النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11184 الجمعة 22 نوفمبر 2019 الموافق 25 ربيع الأولى 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:38AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:46PM
  • العشاء
    6:16PM

كتاب الايام

بالقلم الرصاص

آلام قديـــــــمـــــة جـــــــديـــــــــدة!!

رابط مختصر
العدد 8621 الجمعة 16 نوفمبر 2012 الموافق 2 محرم 1434

ينتابني أحيانا شعور بالعجز عن الكتابة فأطلق القلم لأسرح الطرف في بحريننا الجميلة، فإذا بتأملي الشاعري يتبدد بمجرد اصطدادمي بما يتهدد جمال بلادي فتُعاودني معاناة الكتابة وأوجاعها ليقودني قلمي الرصاص إلى ورقة بيضاء أجدها في هذه الأيام تسود بما نعانيه من أمراض أخشى أن تتحول إلى أمراض مزمنة تعصف بملحمة الأجداد وتذهب بريح وحدتنا الوطنية لتجعلنا كلنا نكتوي بنيران عبث سياسي أحيت غول الانقسام بإخراجها مارد الطائفية من قمقمه. وجدت قلمي الرصاص ينجذب إلى أقوال لي قديمة حديثة فيُعيد صوغها لإبراز وجهة نظري الشخصية حول الطائفية بوصفها واحدا من الأمراض الاجتماعية وأحد أكبر المخاطر التي تتعارض مع الرغبة الوطنية الجماعية في بناء دولة المواطنة وتعوق برامج تنميتها في أي مجتمع. أجدني مضطرا للعودة مجددا إلى طرح هذه المشكلة على بساط البحث عسانا نتلمس معا علاجا لها في الأفق القريب. إن الطائفية، من حيث النشأة والأسباب قد تدشنت، قولا وممارسة في البحرين، مع بداية الثورة الإيرانية وبرعاية من زعمائها الدينيين ووكلائها المحليين، واستفحلت وأخذت منحى الوضوح التام بعد أحداث «الدوار»، وغدت عنوانا لحركة مذهبية عنيفة لم يعرف عنها في يوم من الأيام مداومتها على مطالب وطنية مثل الحرية، والديمقراطية، وحقوق الإنسان، إلا عندما أرادت كسب تعاطف الرأي العام العالمي عبر استثمار متاحات الميديا. نقول ذلك ونحن على يقين من أن هذا الطرح لا ينفي وجود بذور الطائفية في المجتمع قبل «الثورة الإسلامية» في إيران ببواعث ممارسات خاطئة نجح المجتمع البحريني في كبح جماحها وتجاوزها برصيد من القيم الإنسانية والوطنية النبيلة استُلهمت مكوناته من ملحمة البحريني وهو يخط لهذه الرقعة الجغرافية الصغيرة قدرا رائعا جعلها قبلة الجميع لانفتاح أهلها على الآخر وقدرتهم على التكيف مع مقتضيات التطور التي نجد من بينها تبني منظومة الدولة الحديثة: دولة المواطنة والقانون والمؤسسات. إن تأريخ طفرة الطائفية وظهورها على السطح بدءا من سطو ملالي إيران على ثورتها يدفعني إلى تأكيد التعارض الهيكلي الدائم بين الطروحات النمطية للإسلام السياسي في العموم والمذهبي بوجهيه السني والشيعي في الخصوص مع طروحات الدولة المدنية الحديثة القائمة على الاقتصاد الحر وما يتطلبه من انفتاح على الثقافات الأخرى. لقد أحالت تلك الطروحات النمطية الواقع السياسي والاجتماعي من بعد أن كان شعلة نشاط تنتقل بين أياد ليبرالية وقومية وماركسية وبعثية وديمقراطيين مستقلين إلى صورة شوهاء نمطية مرتبكة لحراك سياسي كسيح اختلط فيه الدين بالسياسة، وبانت الطائفية واختفت الوطنية، ليتوقف بذلك عمل وطني متراكم من النضال المجتمعي الصاخب حينا والهادئ أحيانا والساعي الى الوئام الوطني والديمقراطية في كل الأحايين ويترك الساحة لنعرات مذهبية طائفية تكاد تذهب بتماسك المجتمع البحريني لولا حكمة قيادتنا السياسية ورحمة من ربنا. وطرقا لأبواب الحل المرتجى لوقف مثل هذا الجنون الذي يقود إلى انتشار الطائفية لتغدو سلوكا معجونا بالعادية في تصرفات الناس، نقول بأن أولى العلامات التي تشير إلى أن هناك شرا مُضمرا بالمجتمع يلهب لحمته الوطنية تقطيعا وتفتيتا، هو حين تكون الطائفة جسر العلاقة بين المواطن والدولة، بعد أن كانت المظلة التي يلتجئ إليها منتموها المذهبيون طلبا لحاجات لم توفرها الدولة، وبذلك تتحول الدولة إلى مركز استقطاب طائفي كل يسعى للسيطرة عليه أو التأثير في سلطته القائمة ليطوع خيرات الدولة وسلطاتها لطائفته، وهذا بالضبط ما تسعى إليه جمعية الوفاق وتوابعها، ليحتدم الصراع من بعد ذلك بينهم وبين المكون الاجتماعي الآخر في ظل تراخي مأمول لقبضة الدولة على زمام الأمور وغياب حلولها السياسية والاقتصادية والاجتماعية. من هنا تأتي الدعوة إلى تعميم التسامح والمواطنة والمساواة في العمل السياسي وذلك استعدادا لمواجهة هذا التقطيع والتفتيت. إن المواطنة من حيث هي إطار قانوني مرجعي، هي الضمانة لشيوع المساواة، وهي الدائرة التي لا تتسع إلا بالقدر الذي يحفها من التسامح، ما يعني أن التسامح هو الشمس التي يتخذها كل من المواطنة والمساواة مركزا للدوران حولها. فإذا ما وقف التعصب، وهو أحد تجليات الطائفية، في وجه التسامح وحال دون شيوعه كقاعدة مجتمعية تنبني عليها العلاقة بين الناس بعضهم ببعض، وبين الناس والحكومة، فإن ذلك يعني تغييبا لمبدأ المواطنة. وينبغي القول، في هذا الاطار، إن شيوع مفردات من قبيل التسامح والمواطنة والمساواة في البيئة المجتمعية من ضرورات الإزاحة الحتمية للتمييز المبني على جنس الإنسان وعرقه وسلالته ومكانته ووجاهة عائلته. متطلب العيش في بيئة اجتماعية معافاة من أمراض التمييز وعدم المساواة يقتضي منا قراءة التاريخ والاستفادة من دروسه، وهي مهمة ليست يسيرة ولكنها ضرورية للوقوف على منحنى التطور وتأمل محطاته. وهذا ما تم بالفعل عندما اتخذ مبدأ المواطنة مرتكزا لبناء الدولة القومية ولتأسيس نظم سياسية فاعلة حققت قدرا متزايدا من الاندماج الوطني والمشاركة السياسية الفعالة وحكم القانون. فنحن في المملكة، حكومة ومؤسسات مجتمع مدني، ومن باب التصدي لدعوات التشطير «الوفاقية» ملزمون وطنيا في ظل هذا العهد الزاهر، بتوفير مناخ سياسي وقانوني وثقافي صحي يضمن تطبيقا سلسا لمفهوم المواطنة يأخذ في الحسبان ما آلت اليه العلاقات الاجتماعية بين الناس في المجتمعات المتطورة والمجتمعات التي لا زالت تقبع أسيرة أنماط العيش القبائلي مستفيدين مما أفرزته تجارب تلك الأمم في تطبيقاتها لمفهوم المواطنة وتجاوزها لأزماتها وتوتراتها الداخلية باعتبارها حلا قانونيا يفترض أن يكون مرضيا ضد خروقات الطائفية والطائفيين. ذلك أن المواطنة، بما تشكله، من شخصية اعتبارية لها حقوق وواجبات، تتخذ موقعا مركزيا في الفكر القانوني والدستوري المعاصر. صفوة القول، إن غياب المواطنة أو عدم وضوحها أو خرقها في كثير من المجتمعات الحية كان سببا في اضطراب الوئام الوطني، وكسرا لوحدته الوطنية، وكان سببا مباشرا في بروز أورام مجتمعية تقتضي الضرورة استئصالها بمزيد من الدعم الحكومي لمبدأ المواطنة والدعم المجتمعي لمبدأ التسامح. وفي تصوري، أنه مهما أظهرت التجربة الديمقراطية، أي تجربة، من شبهات النجاح من دون الارتكاز على ما أشرنا اليه من قيم التسامح والمواطنة والمساواة وحقوق الانسان فإنها محكومة، زمنا ومكانا، بالفشل، وهذه، في ظني، حتمية تاريخية.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا