النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12099 الثلاثاء 24 مايو 2022 الموافق 23 شوال 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:19AM
  • الظهر
    11:36AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:22PM
  • العشاء
    7:49PM

كتاب الايام

ذيل النظام الاجتماعي الذي عاد يلعب

رابط مختصر
العدد 8628 الجمعة 23 نوفمبر 2012 الموافق 9 محرم 1434

آخر التقاليع الدستورية التي انتهت إليها الجمعية التأسيسية المنوط بها كتابة دستور مصر الثورة، هو النص الذي أضافته لجنة الصياغة بالجمعية إلي الباب الثاني من مشروع هذا الدستور الخاص بالواجبات والحقوق والحريات العامة، وهو نص طويل وعريض ومهيب يحمل - في مسودة 5 نوفمبر 2012 من الدستور ـ رقم 74 ويتكون من ثلاث فقرات تقول الأولي «كل اعتداء علي أي من الحقوق والحريات المكفولة في الدستور، جريمة لا تسقط الدعوي الجنائية ولا المدنية الناشئة عنها بالتقادم، وتكفل الدولة تعويضا عادلا لمن وقع عليه الاعتداء»، وتقول الفقرة الثانية «المبادئ والحقوق والحريات اللصيقة بشخص المواطن لا تقبل تعطيلا أوانتقاصا ولا يجوز لأي قانون ينظم ممارسة هذه الحقوق أو الحريات أن يقيدها بما يمس أصلها»، أما الفقرة الثالثة - وهي مربط الفرس، وثالثة الاثافي - فتقول «وتمارس الحقوق والحريات المنصوص عليها في هذا الباب بما لا يتعارض مع الأحكام الأساسية للدولة والمجتمع الواردة في هذا الدستور». والحريات والحقوق العامة المنصوص عليها في هذا الباب، هي حريات الاعتقاد والفكر والرأي والتعبير والصحافة والإبداع، والحقوق الواردة به، هي حقوق التظاهر السلمي والإضراب عن العمل، والاجتماع وتكوين الجمعيات والأحزاب والنقابات. ولا اعتراض بالطبع علي الفقرتين الأولي والثانية من المادة، فهما تحصنان الحقوق والحريات ضد أي تغوّل يأتي عليهما، من السلطة التنفيذية التي قد تلجأ إلي العصف بها، أو من السلطة التشريعية التي قد تتعلل بتنظيم ممارستهما لكي تصدر قوانين تصادر أصل الحق الذي صدرت لتنظم ممارسته. أما المشكلة فهي تكمن في الفقرة الثالثة من المادة التي شطبت علي الفقرتين الأولي والثانية منها، وشطبت بالمرّة كل الحقوق والحريات التي تتضمنها مسودة الدستور، إذ جاءت لتضع شرطا جامعاً مانعاً يفرض علي كل من يمارس حقا من هذه الحقوق والحريات ألا يمارسه بشكل يتعارض مع «الأحكام الأساسية للدولة والمجتمع الواردة في الدستور»، وبمفهوم المخالفة، فلا حق ولا حرية للمواطن الذي يخالف هذا الشرط، ويجوز للسلطة التنفيذية أن تصادر حريته وأن تسلبه حقوقه، من دون أن تتهم بارتكاب جريمة تتطلب النص علي عدم سقوطها بالتقادم، ويجوز للسلطة التشريعية أن تستند إلي هذه الفقرة لكي تصدر قوانين تنظم ممارسة الحقوق والحريات، تعصف بأصل الحق وتصادر أصل الحرية ولا تبقي منهما شيئا، لأن أحداً لا يعرف ما هو المقصود تماما بعبارة الأحكام الأساسية للدولة والمجتمع الواردة في الدستور! ذكرني هذه الإضافة، بذيل المادتين - 15 - الخاصة بحرية الصحافة و- 20 - الخاصة بحرية الاجتماع والتظاهر في دستور 1923، وكانت لجنة الثلاثين التي وضعت مسودة هذه الدستور قد انتهت إلي أن يكون نص المادة الأولي «الصحافة حرّة في حدود القانون والرقابة علي الصحف محظورة، وإنذار الصحف أو وقفها أو إلغاؤها بالطريق الإداري محظورا كذلك»، أما المادة الثانية فقد انتهت إلي أن يكون نصها «للمصريين حق الاجتماع في هدوء وسكينة غير حاملين سلاحا وليس لأحد من رجال البوليس أن يحضر اجتماعاتهم ولا حاجة بهم إلي اشعاره، لكن هذا الحكم لا يجري علي الاجتماعات العامة، فإنها خاضعة لأحكام القانون». ورفعت لجنة الثلاثين مشروع الدستور إلي الحكومة، التي أضافت للمادة الخاصة بحرية الصحافة ذيلا يقول «إلاّ إذا كان ذلك ضروريا لوقاية النظام الاجتماعي»، وبتلك الإضافة التي لا تزيد علي سبع كلمات، حصلت الحكومة - استثناء من النص الأصلي للمادة - علي حق دستوري يبيح لها إنذار الصحف ووقفها وإلغاءها بقرار إداري منها، بهدف وقاية النظام الاجتماعي، أما المادة 20 الخاصة بحرية الاجتماع والتظاهر فقد أضافت الحكومة إليها ذيلا يقول: «كما أنه لا يقيد أويمنع أي تدبير يتخذ لوقاية النظام الاجتماعي»، فحصلت الحكومة بذلك علي رخصة دستورية، بأن تمنع الاجتماعات العامة، وتفض المظاهرات بقرار إداري منها، وأن تهدر بذلك حقا أساسيا من الحقوق التي أقرها الدستور للمصريين، بدعوي أنها تحافظ علي النظام الاجتماعي. وخلال الأعوام الثلاثين التي عاشها هذا الدستور (1923- 1953) لم تكف الحكومات الديكتاتورية عن إنذار الصحف وتعطيلها وإلغائها، وعن فض المظاهرات بالقوة، ومنع الاجتماعات العامة بقرارات إدارية، استناذا إلي «ذيل وقاية النظام الاجتماعي» الذي أضافته إلي هاتين المادتين من الدستور، ولم يتوصل أساتذة القانون الدستوري فيما بينهم علي معني محدد لمصطلح «النظام الاجتماعي» أو تحديد للخطر الذي يبيح للحكومة، الحق في أن تطيح بالحريات، لكي تقي هذا النظام منه، فذهب البعض منهم إلي أن «النظام الاجتماعي» هو النظام الاقتصادي الذي يحمي حرية التملك، وقال آخرون إنه النظام السياسي الذي يقوم عليه الدستور، وهو الملكية الدستورية، وقال فريق آخر بل هو نظام العائلة وأحكام الزواج والمواريث، واختلفوا في تحديد الأخطار التي تتهدد هذا النظام، فقال البعض إنها الشيوعية وقال آخرون إنها الفاشية، وقالت الأغلبية إنها كل جماعة تسعي لممارسة العنف لإكراه الآخرين علي الأخذ برأيها ولقلب النظام السياسي الديمقراطي القائم علي التعددية الفكرية والسياسية والدينية. واثبتت التجربة العملية أن ذيل «وقاية النظام الاجتماعي» قد أقحم علي مواد الحريات في دستور 1923، لحماية الحكومات الديكتاتورية من خطر النقد ومن نشاط المعارضة، ولكي يبيح لها في الوقت الملائم أن تستخدم هذا الذيل لتكميم أفواه الذين يمارسون حقوقهم الدستورية في إبداء الرأي، وفي الاعتراض علي ما تمارسه هذه الحكومات من قهر وفساد واستبداد. وفي عام 1953 أعلن إسقاط دستور 1923، وخلت الدساتير المصرية التالية من ذيل وقاية النظام الاجتماعي إلي أن عاد ليضاف إلي المادة 74 من مشروع دستور 2012. ورحم الله صديقي الشاعر «أمل دنقل» الذي قال: لا تحلموا بعالم سعيد.. فخلف كل قيصر يموت.. قيصر جديد.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها