النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11927 الجمعة 3 ديسمبر 2021 الموافق 28 ربيع الآخر 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:45AM
  • الظهر
    11:27AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:45PM
  • العشاء
    6:15PM

كتاب الايام

الفلبين تواجه انفجاراً سكانياً غير مسبوق

رابط مختصر
العدد 8651 الأحد 16 ديسمبر 2012 الموافق 3 صفر 1434

على خلاف كل شريكاتها في منظومة آسيان الجنوب شرق آسيوية (باستثناء شريكاتها المسلمة مثل إندونيسيا وماليزيا وبروناي وشريكاتها البوذيات الأقل نموا مثل كمبوديا ولاوس وميانمار) تواجه الفلبين معضلة تزايد عدد سكانها بصورة غير مسبوقة. حيث تشير التقديرات الخاصة بعام 2012 أن معدل نموها السكاني تجاوز نسبة الـ 1.9% مقابل 0.543 % في تايلند، و1.542 % في ماليزيا مثلا، الأمر الذي يعني توقع وصول سكان الفلبين إلى ما فوق المائة مليون نسمة في عام 2014. ولعل هذا ما دعا الامم المتحدة مؤخرا إلى قرع اجراس الإنذار وحث حكومة مانيلا وبرلمانها على اتخاذ إجراءات تشريعية سريعة لسن قانون حول تنظيم الأسرة كيلا تذهب كل المكاسب التنموية القليلة التي تحققت في البلاد خلال السنوات القليلة الماضية أدراج الرياح. والمعروف أن ارتفاع معدلات النمو السكاني لئن كان له بعض الايجابيات في حالات ومجتمعات معينة كسنغافورة مثلا، حيث تمنح الدولة حوافز للأسر على الإنجاب بسبب رخائها الاقتصادي وحاجتها إلى المزيد من الأيدي العاملة الوطنية، فإن له جوانب سلبية خطيرة في المجتمعات التي تعاني من الفقر والبؤس والبطالة وضعف المرافق الحكومية وتقادم البنية التحتية كحال الفلبين التي ينتظر أن تشكل فيها الزيادات السكانية المتتابعة ضغوطا رهيبة على مرافق الدولة الصحية والتعليمية والاسكانية وشبكات النقل والمواصلات والكهرباء والطاقة والمياه. وفي الحالة الفلبينية تبدو الحكومة عاجزة عن تقديم التشريعات المطلوبة لتنظيم الأسرة بسبب عدم اتفاق مكوناتها السياسية على مشروع القانون المعلق في البرلمان منذ 11 عاما من جهة، ثم بسبب تدخلات الكنيسة الكاثوليكية من جهة أخرى. فالكنيسة الكاثوليكية التي يتبعها 80 بالمائة من سكان البلاد المقدرين اليوم بأكثر من 97 مليون نسمة والتي لها سطوة ونفوذ في هذه الدولة (رغم علمانيتها) بدليل الدور السياسي المعروف للكنيسة في الاطاحة بحكومات وأنظمة سابقة، ترى في عملية تنظيم الأسرة وما يتنضمنها من وسائل كاستخدام الواقي للحد من الإنجاب، وتحديد عدد أطفال كل زوجين، عملا مخالفا لتعاليم الدين المسيحي. وطالما أننا فتحنا هذا الملف فإنه من المهم الخوض في المتغيرات الديموغرافية التي شهدتها الفلبين خلال العقود الماضية وصولا إلى وضعها الراهن. فحينما أجري أول إحصاء سكاني رسمي في عام 1877 كان عدد السكان لا يتجاوز خمسة ملايين ونصف المليون نسمة. هذا الرقم الضئيل ظل يرتفع تدريجيا. فمن 48 مليون في عام 1980 إلى 66 في عام 1990 فإلى 77 في عام 2000، وصولا إلى 94 مليون نسمة في عام 2011. وبهذا صارت الفلبين تحتل المرتبة الـثانية عشرة في قائمة الدول الأكثر اكتظاظا بالسكان في العالم، مع وضع يشبه إلى حد كبير وضع مصر، حيث تشير التقديرات الى ان معدل النمو السكاني في هذا القطر العربي في عام 2012 قد وصل إلى 1.922 بالمائة. ومن ضمن الحقائق الديموغرافية الأخرى أن معدل المواليد ناقصا معدل الوفيات في الفلبين هو 2.2%. وهذا رقم مرتفع إذا ما قورن بمثيله الخاص بتايلند (0.8%) وسنغافورة (1.9%) مثلا، ووجود نحو 70 بالمائة من الفلبينيين ضمن الفئة العمرية من 15 إلى 64 عاما، ووجود 57 بالمائة منهم في سن العشرين، وارتفاع معدلال الحياة إلى نحو 72 سنة، وارتفاع الكثافة السكانية في الكيلومترالمربع الواحد من 160 فردا في عام 1980 إلى 220 فردا في عام 1990. هذا ناهيك عما ورد مؤخرا في تقرير إخباري بعنوان «الانفجار السكاني في الفلبين»، والذي تضمن أن ثلاثة آلاف طفل فلبيني يولدون كل ساعة، ومائة ألف يولدون كل شهر، ومليون طفل يولد كل سنة. وبسبب الضغوط الاقتصادية والمعيشية الناجمة عن ارتفاع معدلات النمو السكاني اضطر الملايين من الفلبينيين إلى الهجرة إلى الخارج للعمل في مختلف التخصصات. حيث تفيد الإحصائيات الرسمية أن معدل عدد المهاجرين اليومي هو 2500 فرد، وأن الفلبين، بسبب هذا النزوح، صارت تنافس الدولة الأكثر تصديرا للمهاجرين في العالم وهي المكسيك، وأن نحو 11 مليون فلبيني قد هاجر إلى الخارج، معظمهم إلى الولايات المتحدة الإمريكية، و أن من بين هؤلاء مليونا نسمة يعملون في دول الشرق الأوسط وخاصة المملكة العربية السعودية التي تستضيف وحدها مليونا منهم. إضافة إلى هذه الظاهرة، وللأسباب نفسها، زادت منذ سبعينات القرن الماضي معدلات الهجرة من الأرياف البعيدة والجزر النائية إلى المدن والحواضر مسببة ضغوطا هائلة على المرافق والبنى التحتية. فمثلا ارتفع عدد المدن التي يسكنها مائة ألف نسمة فأكثر من 21 مدينة في السبعينات إلى 30 مدينة في أوائل الثمانينات. أما العاصمة مانيلا وضواحيها التي تبلغ مساحتها الاجمالية 640 كيلومترمربعا فقد راح عدد سكانها يرتفع بنسبة 3.6 بالمائة (أعلى بكثير من المعدل السنوي العالمي المتعارف عليه وهو 2.5 بالمائة) كل عام حتى وصل طبقا لإحصائيات عام 2010 إلى نحو 12 مليون نسمة، علما بأن العدد كان في عام 1975 لا يتجاوز خمسة ملايين نسمة فقط. وإزاء هذه المتغيرات الديموغرافية، معطوفة على إكتظاظ المدن والحواضر بالمتدفقين عليها من الأسر الريفية الفقيرة ذات الأعداد الكبيرة من الأطفال، قرعت بعض التنظيمات المحلية أجراس الإنذار مبكرا، الأمر الذي قابلته الحكومة في عام 1985 بتشكيل لجنة بهدف ضبط الزيادة السكانية. وقد وضعت هذه اللجنة في بداية تحركها خطة لخفض معدلات النمو السكاني إلى 1 بالمائة بحلول عام 2000 عبر وسائل مثل حث الأسر على عدم إنجاب أكثر من طفلين، وحثها على ترك ثلاث سنوات ما بين إنجاب الطفل الأول والثاني، وتشجيع الإناث على عدم الارتباط قبل بلوغ سن الثالثة والعشرين، وتشجيع الذكور على عدم التفكير في الزواج قبل سن الخامسة والعشرين. وقتها كان هناك شيء من التجاوب والتعاون ما بين هذه اللجنة وقساوسة الكنيسة الكاثوليكية، وهو ما اختفى بمجرد سقوط نظام فرديناند ماركوس الديكتاتوري. ذلك أن سقوط الأخير، وتعاظم دور الكنيسة على خلفية دورها في الحدث، والتفاؤل الذي ساد البلاد وقتذاك بإمكانية تحسن مستويات المعيشة وتحقيق نهضة اقتصادية في ظل الديمقراطية الجديدة، كانت كلها عوامل ساهمت في تصلب موقف الكنيسة وانسحاب ممثليها من اللجنة آنفة الذكر، مع اعتراضها على أية خطة لتحديد عدد الأطفال، وتحذيرها من مغبة النص في الدستور الجديد على ذلك. وبهذا تسببت الكنيسة، ليس فقط في قطع الطريق على الجهود المخلصة لسن تشريعات خاصة بتنظيم الأسرة، وإنما تسببت أيضا في تعطيل محاولات التخفيف من حدة الفقر في البلاد، بدليل أنه في عام 2000 كان ثلث الشعب الفلبيني (أو نحو 27 مليون نسمة) يفتقر إلى مبلغ الحد الأدنى لمواجهة احتياجاته الغذائية ومتطلباته الأساسية اليومية بسبب كبر حجم الأسر وأعداد الأطفال. وبطبيعة الحال ساهمت الكوارث الطبيعية مثل الفيضانات والأعاصير وموجات المد البحري في إفقار الفلبيين أكثر فأكثر. د. عبدالله المدني * باحث ومحاضر أكاديمي في الشأن الآسيوي من البحرين تاريخ المادة: ديسمبر 2012

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها