النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11184 الجمعة 22 نوفمبر 2019 الموافق 25 ربيع الأولى 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:38AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:46PM
  • العشاء
    6:16PM

كتاب الايام

بالقلم الرصاص

فـي شأن التنوع والاختـلاف!!

رابط مختصر
العدد 8607 الجمعة 2 نوفمبر 2012 الموافق 17 ذو الحجة 1433

قد يكون الحديث عن التنوع والاختلاف باعثا لإثارة بعض الأسئلة لدى القارئ الكريم، وأزعم أني أقرأ بعضها ومن ضمنها: «ما الذي أضافه التنوع والاختلاف إلينا في البحرين؟» و»هل للتنوع والاختلاف معنى إيجابي في واقعنا البحريني؟» وأخيرا «ما الإيجابي فيما يحدث في المشهد الاجتماعي؟» أسئلة مهمة ولعلها مجتمعة تعد توسيعا لسؤال واحد وهو «لماذا لا يوظف التنوع والاختلاف في خدمة مجتمعنا البحريني؟». إذا كان من اليقين الثابت أن التجديد والإضافة لا يمكن لهما إلا أن يكونا نتاجا لعملية تلاقح الأفكار عبر تحاورها وتدامجها بشكل حر وديمقراطي في بيئة ترفل بمعطيات التنوع الثقافي وتؤمن بالاختلاف وتأمن له باعتباره أفقا مفتوحا على التعدد، فإنه من البداهة والمنطق التشكيك في قدرة المماثل على القيام بمثل هذا الفعل. ولن يسيء للديمقراطية ما قد يترتب على تلك الحوارات من خروج عن المنطق المألوف والكلام المجتر الذي يحمل تهديدات مضمنة بالويل والثبور وعظائم الأمور تحدث إيلاما نفسيا يعوق الإبداع ولا يلغيه، ويعطل الرغبة في التجريب والمغامرة ولا ينهيهما بوصفهما عمليات طرق في المجهول برغبة الاستكشاف تعرض من آمن بالديمقراطية للشبهة التآمرية على القيم والثوابت، بل إنها، أي الحوارات، تعطي تدريبا على تقبل الآخر لها وان بدت مغايرة وغير مألوفة. وفي اعتقادي، أن ثمة علاقة من اللزومية الشديدة بين التنوع بأبعاده الإنسانية، العرقية والجنسية والفكرية، كوضع طبيعي للوجود المادي بتلامسه مع حقائق الواقع وحرارة أنفاسه، وبين الاختلاف، من حيث هو نزعة إنسانية تنشد الكمال وبلوغ الحقيقة من مداخل متعددة، إذ يستحيل قبول التنوع بدون التسليم بالاختلاف والإقرار بالتعددية، ذلك أن الاختلاف هو نتيجة طبيعية للتنوع، وقبوله والرضا به هو أحد أوجه نجاح الديمقراطية. ولضبط العلاقة بين التنوع والاختلاف فإن رابطة أخرى ينبغي استلالها من جدلية تلك العلاقة، لإيجاد صيغة إنسانية تؤلف بين المتناقضات، وهي التسامح، تلك المفردة القادرة على حمل المجتمع على تجاوز صعوبات الحوار ومخاضات الانتقال السلمي إلى فضاء الديمقراطية. التنوع والاختلاف لا يستقيمان في المشهد الإنساني إلا مع تكرس التسامح قيمة إنسانية أساسية، يرتجع أمر تكرسها وضرورة سيادتها إلى وزارة التربية والتعليم التي تقوم بعمل جبار في إعادة قراءة المناهج من حيث الأهداف لمحتوى وأساليب التدريس والتقويم، وفق ما يتطلبه المشروع الإصلاحي لجلالة الملك وما ينسجم مع معطيات حوار التوافق الوطني، وكذلك ما تقوم به أو من المفروض أن تقوم به مؤسسات الحكومة الأخرى إعلامية كانت أوشبابية أو ثقافية، هذا فضلا عن مؤسسات المجتمع المدني عبر توظيف مستخلص عموم الثقافة الشعبية على ما رحبت به من موروث شفاهي ومحكي نجد فيه خزينا متدفقا لا ينضب من المعارف والخبرات التي تورد التسامح قيمة متناقلة جيلا بعد جيل أسهمت في وضع عتبات الأمان ليجتاز الآباء والأجداد مراحل ما كان لها أن تتم من فرط قسوتها. إن التنوع سمة دالة على الغنى الفكري ومجال ثرٌّ لخلق ثقافة متميزة، والتاريخ يعطي أمثلته الساطعة وأدلته الدامغة في هذا الإطار. أوليست الحضارة الإسلامية المثال الأقرب إلى الوعي العربي الإسلامي والأكثر إرضاء وقبولا لدى كل من يؤمن بالتنوع وآثاره الإيجابية؟! إن الحضارة العربية الإسلامية قد بنت بعض عناصر قوتها من امتثالها لمعطيات التنوع والاختلاف الإيجابية ومن تشبثها بعناصر القوة في كل ما انفتحت عليه من الثقافات ومن مرونتها في التكيف مع تغير معطيات العصر والتاريخ، ولعل ما يثير التوجس ويبعث على القلق هو تمسك البعض بنزعة إحيائية أرثودكسية لا تنتقي في رؤاها الإحيائية إلا بمعطيات من الحضارة الإسلامية المختلف عليها لتحاول بعثها من جديد حتى وان كانت لا تستقيم مع منطق التطور، ولا تتناغم مع وجوه السماحة الإسلامية التي احتوت أمما تفاوتت في سلم رقيها الحضاري. إن التنوع الثقافي والزخم الحضاري الذي تحركت فيه الحضارة العربية الإسلامية معطية آخذة منحها بين أمم الكون أفضلية في العلوم والثقافة بمختلف تجلياتها؛ إذ ما من أمة حبست ذاتها في إطار محيطها الثقافي والايكولوجي تحت شعارات عنصرية متعالية مثل المحافظة على العرق والنوع، أو بدواعي الخوف على الثوابت والقيم تحت حس متوهم بأنها في مرمى مؤامرات الغير ومستهدفة بالكراهية من بين أمم الأرض إلا وكانت الخيبة عنوانا لمنجزها، وكأنها تحكم على نفسها من ثم بالضمور والتلاشي في بحر أوهام صنعتها بيديها. ولعل القارئ الكريم يستنتج مما سبق أن ثمة من يتقصدنا بالإساءة إلى ثقافتنا وانفتاحها وتنوعها، باعتبار ذلك التنوع والانفتاح تراجعا عن الخط العام الذي يرسمه البعض باللون الواحد وعلى الكل الالتزام به والانقياد لباهت نوره ومجهولات نهاياته. فإذا ما اتفقنا على أن الاختلاف سليل التنوع وينبغي قبوله، فإننا، بالتأكيد، سنتفق على أن التنوع هو حاصل موضوعي للتعدد الإثني والعرقي وبالتالي الثقافي، وأنه يلزمنا ضرورة العيش المشترك ويفرض علينا تقبل بعضنا البعض. وفي هذا الإطار فان الاختلاف، بالضرورة ناجم عن مواقف ومرتكزات فكرية وأيدلوجية وفلسفية متباينة دفعت بها الحياة من واقع متغيراتها، وبالتالي فهو إفراز دال على حيوية وديناميكية المجتمع الذي قد رفض في مسار تطوره ما يعرف بالواحدة الثقافية، سمة الأنظمة الشمولية والثيوقراطية وأكسجين استمرار وجودها الذي عادة ما ترتهن له وتختبئ في دامس ظلامية نفقه القيم المجتمعية المراد تعزيزها وسيادتها. والمتأمل في الواقع الثقافي في المجتمع البحريني يرى عجبا، حيث الفضاء مفتوح لانهمار المعرفة من كل الثقافات وبشتى اللغات التي تحمل أفكارا متنوعة كانت البحرين على الدوام منفتحة عليها ولا تمثل بالنسبة إلينا جديدا إلا لكون المعرفة بذاتها متجددة ولكنها لا تختزن في ذاتها قدرة نفي القديم بالسرعة المطلوبة، ويرجع ذلك، في اعتقادي، إلى قوة تأثير رجال الدين الذين يخلطون خلطا مقصودا بين المدني والديني. لا أزعم أن ما تقدم هو إجابة شافية عن الأسئلة الاستهلالية ولكنها مساهمة مني في البحث عن المشتركات الوطنية التي ينبغي أن نركز فيها لبناء مجتمع متحاب، مثل ما رغب في ذلك آباؤنا وأجدادنا من قبلنا ونجحوا فيه نجاحا لا ينكره إلا من كلت بصيرته عن الوعي بحقيقة الظاهرة البحرينية مثالا حيا مجسدا لكل مقولات التنوع والاختلاف وأثرهما في إنشاء كيان يستمد قوته من تنوع مكوناته.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا