النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12142 الأربعاء 6 يوليو 2022 الموافق 7 ذو الحجة 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:17AM
  • الظهر
    11:42AM
  • العصر
    3:08PM
  • المغرب
    6:34PM
  • العشاء
    8:04PM

كتاب الايام

سياسة تحميل السلع.. بين «السادات» و«مرسي»

رابط مختصر
العدد 8642 الجمعة 7 ديسمبر 2012 الموافق 23 محرم 1434

بعد أيام من انتفاضة الطعام الشهيرة في 18 و19 يناير 1977، استدعى الرئيس السادات الكاتب الراحل «أحمد بهاء الدين»، لكي يكلفه بكتابة خطاب كان ينوي أن يوجهه إلى الشعب، يعرض فيه تفسيره لما جرى خلال هذين اليومين ويحدد سياسته لمواجهته، ويطرحها لاستفتاء شعبي عام، يضفي عليها مشروعية قانونية وسياسية، ويكون بمثابة تجديد للثقة فيه. وخلال اثنتي عشرة ساعة استغرقها اللقاء، بدا الرئيس السادات غاضبا وممروراً، لأن مظاهرات الاحتجاج على رفع دعم الدولة عن سلع الاستهلاك الشعبي، قد شملت كل أنحاء البلاد، وحاصرت حتى بيوت الوزراء والمسئولين وأركان النظام، حتى وصلت إلى الاستراحة التي كان يقيم فيها بمدينة أسوان، فسمع بأذنيه أصواتا تهتف ضده بأقذع الألفاظ، بعد شهور قليلة من احتفاله بالعيد الثالث لنصر أكتوبر 1973 الذي كان يظن أنه وضع أكاليل الغار على رأسه للأبد، مما اضطره إلى مغادرة الاستراحة على عجل قبل أن يصل إليها المتظاهرون. وكان «السادات» وأركان نظامه على ثقة تامة بأن ما حدث في هذين اليومين هو مؤامرة دبرها وأشرف على تنفيذها خصومه والمعارضون له من الشيوعيين أنصار منافسيه على السلطة من بقية ورثة عبدالناصر الذين أقصاهم عن الساحة في 15 مايو 1971، وكانوا يعرفون أيامها بـ«عملاء مراكز القوى» وهو المصطلح الذي تطور ـ بعد ثورة 25 يناير 2011- إلى «الفلول»، وكان ذلك ما جعله يقول لـ«بهاء»: لا يمكن أن أسمح بتكرار ما حدث.. حتى لو لجأت للحديد والنار.. وأنا أريد أن اتحدث بذلك وبصراحة للناس على شاشة التليفزيون.. وأن أصدر قوانين رادعة حتى ولو لم يسبق لها مثيل. وكان من رأي «بهاء» أن هناك أسبابا موضوعية لما حدث، وأن عليه أن يترك مسئولية التحقيق الجنائي بشأن المسئولية عنه، إلى سلطات التحقيق، وأن يقيل الوزارة التي اتخذت قرارات رفع الدعم ويحملها المسئولية عنها وأن المهم الآن هو أن يركز على الحاضر والمستقبل وليس الماضي، وأن يختار فريقا وزاريا جديدا، يضع سياسات أكثر اقترابا من حاجات الناس ومشاعرهم! وفي 2 فبراير 1977 ظهر الرئيس السادات على شاشة التليفزيون ليلقي خطابا أنهاه بدعوة الناخبين للاستفتاء على حزمة من القوانين والإجراءات بهدف «حماية أمن الوطن والمواطنين» كان من بينها ستة قوانين تعاقب بالأشغال الشاقة المؤبدة كل من انشأ تنظيمات معادية لنظام المجتمع أو اشترك فيها أو دعا لانشائها، وكل من تجمهر بقصد تخريب أو إتلاف الأملاك العامة أو التعاونية أو الخاصة أو حرض على ذلك أو شجع عليه.. وكل من دبر أو شارك في تجمهر يؤدي إلى إثارة الجماهير وكل من يضرب عن عمله عمداً بالاتفاق مع آخرين لتحقيق غرض مشترك وأخيرا الأشغال الشاقة المؤبدة لكل من دبر أو شارك في تجمهر أو اعتصام. ولأن السادات كان قد تعود على تطبيق القانون الاقتصادي الذي يقضي بتحميل السلع البائرة على السلع الرائجة، وينصح التاجر الشاطر بأن يفرض على المشتري الذي يبحث عن سلعة لا يستغني عنها، أن يشتري معها سلعة أخرى لاتجد من يشتريها، فقد أضاف إلى هذه القوانين البائرة، قوانين أخرى رائجة وعليها طلب، كان منها الحكم بالأشغال الشاقة لكل من يقدم بيانات غير صحيحة عن ثروته، أو يتهرب من أداء الضرائب والتكاليف العامة وإباحة تشكيل الأحزاب السياسية إسقاط الضرائب عن فقراء الفلاحين الذين تقل ملكيتهم عن ثلاثة أفدنة لتكون هذه القوانين المطلوبة بمثابة حوافز للناخبين تغريهم بالتصويت لصالح الحزمة الأولى وهو ما حدث إذ اسفرت النتيجة الرسمية للاستفتاء عن موافقة الناخبين على بنوده بنسبة 42.99%. وكان «السادات» قد اكتشف سياسة تحميل السلع التي ينخفض عليها الطلب على السلع التي يشتد الطلب عليها لأول مرّة عندما اشتد الصراع بينه وبين شركائه في السلطة من ورثة عبدالناصر حول مشروع إقامة الوحدة الثلاثية بين مصر وسوريا وليبيا، وحول الاتصالات التي كان يجريها آنذاك مع الولايات المتحدة الأمريكية، التي قطعت مصر علاقاتها الدبلوماسية معها في أعقاب عدوان 1967، وكان يريد أن يستند إلى هذين السببين لكي يبرر للشعب ما اتخذه ضدهم من إجراءات، لكن مستشارا ذكيا من مستشاريه نبهه إلى أن هاتين السلعتين من السلع الراكدة التي لا يوجد طلب عليها في السوق المصرية، لأن الذكريات السلبية عن سنوات الوحدة المصرية ـ السورية بين عامي 1958 و1961 لم تكن قد غادرت ذاكرة المصريين بعد، كما أن ذكريات الانحياز الأمريكي لإسرائيل أثناء حرب 1967 كانت لاتزال حية وأن تسويق هاتين السلعتين يتطلب أن تضاف إليهما سلعة عليها طلب كبير، وغير متوافرة في الأسواق المصرية منذ سنوات، وهي الحريات العامة. وهكذا قرر «السادات» أن يقدم نفسه للشعب باعتباره بطل الحريات، وأن يصور الصراع بينه وبين منافسيه على السلطة، باعتباره ـ أساساً ـ يدور حول الدولة البوليسية، فأعلن إلغاء التنصت على الهواتف، والإفراج عن المعتقلين السياسيين، وإصدار دستور دائم وإعادة انتخاب مجلس الأمة. وفيما بعد أدمن السادات هذه السياسة، فحين قرر إعادة افتتاح قناة السويس بعد تطهيرها في أعقاب حرب أكتوبر اختار يوم 5 يونية 1975 للاحتفال بهذه المناسبة، وقال إنه اختاره لأنه اليوم الذي وقعت فيه هزيمة 1967، وبذلك يتحول من يوم للحداد إلى يوم للفرح، أما الذي لم يقله، فهو أن إعادة افتتاح القناة كان يفقده ورقة ضغط تفاوضية، تمكنه من دفع الدول الأوروبية للضغط على إسرائيل لكي تنسحب من الأرض المصرية المحتلة، بل وكانت إعلاناً صريحا بأن حرب أكتوبر 1973 هي آخر الحروب! ويكاد الإعلان الدستوري الذي أصدره الرئيس «محمد مرسي» في الأسبوع الماضي، يكون مثالاً نموذجيا لسياسة تحميل السلع البائرة على السلع الرائجة، فقد بدأ بديباجة ثورية زاعقة، زعم فيها الرئيس أن ثورة 25 يناير، قد حملته مسئولية تحقيق أهدافها وتأكيد شرعيتها، وتمكينها «بما يراه» من إجراءات وتدابير.. الخ، لتتلوها المادة الأولى التي تتعلق بإعادة التحقيقات والمحاكمات في جرائم قتل المتظاهرين المنسوبة إلى النظام السابق، وتلك هي السلع الرائجة، التي تصور الذين صاغوا الإعلان أنه كافية لتحميل بقية المواد البائرة التي شملتها ومنها تحصين قراراته التي أصدرها من قبل والتي سيصدرها من بعد من أي طعن أمام القضاء، وتحصين تأسيسية الدستور، ومجلس الشوري ضد أي حكم قضائي يقضي بحلهما، وإطلاق يده في أن يفعل ما يشاء. ما فات على مستشاري الرئيس مرسي، هو أن تجربة المصريين مع الرئيس «السادات» قد كشفت لهم عن أن سياسة تحميل السلع تنتهي عادة باختفاء السلع الرائجة وبقاء السلع البائرة، وأن السلع الرائجة من إجراءات 18 و19 يناير 1977 ومنها اعفاء فقراء الفلاحين من الضرائب قد اختفت بمجرد الاستفتاء وأن «السادات» قد عدل عن الديمقراطية التي وعد بها الشعب بعد أن ثبتت سلطته، وهم واثقون بإجراءات مثل إعادة محاكمة قتلة الثوار، هي وعود لن تنفذ ولذلك لم يبلعوا الطعم هذه المرّة، ونهضوا لمعارضته!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها