النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12142 الأربعاء 6 يوليو 2022 الموافق 7 ذو الحجة 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:17AM
  • الظهر
    11:42AM
  • العصر
    3:08PM
  • المغرب
    6:34PM
  • العشاء
    8:04PM

كتاب الايام

أزمـــــــــة بـــــــــــلا حــــــــــلّ

رابط مختصر
العدد 8649 الجمعة 14 ديسمبر 2012 الموافق 1 صفر 1434

تعقدت الأحوال في مصر، خلال الأسبوعين الأخيرين، على نحو يصعب معه، وربما يستحيل، التوصل إلى حل لها يرضي كل الأطراف. وكما هي العادة دائماً، بدأت العقدة بخطأ، كان يمكن إصلاحه بالعدول عنه، لولا أن الذين ارتكبوه، أصروا على أن يعالجوا الخطأ بآخر من نوعه، فتراكمت الأخطاء، وازداد الغزل ارتباكا، وضاع طرف الخيط، الذي لا يستطيع أحد دون الإمساك به، أن يفك تعقيداته أو حتى أن يفهمها. وكانت البداية، هي الخلافات التي نشبت داخل الجمعية التأسيسية لكتابة مشروع الدستور، حول عدد ليس بالقليل من مواد المشروع يصل إلى 36 مادة من أصل 330 مادة، وهو عدد منطقي، على الرغم من كثرته إذا ما وضعنا في الاعتبار أن الجمعية تتكون من كتلتين رئيسيتين بينهما تناقض رئيسي، حول نوع الدولة التي يسعى الدستور لتأسيسها: هل تكون دولة دينية.. كما تصر الكتلة الأولى.. أم تكون دولة مدنية دين الأغلبية فيها هو الإسلام، فضلا عن التناقضات الأخرى داخل كل كتلة بين المعتدلين والمتشددين، وهو ما كان يتطلب أناة وصبرا وحواراً ينتهي بالتوصل إلى حلول توافقية حول نصوص هذه المواد. ولكن عوامل أخرى تدخلت في الخلاف فعقدته، كان من أهمها، أن تيارات الإسلام السياسي، داخل الجمعية وخارجها، نظرت إلى هذا الخلاف باعتباره مناورة انتخابية تستهدف إطالة أمد كتابة الدستور، حتى تتراكم المشكلات المعيشية التي يعاني منها المواطنون فتجري الانتخابات البرلمانية، التي يفترض أن تتم في أعقاب صدور الدستور، في مناخ تسوده حالة من السخط الجماهيري فتكون النتيجة أن يفقد الإسلاميون - الذين يديرون شؤون البلاد الآن - الأغلبية التي حصلوا عليها في المجلس النيابي السابق، الذي حل بعد أن حكمت المحكمة الدستورية العليا بعدم دستورية القانون الذي انتخب على أساسه. وكان من بين هذه العوامل كذلك، أن الجناح المتشدد من الإسلاميين الذي يمثله التيار السلفي، كان يضغط بقوة على شركائه في الجمعية التأسيسية، من المنتمين إلى جماعة الإخوان المسلمين، للحيلولة بينهم وبين التوصل إلى حلول وسط مع الكتلة الأخرى، وبخاصة في المواد المتعلقة بتطبيق الشريعة، انطلاقاً من تصوره، بأن الأوضاع الراهنة في مصر تمثل فرصة تاريخية، قد لا تتكرر، لوضع دستور إسلامي، حتى لو لم تكن هذه الأوضاع تسمح بتطبيق كل بنوده، وهي ضغوط خضع لها الإخوان في التأسيسية حتى لا يتركوا لحلفائهم فرصة المزايدة عليهم، والظهور في صورة الأكثر حرصاً على تطبيق الشريعة، فضلاً عن حاجة الإخوان إلى أصواتهم الانتخابية أولاً، ثم إلى كتلتهم البرلمانية ثانيا، حتى يضمنوا أكثرية المقاعد، ثم أغلبيتها في الانتخابات التي ستعقب وضع الدستور. وكان طبيعياً أن ترد الكتلة الأخرى على ذلك التشدد بانسحابات من عضوية التأسيسية، بدأت فردية ثم اتسع نطاقها تدريجيا لتشمل ممثلين لطوائف، مثل الكنائس المسيحية ولنقابات مثل النقابات الفنية، ولأحزاب سياسية مثل الوفد «وفد الثورة» ليصل عدد المنسحبين إلى 27 عضوا من مائة، لتقتصر عضويتها على ممثلي الأحزاب الإسلامية، وحلفائهم من ممثلي الأحزاب أو من الشخصيات التي حصلت على مقاعدها في الجمعية بسبب قربها من هذه الأحزاب أو انتمائها إلى التيار نفسه، أو سعيها للتقرب إليه، باعتباره فارس الزمن القادم. ومع أن الحكمة السياسية، في معالجة هذا المأزق الحقيقي قد فاتت علي المتشددين من الإسلاميين الذين ارتفعت صيحاتهم تعلن سعادتهم بأن الجمعية قد تخلصت من الليبراليين والعلمانيين واليساريين وغيرهم، ممن يوصفون في أدبيات هؤلاء بـ «الكارهين للإسلام» إلاّ أن هذه الحكمة لم تفت على بعض مستشاري الرئيس «محمد مرسي» الذي فتح ثغرة في جدار الأزمة، فدعا إلى حوار وطني، واستقبل عددا من المرشحين السابقين للرئاسة، إلاّ أن الأمر اقتصر على جلسات استطلاع رأي وليس حواراً يستهدف التوصل إلى رؤية مشتركة لمواجهة الموقف يلتزم بها أطراف الحوار، ثم تكشف فيما بعد أن مستشارين آخرين كانوا يعدون خطة لمعالجة الخطأ الذي أدى إلى انسحاب أكثر من ربع عدد أعضاء الجمعية التأسيسية لوضع الدستور، بخطأ جديد وتأزيم الأزمة بأزمة إضافية، وفوجئ الجميع بالإعلان الدستوري المكمل، الذي أضاف إلى السلطتين التنفيذية والتشريعية اللتين يحوزهما الرئيس بالفعل، السلطة التأسيسية وأباح له حق إصدار الإعلانات الدستورية وحصن كل ما اتخذه منذ انتخابه، وكل ما سيتخذه من قرارات فيما بعد من رقابة القضاء واحتوى على خليط من المواد - مثل عزل النائب العام ومنح سلطة التشريع لمجلس الشورى وإعادة محاكمة المتهمين في جرائم قتل الثوار - لا يجمعها سوى شيء واحد هو أن يجمع الرئيس بين يديه السلطات الأربع: التنفيذية والتشريعية والقضائية والتأسيسية. ولم يكن لذلك معنى الا أن الرئيس يقول إن على المعترض أن يضرب رأسه في الحائط، أو أن يذهب إلى سفارة كندا، ليحصل على تأشيرة هجرة دائمة إلى كندا، وليبحث له عن وطن آخر يعيش فيه أو يحصل على جنسيته، لأنه لا يريد أن يكون رئيسا لكل المصريين، اكتفاء بالإسلاميين! ولم يحسب الذين اقترحوا إصدار هذا الإعلان العجيب، رد الفعل المحلي والدولي، ولم يتنبهوا إلى أنهم يؤزمون الأزمة، ويوسعون نطاق المعترضين ويدفعونهم للتشدد ورفع سقف مطالبهم، وذلك ما كان: احتج القضاة على إهدار سلطتهم وأعلنوا الإضراب عن العمل، الذي وصل إلى حدّ إضراب قضاة محكمة النقض، وهي تقف على قمة السلك القضائي، ووحد الغضب بين المعتدلين والمتشددين من الأحزاب السياسية ليرتفعوا جميعاً عند سقف التشدد ودعوا جماهيرهم إلى الاحتشاد مرّة أخرى في ميادين التحرير ليهتفوا بسقوط النظام، ويرفعوا شعار «لا حوار قبل إسقاط الإعلان الدستوري». ولم يجد الرئيس ما يقوله دفاعا عن هذه الأعجوبة الدستورية سوى القول بأن المعلومات التي تجمعت لديه، تقول بأن هناك مؤامرة كانت تدبر لتعطيل تشكل المؤسسات الدستورية، عبر استصدار أحكام قضائية من المحكمة الدستورية العليا، فازدادت الأزمة اشتعالا وتأزما، بعد أن أصبحت هذه طرف فيها وحاول أن يطمئن الغاضبين بأنه لن يستخدم سلطاته بمقتضى الإعلان الدستوري المكمل إلاّ لمدّة شهرين فقط تنتهي فيها الجمعية التأسيسية من وضع الدستور الجديد، وبعد الاستفتاء عليه وإقراره، سوف تسقط تلقائيا جميع الإعلانات الدستورية، بما فيها الإعلان المكمل. لكن الذين أشاروا على الرئيس بإصدار هذا الإعلان، عزّ عليهم أن تكف الأزمة عن التأزم، فإذا بالجمعية العمومية تتنازل عن مدّة الشهرين اللذين أضيفا على مدة انعقادها لكي تحاول التوصل إلى تفاهم مع المنسحبين وتنشط لتنهي مسودة الدستور خلال يومين فقط، وتقدمه إلى الرئيس الذي ما كاد يتسلمه حتى أعلن أن الاستفتاء عليه سيجري في 15 ديسمبر الحالي، ليعلن القضاة امتناعهم عن الإشراف على الاستفتاء ويحتشد أنصار التيار الإسلامي أمام المحكمة الدستورية ليحاصروها ويمنعوها من إصدار أحكام في قضايا كانت منظورة أمامها حتى لا تخالف بنود الإعلان الدستوري. وهكذا قادنا منهج إصلاح الخطأ، بخطأ أفدح منه، إلى أزمة بلا حل سوف ندفع جميعا ثمنا فادحا لها، وفي مقدمتنا الرئيس الذي لم يتنبه إلى رابطة صناع الأزمات التي تحيط به!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها