النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12141 الثلاثاء 5 يوليو 2022 الموافق 6 ذو الحجة 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:17AM
  • الظهر
    11:42AM
  • العصر
    3:08PM
  • المغرب
    6:34PM
  • العشاء
    8:04PM

كتاب الايام

الأقلية التي تعرقل إعلان الدستور

رابط مختصر
العدد 8621 الجمعة 16 نوفمبر 2012 الموافق 2 محرم 1434

على عكس ما تدعي تيارات الإسلام السياسي في مصر فإنها هي السبب في العجز عن التوصل إلى توافق وطني حول نصوص الدستور الجديد وليست القوى الليبرالية والعلمانية واليسارية التي يتهمها الإسلاميون بأنها «أقلية» تسعى إلى وضع العراقيل أمام انجاز الدستور كجزء من مخطط لإشاعة الفوضى والحيلولة دون تنفيذ ما يسمونه «المشروع الإسلامي». وعلى عكس ما تدعيه هذه التيارات، فقد كان هناك ما يشبه الإجماع بعد ثورة 25 يناير 2011 بين كل القوى السياسية بما في ذلك القوى الليبرالية والعلمانية واليسارية، على أن يحتفظ الدستور الجديد بنص المادة الثانية من دستور 1971 التي تقول «الإسلام دين الدولة واللغة العربية لغتها الرسمية.. ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع» كما هو من دون حذف أو إضافة.. أو تعديل! لكن الأحزاب السلفية التي لا تمثل «أقلية» داخل المجتمع أو داخل التيارات الإسلامية، فحسب، بل وتمثل -كذلك- «أقلية» داخل اللجنة المنوط بها وضع الدستور، إذ لا يزيد عدد المقاعد التي تشغلها على 17 من بين مائة عضو خرجوا عن هذا التوافق الوطني وأصروا على المطالبة بتعديل نص المادة، واستبدال عبارة «أحكام الشريعة» بعبارة «مبادئ الشريعة» وقالوا في تبرير ذلك إن مصطلح الأخير مصطلح فضفاض وغير محدد المعنى، ينصرف معناه إلى قيم عليا تشترك فيها كل الأديان والدعوات الإنسانية الراقية كالعدل والحرية والمساواة، بالعكس من مصطلح «أحكام الشريعة» الذي ينصرف إلى أحكام محددة ومفصلة وردت في القرآن الكريم والسنة النبوية ومدونات الفقه الإسلامي في مختلف العصور، وأضافوا أن الذين أخذوا بمصطلح «مبادئ الشريعة» عام 1971 كانوا يقومون بمناورة خبيثة تستهدف تمكين المشرع من التحلل من الالتزام بتطبيق الشريعة. وعندما لفت البعض أنظارهم إلى أن الأخذ بمصطلح «أحكام الشريعة» يقيد المشرع بالأحكام الواردة في مدونة الفقه الإسلامي في مختلف العصور وكلها اجتهادات بشرية تجاوزها التطور وثبت خطأ بعضها، بخاصة ما أقحم منها على الفقه الإسلامي في عصور الانحطاط استقروا عند المطالبة بأن يكون النص «والشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع» من دون «مبادئ» وبلا «أحكام»! وفشلت كل المحاولات لإقناع هذه الأقلية السلفية بأن النص الذي ورد في دستور 1971 هو نص محكم وضعه فقهاء ثقات يجمعون بين التفقه في الشريعة الإسلامية، والتفقه في القانون الدستوري، وأن التفسير الذي أخذت به المحكمة الدستورية العليا لهذا النص يحقق ما يطالبون به إذ ذهبت إلى أن مصطلح «مبادئ الشريعة» يعني «الأحكام قطعية الثبوت قطعية الدلالة التي يمتنع الاجتهاد فيها، لأنها تمثل من الشريعة مبادئها الكلية وأصولها الثابتة التي لا تحتمل تأويلا أو تبديلا ولا يجوز الخروج عليها أو الالتواء بها عن معناها، أو إقرار أي قاعدة قانونية على خلافها!!». أما فيما يتعلق بأحكام الشريعة الإسلامية الظنية -أي غير المقطوع بثبوتها أو بدلالتها أو بهما معاً- فقد ذهبت المحكمة الدستورية العليا إلى أن هذه الأحكام بطبيعتها متطورة بتغير الزمان والمكان لضمان مرونتها وحيويتها، فيجوز الاجتهاد فيها في إطار الأصول الكلية للشريعة، والمقاصد العامة لها بما تقوم عليه من حفاظ على الدين والنفس والعقل والعرض والمال، وانطلاقا من ذلك أباحت المحكمة للمشرع أن يختار من هذه الأحكام الظنية، من مذهب دون مذهب، أو أرجح الأقوال من مذهب من المذاهب وفقا لما يراه ملائما لظروف المجتمع بلا معقب عليه في تقديره. وكان ذلك هو الاتجاه نفسه الذي أخذ به برنامج الحزب المدني غير محدد الاسم، الذي شرع «الإخوان المسلمون» في تشكيله عام 2007، في تفسيره لشعار «دولة مدنية ذات مرجعية إسلامية» الذي كانوا يرفعونه آنذاك، إذ ذهب البرنامج إلى تقسيم نصوص القرآن والسنة التي تمثل هذه المرجعية، من حيث الزاميتها إلي قسمين: الأول: هي النصوص قطعية الثبوت والدلالة، والتي لا مجال للاجتهاد فيها. والثاني: هو النصوص ظنية الثبوت والدلالة وهي المجال الأرحب والأوسع للاجتهاد وتعدد الأداء والأفكار خاصة في الأحكام التي تنظم أمر الحياة الدنيوية، وفي هذه الحدود تكون قاعدة أنتم أعلم بشؤون دنياكم «مقيدة» بما لم يرد فيه دليل شرعي معتبر الدلالة. ويبدو أن السلفيين -أو بعضهم- قد اقتنعوا في مرحلة من المراحل بأن مصطلح «مبادئ الشريعة» ليس دسيسة علمانية أو فخاً لييبرالياً، فوافقوا على إعادة النص إلى أصله الذي ورد في دستور 1971، لكنهم اشترطوا أن تضاف إليه عبارة تنص على أن تكون هيئة كبار العلماء بالأزهر هي المرجعية في تفسير معنى عبارة «مبادئ الشريعة» وهي إضافة كان يستحيل قبولها، إذ ليس منطقيا أن يتضمن أي دستور نصا يجيز لسلطة ليست دستورية أن تفسر نصوصه بل ان تفسير هذه النصوص يقتصر على مستويات معينة من السلطة القضائية هي ما يعرف بـ«قضاء المشروعية» وينحصر هذا الحق في المحكمة الدستورية العليا، إذا ما نص الدستور على وجودها، وفضلا عن أن الأزهر هو في الأصل معهد لتدريس علوم الدين الإسلامي وأكاديمية للبحث العلمي في هذه العلوم، وليس سلطة من السلطات الدستورية فإن إناطة هذا الأمر به يؤكد أن مصر تحولت إلى دولة دينية أو «ثيوقراطية» يحكمها رجال الدين وهو ما يحرص جميع المنتمين إلى التيارات الإسلامية على نفيه والتأكيد أن الإسلام دين مدني لا يعرف الدولة الدينية أو حكم رجال الدين! وبسبب الحرص على التوصل إلى توافق مع الأقلية السلفية وحتي لا يعطيها الآخرون، بخاصة المنتمين إلى التيارات الإسلامية الفرصة للمزيادة عليهم والظهور بمظهر الأكثر حرصاً علي تطبيق الشريعة والحصول بالتالي على أصوات أكثر في الانتخابات البرلمانية الوشيكة، فقد جرى الاتفاق -بعد اعتذار الأزهر عن القيام بمهمة تفسير المادة- على أن يجري تعريف مصطلح «مبادئ الشريعة» بنص في الدستور يقول إنها «تشمل أدلتها الكلية وقواعدها الأصولية والفقهية ومصادرها المعتبرة في مذاهب أهل السنة والجماعة» مع إضافة نص إضافي يقضي بأن يكون الأزهر هو المرجعية في كل شؤون الشريعة. وبينما الجميع مشغولون بمحاولة فهم معاني هذه الإضافات، فاجأهم السلفيون في المظاهرات التي نظموها يوم الجمعة الماضية تمهيدا لمليونية تطبيق الشريعة التي يعقدونها يوم الجمعة القادم يطالبون بأن يكون نص المادة الثانية هو «الشريعة الإسلامية هي المصدر الوحيد -وليس الأساسي- للتشريع» ثم: يهتفون بسقوط الأقلية العلمانية الليبرالية التي تعرقل إصدار الدستور حتى لا ينفذ المشروع الإسلامي«!!».

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها