النسخة الورقية
العدد 11154 الأربعاء 23 أكتوبر 2019 الموافق 23 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:21AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:37PM
  • المغرب
    5:03PM
  • العشاء
    6:33PM

كتاب الايام

بالقلم الرصاص

ختـــام عاشـــوراء لـم يكــن مســــكا!!

رابط مختصر
العدد 8642 الجمعة 7 ديسمبر 2012 الموافق 23 محرم 1434

باستثناء المذهبيين في الطائفتين، تثير لدينا جميعا، نحن البحرينيين، مناسبة عاشوراء حالة من الشعور الجمعي بالتقارب والحب والاحترام تجاه بعضنا البعض. وهذه الحالة أدركناها صغارا ونستشعر دفئها كبارا، ولن يتنكر لها إلا من ملأ قلبه غل الطائفية الذي استزرعه تعصب أعمى لا يعرف من المواطنة والوطنية شيئا. البحريني يدرك تمام الإدراك أن ما يحزن أخاه البحريني يحزنه، ويعايش في تفاعل وجداني أخوي أفراح أخيه في الوطن أيا كانت نحلته ومهما كان مذهبه، وهذه طبيعة فطر عليها شعب البحرين، وشعور توارثناه أبا عن جد وسنستمر في توريثه لأبنائنا من بعدنا وإن كره ذلك المذهبيون وعملوا قولا وعملا على دق إسفين الشقاق بين توأم بني البحرين وأقامها صرحا نابضا فينا وبنا حبا وتآلفا وحرصا على إرثنا المشترك ومستقبلنا الواعد. غير اني صرت أخشى من أن يكون هذا الغل الطائفي الذي يذرع به الطائفيون المجتمع من شرقه إلى غربه ومن شماله إلى جنوبه قد بدأ يستشري في المجتمع مبتدئا مسيرته المدمرة بفلذات أكبادنا. إن المذهبيين يتقصدون أطفالنا في ظلمات تجمعاتهم ليسقوهم زعاف أحقادهم ويبعدونهم عن أنوار مدنية الدولة وإشعاعها الحضاري. ضمن عاشوراء هذا العام الذي انقضى وقت الاحتفال به ولن ينقضي زمنه أو تنتهي دورة ممارسة شعائره باعتباره حكاية تكثفت في يوم موغل في توحشه ثم أضاءت السماء بنورانية دلالاتها الإنسانية، فإن المواطن ليسعد عندما يشاهد أحبته وشركاءه في الوطن يعبرون في هذا الطقس السنوي عن مشاعرهم الدينية التي يستدعون فيها الذاكرة لتبقى دلالاتها مفتوحة على الأمل بتضييق الفوارق الاجتماعية وتعزيز مفاهيم العدالة والحكم الرشيد والقضاء على الفقر. وهو أمل إذا كانت تشاطرهم فيه مكونات المجتمع البحريني الأخرى، فإن السلطة السياسية تأخذ من ذلك الأمل هدفا يحدد مسيرتها في الإدارة والحكم، وتسترشد بتآلف مكونات المجتمع للعمل على دعم هذا التآلف وتحويله تلاحما عنوانه الأسمى الإيمان بالمواطنة رباطا مقدسا يشد البحريني إلى أخيه شدا جميلا رائعا. وبدلا من أن تنعكس هذه الأجواء الإيمانية على البحرين تسامحا ومحبة وأمنا وسلاما، وبدلا من أن تنال من خطباء هذه المناسبة و»رواديدها»، وهي تستحق، كلاما يخفف من الشحن الطائفي، وتعمل على حث عرابي جمعية «الوفاق» وتوابعهم في التنظيمات السرية الأخرى على إحداث تغيير جوهري في علاقتهم بالمكونات الاجتماعية الأخرى وبالدولة، فإنه لمن المؤسف ألا تسمع إلا خطبا تحرض على الكراهية وتهدد سلامة المجتمع البحريني في علاقة أفراده بعضهم ببعض، وتدفعهم إلى أن يزيدوا من صرخاته وأنينه تحت وطأة الأذى اليومي الممارس في صلف رافض لكل ما يطرحه المجتمع من المبادرات التي تقود إلى السلام الاجتماعي وتتيح أفقا للتلاقي ودرء أسباب التشرذم والانقسام. مر عاشوراء هذا العام كأي عاشوراء آخر عبرناه ونحن أطفال ثم شبيبة وها نحن نتجاوزه كهولا، وها هي هذه المناسبة الجليلة تمر مثلما عهدنا طقوسها المشبعة بالإيمان، وإن اختتمها أبناء «حق» و»وفاء» و»أحرار البحرين»، بشرير الفعال وسيئ الأعمال التي تقتر حقدا وكراهية للآخر فاقعة. إن إصرارا على مثل هذا الحقد الأعمى لا يُفسر عندي إلا بأحد الاحتمالين الآتيين: فإما أن يكون هناك طرف مستفيد مما يقع من اختلالات في مسيرة الحياة لغاية في نفس خبيثة تتربص سوءا بالبحرين وأهلها شيعة كانوا أو سنة أو مسيحيين أو...، وإما أن يقف وراء هذه الأحداث بعض المرضى النفسيين ممن وقرت في أنفسهم شتى أنواع العقد النفسية. وإذا كان دواء الاحتمال الأول شجاعة في إيقاف المعتدين وفي قول «لا» لمن أراد أن يجر غيره إقناعا بمنطق «اُنصر أخاك..» أو ترهيبا عبر التهديد «بإفراد رافض المشاركة في إثم الاعتداء على الوطن إفراد البعير المُعبّد». أما إذا كان الأمر متعلقا بالاحتمال الثاني فلا حل في نظري إلا الحجر الصحي والعزل الاجتماعي وشيء من صالح الدعاء بتخفيف المصاب. إن ما جرى في ختام إحياء ذكرى عاشوراء لم يكن مسكا! ويدفعنا إلى التساؤل: هل أن «الوفاق» عما اختتمت به هذه الذكرى بعيدة؟ شخصيا أتمنى ذلك من كل قلبي؛ لأن هذا يشير إلى تغير محمود وتغيير جوهري في مستقبل البحرين سينقلها حتما إلى مرحلة آمنة مستقرة. لكن كيف لنا أن نصدق ذلك مع كل الصمت الذي حاق بما تقوم به كوادر هذه الجمعية خارج إطار المناسبة الجليلة، وإزاء ما يطلقه زعماؤها من خلال الإعلام الإيراني وإعلام حزب الله ومن التلاوين الأخرى لحزب الدعوة في العراق وغير العراق. البحرين لم تكن يوما لقمة سائغة يسهل ابتلاعها ولن تكون. لقد أرهقت هذه الجزر في الماضي من أراد أن ينال منها وأتعبته، وهي اليوم، بسبب حنكة قيادتها السياسية وصلابة شعبها الذي هب في وجه من عاداها وتآمر عليها، لعصية على من يخطط ويتآمر ضدها بسبب حنكة قيادتها، وشجاعة شعبها. وعلى عكس ما اشتغلت عليه جمعية «الوفاق» وتوابعها من ضرب لوحدة هذا الشعب وتفتيت نسيجها الاجتماعي، فقد أثبت هذا الشعب إنه يقض ومتحاب ومتجانس. عموما إن مؤشرات التعافي على مستوى العمل اليومي الممارس في القطاع العام والأهلي واضحة، والحياة العادية الطبيعية على مستوى الشارع باتت عادية مثلما كان عهدنا بها قبل أحداث فبراير 201. وهذه المؤشرات، بلا شك، لا تبعث بالطمأنينة لمن يضمر الشر بالبحرين في الداخل وفي الخارج. نعم لقد تهاوت يافطات الجمعيات الكاذبة التي ادعت المدنية ورفعت شعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان، وانفضح أمر رافعي هذه اليافطات، وانكشفت الأجندة المذهبية للممول الخارجي، والممولين في الداخل، لكن الآثار التي تركتها تلك الأحداث تعمقت في وجدان الناشئة سلوكا بغيضا ينبغي علينا الالتفات إليه قبل فوات الأوان. البديهية التي كل يعرفها هي أن الأطفال هم من يملكون المستقبل وهم من سوف يملأ مساحته، ولن يتسنى لأطفالنا ذلك ما لم نملكهم عدته ونمدهم بأدوات المحافظة عليه لينتقل من بعدهم إلى أبنائهم.. وبذلك تستمر الحياة وهذا الهدف السامي من الوجود الإنساني. إن تخطيطا مدروسا ينبغي أن تقوم به مؤسسات الدولة الرسمية والأهلية لبلوغ هذا الهدف. وفي هذا الإطار ينبغي أن أشيد بالدور الذي استشعرت وزارة التربية أن عليها تأديته، وهي تصرف جهودا ومالا من أجل معالجة آثار الأحداث التي انعكست سلوكا عنيفا يمارسه النشء، وأفقدتهم الثقة في بعضهم البعض. إلا أن هناك عملا موازيا ينبغي أن تقوم به وسائل الإعلام المختلفة لتسليط الضوء على ما تقوم به هذه الوزارة، وغيرها من المؤسسات لكي يصل هذا الفعل إلى المجتمع وإلى البيوت، وليس إلى المدارس فحسب.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها