النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11695 الخميس  15 ابريل 2021 الموافق 3 رمضان 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:53AM
  • الظهر
    11:38AM
  • العصر
    3:09PM
  • المغرب
    6:01PM
  • العشاء
    7:31PM

كتاب الايام

إنت ســوّي فكر ..أنا جـــود عـَكـــْس

رابط مختصر
العدد 8628 الجمعة 23 نوفمبر 2012 الموافق 9 محرم 1434

أعاد إلي الزميل الأستاذ سعيد الحمد عبر مقاله المنشور في الأيام في 16 نوفمبر الجاري تحت عنوان «عن الصورة والتصوير أيام زمان» الكثير مما يختزنه أبناء جيلي من مشاهد وذكريات وإرهاصات وطرائف عن الصور والتصوير وأدواتهما ومحالهما في البحرين. كان جيلنا، رغم إمكانياته المادية المتواضعة وبدائية مجتمعه، عاشقا أمينا للصورة بمختلف أشكالها، الصامتة منها والمتحركة. أما من كان محظوظا منا بإمتلاكه لآلة تصوير بدائية وصلته كهدية نجاح أو تفوق في المدرسة، فإنه لم يسلم من تبعات تلك الآلة السحرية ومشاكلها المتمثلة في العطل او الحصول على بكرة الأفلام المناسبة من نوعي «كوداك» أو «أغفا»، أو معرفة كيفية تثبيتها بطريقة سليمة كي لا تظل تدور داخل الكاميرة دون إلتقاط الصورة، ناهيك عن مشاكل تحميض الصور وطباعتها في الإستوديوهات القليلة المتوفرة في خمسينات وستينات القرن الماضي. ومن استطاع أن ينجو من هذه المشاكل، كان لا ينجو من مشكلة أخرى تمثلت في ضرورة إرسال بكرة أفلامه إلى لندن للتحميض، مع كل ما كان يصاحب تلك المشكلة التي كانت مقتصرة وقتها على نوعية معينة من الصور التي كانت تـُـعرف بـ «السلايس» من تأخير ومصاريف إضافية مرهقة. لقد أجاد الزميل الحمد التطرق لبعض تلك المشاكل والإرهاصات التي عانى منها جيلنا، لكنه غفل عن أخرى كثيرة، رأيتُ أن أوثقها في هذا المقال الإستطرادي القصير. فإلى جانب «ستوديو إعجاز» في المنامة لصاحبه «إعجاز خان» الذي ظل مخلصا ووفيا لمهنته على مدى عقود قبل أن يورثها لأبنائه الذين قاموا بتصفية إرثه قبل نحو عام حينما باعوا محله في منطقة العدلية (بجانب سوبرماركت الجزيرة) لمطعم «هارديز» للمأكولات السريعة مقابل قفلية معتبرة، كان هناك في المنامة أيضا «ستوديو خلفان» داخل الممر المسقوف المؤدي من شارع الحكومة إلى شارع التجار، وهو الممر الذي يشغله حاليا مبنى «فندق إنترناشيونال». كان من الصعب التفاهم في البدايات مع المصور إعجاز، لأنه لم يكن يجيد العربية، ولا نحن كنا نجيد لغته الأوردية فيما عدا بعض المفردات القليلة التي تعرفنا عليها من خلال افلام السينما الهندية مثل «أتشا»، و»برابر» و «جلدي» و»كيتنا؟». كان إعجاز يصر إصرارا عنيدا على تصويرنا بالكيفية التي هو يريدها، وليست الكيفية التي نرغبها. كان مثلا يطلب من الزبون أن يضع قبضته تحت ذقنه وينظر جانبا مصطنعا التأمل. وإن أنسى فلن أنسى عبارته الشهيرة التي كان يكررها علينا بلغته العربية الركيكة في تلك الأحوال وهي «إنت ســّوي فكر .. أنا أضرب عـكس» وترجمتها « تصنــّع أنت التفكير وأنا سألتقط الصورة»! مرّ زمن طويل كنا خلاله في شد وجذب مع إملاءات إعجاز حول طريقته في إجلاسنا امام العدسة، لكننا فجأة تحولنا إلى مطيعين، بل ومحبذين لطريقته تلك. حدث ذلك بعد أن إنتشرت صورة فوتوغرافية ملونة للزعيم الراحل جمال عبدالناصر وهو يضع قبضته تحت ذقنه. أما في ستوديو خلفان الذي كثيرا ما كنا نمر به بغرض أو دون غرض، فقد كان دينامو المحل ومحور نشاطه هو إبن المحرق الفنان المرحوم «عزيز محمد نور بستكي» الذي لا أبالغ لو قلت أنه كان صاحب سبع صنائع، لكن بخته كان ضائعا كالكثيرين. فهو إمتلك الحس الفني ومهارات التصوير الفوتوغرافي مبكرا، الأمر الذي جعله يتفنن ويبدع في إلتقاط صور عديدة لنا قبل أن يمنتجها لاحقا ويجعلنا محلقين في السماء مع الطيور والسحب، أو يجعل وجوهنا داخل نجمة وبقية أجسادنا داخل هلال. ومثلما كان «عزيز نور» موهوبا في هذه الحيل التصويرية المبهرة وقتذاك، فإنه كان بارعا في مزج الأصباغ من أجل تلوين الصور يدويا في زمن لم يكن فيه الناس قد عرفوا بعد أفلام التصوير الملونة ومعاملها. وأتذكر أن بعضنا كان يدخل مع عزيز في شجار بعد الإطلاع على صورته وهي ملونة يدويا بريشة الأخير، لأنه جعل بشرة وجهه غامقه وعينيه سوداوان، أي كما الأصل، بينما كان هو يتمنى صورة ببشرة بيضاء وعينين خضراوين كصور الأوروبيين واللبنانيين. وفي فترة لاحقة، حينما عرفنا التلفزيون والسينما، وأصبنا بهوس مطاردة صور نجوم السينما العربية من خلال مجلتي «الكواكب» المصرية و»الموعد» اللبنانية، أو من خلال ما كان يـُوضع داخل اللبان «العلوج» من صور ملونة لفاتنات السينما المصرية، كنا نأخذ تلك الصور إلى «عزيز نور» كي يكبرها ويعيد نسخها لتصبح صورا فوتوغرافية طبيعية باللونين الأبيض والأسود. وأتذكر ان «عزيز نور» إستغل هوسنا وشغفنا بالممثلين والممثلات فابتكر شيئا جديدا لم يكن مألوفا في حينه وهو إدماج صورنا الشخصية الملتقطة في محله مع صور نجمات الشاشة الذهبية كي نتباهى أمام الآخر أو نكذب عليه بأننا إلتقينا النجمة الفلانية شخصيا وسمحت لنا بإلتقاط صورة معها. ومما أتذكره أيضا أن «عزيزنور» كثيرا ما كان يعرض على البعض منا، وخصوصا أصحاب الطلة البهية والملابس النظيفة والشعر المصفف بعناية، أن يلتقط لهم صورا مجانية كي يضعها بعد تلوينها في «فترينة» ستوديو خلفان كنوع من الدعاية وجذب الزبائن. وعلى حين كان فريق من هؤلاء يوافق دون تردد، كان الفريق الآخر يقايض العرض بشيء من المال أو بصورة مجانية مفبركة تجمعه مع فاتن حمامة أو ماجدة أو شادية أو كاريمان. أتذكرون كاريمان؟ المؤلم حقا أن عزيز هذا رحل عن دنيانا معدما فقيرا ومصابا بالإحباط والكآبة، دون أن يأتي على ذكره أحد في وثيقة عن تاريخ فنون التصوير في البحرين. أما إعجاز فقد إنزوى بعدما بارت مهنة وتجارة التصوير بسبب ظهور تقنيات الكاميرة الرقمية والهواتف النقالة التي لا تحتاج إلى بكرات الأفلام او تحميض الصور أو إلبوماتها. وبما ان شركة عملاقة مثل «كوداك» تراجعت أعمالها بعدما إستغنى الناس عن منتجاتها من بكرات الأفلام، فليس غريبا أن تبور تجارة إعجاز وأشباهه ممن أثروا دنيانا وذاكرتنا بمخزون كبير من الصور الشخصية والعائلية التي كنا نهديها بفخر للآخرين ومن خلفها مكتوب بخط اليد العبارة الأثيرة «أهديك رسمي والرسم تذكار، يفنى العمر ويبقى الرسم ناقوسا يدق في عالم النسيان». شكرا يا سعيد، ورحمة الله عليك يا عزيز.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها