النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11184 الجمعة 22 نوفمبر 2019 الموافق 25 ربيع الأولى 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:38AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:46PM
  • العشاء
    6:16PM

كتاب الايام

بالقلم الرصاص

للديمقراطية معنى واحد!!

رابط مختصر
العدد 8628 الجمعة 23 نوفمبر 2012 الموافق 9 محرم 1434

إن أي حديث يجري عن الديمقراطية – وهو الحديث الذي كان يدور بمعزل عن الحرية في بعدها الشخصي وصيغتها الجمعية التي تسمى بالحريات العامة- وأي ادعاء للعمل بها وفق مفهومها وآلياتها والإيفاء بكل اشتراطاتها من وجوبية وجود دستور وفصل للسلطات وتنظيم للانتخابات وإقرار للحق بوجود المعارضات- وأقصد المعارضات الوطنية التي تختلف في نشأتها ومبادئها وفي انتماءاتها وتوجهاتها طبعا عن جمعية «الوفاق» وتوابعها- وغير ذلك من الاشتراطات، مفرغ من أي معنى ويقود إلى تأسيسات كاذبة تفضي إلى مواصلة السير في النفق المظلم ذاته، وإلى إضاعة مزيد من الوقت من عمر الشعوب في مسعاها لتحقيق العدالة والمساواة وعدم التمييز وكلها مفاتيح أساسية لبلوغ التنمية والرخاء والتقدم؛ إذ أن الديمقراطية والحرية صنوان لا يتوافر وجود حقيقي لأي منهما من دون وجود الآخر، فهما وجهان لعملة واحدة. من خلال الديمقراطية الحقيقية يمكن فحسب اكتساب الحريات والمساواة والكرامة الإنسانية وتوسيع مدياتها باتجاه التناسل والتكاثر على عكس ما هو حاصل في صنف آخر من «الديمقراطيات» الكاذبة التي تدعيها دول وتزعم جماعات ورهوط طائفية مدفوعة بمحركات مذهبية تبنيها؛ فمن لا يقبل بالحريات معيارا لقيس الديمقراطية وعمادا لبنائها لهو أبعد ما يكون عن الديمقراطية. لقد علمتنا تجارب الحكم غير الديمقراطية على مدى السنين الطويلة في العالم العربي ما ينبغي أن تكون عليه الديمقراطية، وجعلتنا نميز ديمقراطية الديكور من ديمقراطية الجوهر والقيم والمؤسسات، ومن رحم هذه الديمقراطية استلهم جلالة الملك حمد حفظه الله ورعاه مشروعنا الإصلاحي لجلالة وشرع في خط السبل الأقوم لدحر معيقات تطبيق الديمقراطية ورفع سائر التحديات إيمانا من جلالته بأن الديمقراطية عنوان أكبر لكل مطامحنا المشروعة في التنمية العادلة والمستدامة والرفاه الاجتماعي والاقتصادي والسلم الاجتماعي والمواطنة الحقة التي تجعل القانون سلطانا مطلقا ضامنا للعدل أساس العمران على حد عبارة ابن خلدون المشهورة. ومهما أطلقت تيارات الإسلام السياسي على الحريات الشخصية والعامة من نعوت وتوصيفات تقلل من قدرها باعتبارها مستوردا غربيا لا يتفق مع قيم مجتمعنا وتعليمات ديننا، فإن ذلك يصب في خدمة تيارات الإسلام السياسي، هذه التيارات التي تقرأ الدين قراءة مغايرة عن الأغلبية المسلمة، لكنها تزعم قيادتها بهدف تجيير مفضيات هذه القراءة لخدمة مصالحها ورفد مواقفها السياسية بمصداقية زائفة. الديمقراطية هي بمثابة المسامات التي تتيح للحريات متنفسا في المجتمعات الإنسانية وتفتح آفاقا واعدة على حركة الحياة وتلقي بظلالها على مستقبل الأجيال مبشرة بولادات جديدة تكون قادرة على تغيير اتجاهات الناس، وبالتالي تغيير القناعات المجتمعية وإعادة التوازن إلى الشارع العربي وليس الشارع البحريني إلا جزءا مهما من أجزائه. الحديث عن الديمقراطية بدون حريات يبقى حديثا متنزلا من خواء، هو في الحقيقة حمل كاذب؛ كما أن أي كلام عن الحريات من دون تأسيس ديمقراطي لها هو سفسطة وهراء. هذه بديهية ينبغي أن تكون حاضرة عند الحديث عن أي تغيير في بنى الدول والمجتمعات وهياكلها. وهذا ما نلمسه بالضبط في دول العالم الديمقراطي غربا وشرقا، لكن يبدو أن الفرق شاسع بين أن نقرأ عن الديمقراطية ونسمع عن كيفية تطبيقاتها وممارساتها، وبين أن نمارسها نحن شعوب العالم النامي المهووسة بترقية قيمها وأعرافها هي بالذات على كل ما عداها من قيم وأعراف ومُثل، وذلك بعد فتح نافذة نشير منها باتجاه العالم الخارجي والعربي منه على وجه الخصوص إلى جماهيرنا العربية بأن هذا العالم حكومات وشعوبا تتآمر على حضارتنا من خلال محاولاتها ضرب قيمنا وديننا. ومن المفارقات «العجيبة» والنتائج « المبهرة» أن الديمقراطية أثبتت بأنها من أكثر المفاهيم قابلية للتطور الإيجابي مع الممارسة، وهذا ما تشهده المجتمعات الديمقراطية التي فصلت الدين عن الدولة؛ إلا أن الأمر مختلف في بلدان العالم النامي وبالأخص منها تلك التي تقع في المنطقة الإسلامية، فهي تذهب باتجاهات معاكسة، فأول ما ينتظر شعوب هذه المنطقة هو التفات تيارات الإسلام السياسي، الصاعدة إلى الحكم مستثمرة الحراك الشعبي الذي أفرزه فساد حكام «الجمهوريات» العربية واستبدادهم، أو تلك الأخرى التي حصدت في بعض البلدان العربية أغلبية برلمانية مثل الكويت والبحرين، إلى الحريات المتوافرة إذ يجري العمل بشكل مدروس على قمع هذه الحريات وبـالقانون. ولا نعدم سوق الأمثلة في هذا الإطار، فتجربة «إمارة» حماس المرتبطة «نضالا» بإيران نكاية بالسلطة الفلسطينية في رام الله وبتنظيم الإخوان المسلمين العالمي الأخطبوطي لشاخصة في المشهد العربي العام. كما أن عندنا نحن هنا في البحرين من الشواهد ما يكفي لإثبات ذلك، فمن المعروف أن جزءا كبيرا من الشارع البحريني ـ فك الله أسره ـ يقع في قبضة تيارات الإسلام السياسي بشقيه السني والشيعي، وهي تيارات تحرك هذا الشارع وفق أهوائها ولديها من الأدوات والوسائل والمنابر لإقناع الناس، وهو ما لم تتحصل عليه قوى أخرى منذ نشأة الدولة الحديثة في البحرين على يد مؤسسها الشيخ عيسى بن علي آل خليفة. ما ينبغي قوله لتيارات الإسلام السياسي في هذا المقام إنه إذا كانت الديمقراطية هي البديل السلمي الذي أتاح لمختلف التيارات السياسية في المجتمع إمكانية التنافس للوصول إلى سدة التشريع، فإن إعلان حقوق الإنسان هو الذي يعدل كفة الميزان بين من فاز وتبوأ سدة التشريع وبين المواطنين، وإن تعزيز ثقافة المواطنين بمبادئ حقوق الإنسان كفيل وحده بوضع حد للتسلط والاستبداد الذي تمارسه هذه التيارات باسم الدين وباسم الأغلبية الدستورية. أعتقد أن ما تقدم يقودني إلى استخلاص نتيجة مفادها، أن للديمقراطية معنى واحدا لا يقبل القسمة شطرين، ويكمن هذا المعنى في المواطنة المتساوية والتمتع بالحريات وفق ضوابط الحقوق والواجبات الدستورية وتطبيق القانون. وهذا الشكل من الديمقراطية لن تعطيه تيارات الإسلام السياسي لا الشيعية منها ولا السنية، لأن ثوبها واسع فضفاض على إيديولوجيتها المتحجرة، وهي تؤخذ بكليتها في التطبيق ولا ينبغي وضع شروط تعيق تطورها إلا ما تعلق بإيمان الناس ومعتقداتهم وسلامة الأوطان وأمن الشعوب. وإن نظرة عامة إلى كل ما ألم بشعوب الوطن العربي في ما سمي بـ «الربيع العربي» تؤكد أن هذه الشعوب بعيدة عن تحقيق رجائها في الديمقراطية و نيل العدالة الاجتماعية.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا