النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11728 الثلاثاء 18 مايو 2021 الموافق 6 شوال 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:21AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    3:03PM
  • المغرب
    6:18PM
  • العشاء
    7:48PM

كتاب الايام

المنامة: ما بين مقاهي الشيشة و«القدو»

رابط مختصر
العدد 8642 الجمعة 7 ديسمبر 2012 الموافق 23 محرم 1434

التدخين بكافة أشكاله ومستوياته مضر بالصحة ومسبب للعديد من أمراض الفم واللثة، وسبب رئيسي للأصابة بسرطان الرئة، لذا وجب التنويه والتحذير، كيلا يقال اننا بهذا المقال نشجع عليه. لايزال بوعادل «يوسف عبدالرحمن بوجيري» أطال الله عمره يأتينا نشيطا كل صباح إلى المقهى الشعبي في شارع الزبارة بالمنامة وداخل قبضته اليمنى شيء من التنمباك العجمي، آتيا به من بيته في المحرق ليطلب من صبي المقهى البنغالي أن يعجنه بالماء ويشكل منه كرة مدورة متماسكة قبل أن يضعها بعناية في رأس «القدو» كي يستمتع بتدخين لا توفره له الشيشة الحديثة التي دخلت إلى مجتمعاتنا الخليجية من مصر وبلاد الشام في العقدين الأخيرين، من بعد أن كانت البحرين ومعظم شقيقاتها الخليجيات لا تعرف سوى «القدو» المكون من قاعدة ورأس من الفخار، وخراطيم من القصب المستقيم المـكسو بالخيوط الدقيقة «كانت لتلك الخراطيم الصلبة وظيفة أخرى هي استخدامها في ضرب صبية البيت المشاغبين». إنّ من يقارن أيام لـَـوّل بالزمن الحالي لجهة التغيرات التي طرأت على المقاهي وما تقدمه، سيجد فرقا هائلا. فمقاهي اليوم أشبه ما تكون بمطاعم النجوم الخمس، وليس كمقاهي الأمس البائسة. حيث تجد المقاعد الوثيرة بدلا من المقاعد الخشبية الصلبة المتعبة للظهر، وأجهزة التلفاز الملونة مع اللاقطات الفضائية بدلا من أجهزة الراديو الضخمة وأغاني محمد زويد وضاحي بن وليد، وأنواعا لا تحصى من المشروبات الساخنة والباردة والعصائر الطازجة والكوكتيلات والغاتوهات المزينة بألف لون ولون مع نقوش وصرعات يسيل لها اللعاب بدلا من الشاي «السنكين» و»ملة» الحليب و»روب البيوت» وصحن «النخي»، وغرشة «النامليت بوتيلة»، وخيارات متعددة من الشيشة بنكهات مختلفة بدلا من «القدو» التقليدي وتنباكه الحارق للبلاعيم. هذا ناهيك عن إنتشار مقاهي الشيشة اليوم في كل مكان من المنامة، من بعد أن كانت مقاهي «القدو» في الأخيرة تقتصر على «مقهى معرفي» و»مقهى السيد نصيف» في فريج الفاضل، و»مقهى عبدالله» و»مقهى جاسم صليبيخ» في الحورة، و»مقهى سليمان» غرب سوق الحدادة القديم «لاحقا سـُمي بأسماء مختلفة مثل الشيرازي وأحمدوه البستكي»، و»مقهى البلوش» في فريج الشراشنة، و»مقهى عبدالرحيم» الذي لايزال قائما في مواجهة فندق دلمون، ناهيك عن مقهى كبير في وسط شارع الشيخ عبدالله لم أعد أذكر اسمه وإنْ كانت صورته لاتزال عالقة بذهني لأنه كان يتميز بمقاعد مفروشة بالسجاد العجمي، ومرايات مستوردة من الهند بنقوش طاووسية، وصور معلقة على الجدران لكبار مطربي البحرين ومصر والعراق، بل كان يتميز أيضا بوجود «دي جيه» يدير الإسطوانات الغنائية حسب طلب الزبائن. لكن القاسم المشترك بين كل هذه المقاهي كان أصوات الزبائن الصائحة بتلبية طلباتها على عجل. فهذا يصيح بالفارسية قائلا «يك قليون تشاق بيار شتاب «إحضر لي بسرعة قدو مشتعل»، وآخر يصيح بالعربية قائلا «ملة حليب وصحن باجيلا زتات» مثلا. وينطبق الشيء نفسه على رواد المقاهي من المدخنين. فمن بعد أن كانوا محصورين في فئة البالغين من الذكور دون الصبية والإناث، صار الكل يدخل المقاهي دون حرج أو خوف من عقاب أسري أو نبذ مجتمعي. ومن بعد أن كان رواد المقاهي يتخذون منها مكانا للتواصل وتجاذب الحديث في شؤونهم الخاصة والشؤون العامة وسط جو من الألفة والمحبة والتآزر الوطني والتكافل الإجتماعي، صاروا يجلسون جنبا إلى جنب كالأصنام دونما حديث.. فهذا مشغول في تغيير القنوات الفضائية بحثا عن ضالته، والآخر مشغول في إرسال المسجات عبر هاتفه الجوال، والثالث منشغل في البحلقة بمن في المكان من إناث أو بالعابرات في الطريق، والرابع مندمج مع كمبيوتره الشخصي، فيما العامل المشترك الوحيد بين كل هؤلاء هو قيامهم بسحب الدخان ونفثه في الأجواء برعونة ووحشية، وهكذا. أتذكر أن والدي المرحوم الحاج أحمد عبدالرحمن المدني كان من المدخنين العاشقين لـ»القدو» كالكثيرين من معارفه وجيرانه من الرعيل الأول. لكنه كان يتفوق عليهم جميعا في عدد مرات التدخين حتى صار مدمنا، يصاب بالصداع إذا ما حال بينهما ظرف ما. وكان يقضي ساعات طويلة في البحث عن أجود أنواع التمباك، متنقلا ما بين باعته من «الكراشية» في اسواق المنامة والمحرق. ولأنه كان كثير الأسفار، وهي هواية يبدو أني ورثتها منه بحسب ما وثقته في كتابي «عشرون عاما من الترحال»، فإن مشكلته كانت في حمل «القدو» ولوازمه من تمباك وفحم وخلافهما معه أينما طار. وظلت هذه المشكلة تؤرقه وتتعبه إلى أن اقترح عليه صديقه في السفر، وفي «مزّ» القدو المرحوم يوسف عبدالرحمن إنجنير أن يترك عدة التدخين كاملة لدى الأمانات في كل فندق يسكنه، كي تكون تحت طلبه كلما عاد إلى ذلك الفندق او البلد. وجد الوالد مثل هذا الحل معقولا ومجديا، فصارت له عدة تدخين في انتظاره في أكثر من بلد. لكن المشكلة الأخرى التي واجهته هي كيفية الحصول على التمباك أو الفحم إذا ما نفذ أحدهما أو كليهما. لم تكن هذه مشكلة للرجلين في «بمبي» التي عرفا دروبها ومسالكها منذ شبابهما وتعلما لغة أهلها، وكانا يترددان عليها باستمرار. لكنها كانت تثير إشكالات وطرائف عند زيارة الوالد لبلد أجنبي للمرة الأولى، خصوصا إذا ما كانت لغة التفاهم مفقودة. ففي اول زيارة له إلى اليونان في عام 1974 لم يحمل معه ما يكفي من الفحم لإشعال «القدو» فظل يجوب شوارع أثينا باحثا عنه وهو لا يعلم اللفظ الذي يطلقه اليونانيون عليه، إلى أن قادته قدماه إلى حي «بلاكا» الشعبي، حيث وجد بطريقة الصدفة عجوزا يونانيا يشوي الذرة على الفحم، فتوقف عنده متوسلا بلغة الإشارة أن يعطيه مقدار كفين من الفحم غير المشتعل بأي ثمن، لكن الأخير لم يفهم المطلوب جيدا، فشوى له كمية من الذرة بعدد أصابع الكفين. أما في زيارته الأولى لهونغ كونغ في عام 1975 فقد طلب منه مسؤولو فندق «الهوليداي إن» حيث كان يقيم أن يدفع فاتورة حسابه ويخلي غرفته فورا. وكان السبب هو انه أشعل الفحم في شرفة الفندق من أجل الاستمتاع بتدخين «القدو»، لكن أجهزة إنذار الحريق كانت أسرع، فانطلقت لتحول بينه وبين تلك المتعة. بعد هذه الواقعة، صار الوالد يأخذ الحيطة والحذر، فاهتدى إلى إشعال الفحم على ظهر مكواة الملابس من بعد تسخينها إلى الحدود القصوى، ولعل ما ساعده على اتمام العملية بنجاح هو ظهور الفحم الاصطناعي سريع الاشتعال وقتذاك أي الفحم الذي نستخدمه اليوم في إشعال البخور. ونختتم بما هو معروف عند عشاق «القدو» من الرعيل الأول وهو حرصهم الشديد على ألا يستخدم الغرباء «القدو» الخاص بهم، وهذا يمكن اعتباره نوعا من أنواع الوقاية الصحية العفوية ضد انتقال الأمراض من شخص إلى آخر. وأتذكر في هذا السياق أن جارة لنا خمسينية سمينة اسمها «فاطمة رضا» «اسم علم مركب» كانت تتسلل إلى منزلنا بمجرد خروج الوالد منه كي تتلذذ بنفس أو نفسين من «القدو» الخاص به قبل أن تنطفيء جمراته. وبسبب هذه المرأة المتطفلة، كثيرا ما دخل الوالد مع الوالدة في شجار، كانت الأخيرة تخرج منه منتصرة بسبب وقوفي في صفها ضد ما كان «القدو» يخلفه في منزلنا من رماد منثور في الزوايا، وروائح غير مقبولة، وبقع حريق على السجاجيد أو الحصر المفروشة، مكذبا بشدة ما كان تروجه بعض النسوة من أن غسل الوجه بالماء المتخلف من تدخين «القدو» كفيل بحماية أو شفاء العينين من الرمد والتراخوما.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها