فيه ان ولاءات الجماعات الأفغانية السياسية العابرة للحدود باتجاه هذه الدولة أو تلك من دور الجوار بحسب الإيديولوجيا أو الإثنية المشتركة أو المذهب الديني الواحد لعبت على مدى عقود من الزمن دورا مخربا وعائقا أمام إستتباب الأمن والسلام في هذه البلاد. وهذه الجزئية تحديدا تنطبق على بعض الحركات السياسية العربية التي باعت نفسها للأجنبي بثمن بخس، بل وصارت تفاخر بذلك علنا دون حياء بعد أن كان مثل هذا التصرف في حقبة المد القومي العروبي، ومرحلة مواجهة الاستعمار الغربي عيبا وخيانة للوطن وجريمة تدمغ صاحبها بالعار حيا وميتا. ومجمل القول ان العدو الحقيقي لإقامة ديمقراطية سليمة هو الجهل.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها